مجلة المقتبس/العدد 24/حالتنا العلمية والاجتماعية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 24/حالتنا العلمية والاجتماعية

مجلة المقتبس - العدد 24
حالتنا العلمية والاجتماعية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 1 - 1908


حري بنا والربح الأول من القرن الرابع عشر ينتهي بانسلاخ هذا الشهران نذكر بعض ما تم للبلاد العربية في خلاله من أسباب النهوض وتحسين الملكات والارتقاء العلمي والأدبي فنثبت من ذلك ما نعرفه عن مصر والشام بالعيان وما يبلغنا عن بلاد القاصية من ثقات من رحلوا إليها او اطلعنا عليه فئة من أهلها فنقول:

كان حظ مصر من هذا الارتقاء عظيما إذا قيس بالخطوات التي خطتها الاقطار الأخرى ومصر لاتزال منذ سقوط الدول الأولى محط رحال العالمين والمتعلمين ومقصد أهل الإسلام من أهل أفريقية وأوروبا واسيا وجزائر المحيط. فقد زاد فيها عدد المتعلمين وبعد أن كانوا واحدا او اثنين في المئة أصبحوا الان نحو عشرة وزاد المتأدبون والقراء ايضا فبعدان كأنت الجرائد لايتنأولها أكثر من الفي قارئ ومعظمهم لايكادون يفقهون مايقرأون زاد عددهم زيادة كبرى حتى جاوزوا فبما احسب ثلاثين ألفاً وكثير منهم يعقلون ما يلقى عليهم كما زاد تحسين الصحافة العربية وأخذ تجري على مثال الصحافة الغربية وصار لها صوت وتأثير في الأمة. وعلى تلك النسبة نما فريق الكتاب والأدباء والمعربين والمصنفين بعد أن كان الكتاب في مصر أواخر القرن الثالث عشر يعدون على الأصابع معضمهم ضعاف يكثر في كلامهم اللحن والركاكة كما تقل الأفكار السديدة ولو لم يكن المصريون منصرفين إلى تولي أعمال القضاء والإدارة والطب والهندسة في الحكومة لرأيت الكاتبين والمفكرين منهم أكثر سواداً وأعظم نفعاً ولكن الأمال معقودة بان يزيد عددهم ويكثر الانتفاع بثمرات عقولهم وتجاربهم في الربع الثاني من هذا القرن أصبح بعضهم يشعرون بأن الاعتماد في تعليم أبنائهم على الحكومة وحدها ليس من السداد في شئ ومتى أخذت الوظائف كفايتها من العمال يغدو المتعلمون وقد سدت في وجوههم الأبواب في الحكومة فلا يعود أمامهم غير الصناعات الحرة ومنها القيام على التأليف والكتابة وهي من المعايش التي يزهدون فيها الان

ساعد مصر على النهوض انتشار الحرية وكثرة احتكاك الأهلين بالأجانب فنشأ من ذلك نشئٌ أن لم يكن في الغاية بتعلمه فهو أهل للعمل لو درب عليه. وعرف أكثرهم منزلتهم ومنزلة قومهم من القصور فهموا أن يعملوا وحاولوا أن ينفعوا وأصبح الناس يبحثون في الشؤن العامة أكثر من ذي قبل وإن كان بحث عامة الناس في الشؤن السياسية عقيم ف الاغلب والجرائد هي السبب في غرس هذا الميل في نفوس القوم فهي المدرسة اليومية بعد المدارس الأميرية والأجنبية والكتاتيب الأهلية ولطالما أكثرت من ترديد عبارات التحميس والنقد والتنديد والنعي والعويل ففعلت اقوالها في الاذهان بقدر تأثير كتابها حتى خاف العقلاء أن تكون الاراء السياسية مشغلة للقوم عن النظر في شؤن التجارة والزراعة والصناعة. وقد أخذت بعض الجرائد الخطيرة تحاول سد هذه الثملة فإنشأت تكثر من نشر الموضوعات الاجتماعية والتاريخية والأدبية على نحو ماتفعل الصحف في بلاد الغرب. وكما كان للجرائد العربية تأثير في الأفكار فقد فعلت فعلتها في الألسن والأقلام بإستعمالها الكلام الفصيح كل يوم بحيث علق من تراكيبها ومطلحاتها جملة صالحة صار العامة يدمجونها في تضاعيف كلامهم وخطابهم وترقت بواسطتها لغة الدواوين وكانت من قبل في احط دركات الركاكة.

نشأ لمصر مهندسون وأطباء وقضاة متعلمون كأحسن أبناء صنفهم في بلاد الغرب لولا أن رجالنا يصابون في الأكثر بشيئ من الفتور ووقوف عقيب سن الدراسة قد يعوقهم ةعن الجري في العمل بعد أن يستوفوا النظريات ولولا ذلك لرأينا من أثارهم في نشل أبناء بلادهم من سقطتهم أكثر مما رأينا. وأبناء مصر لايزالون مقصرين فيما يربى النفوس على حب العمل الحر النافع ولم يقبلوا حتى الآن على اتقأن العلوم الزراعية والصناعية وما ينبعي لهم إقبالهم على الحقوق مع شدة حاجة القطر إلى الزراعة قبل كل علم.

ويسرنا أن نرى كثيرين من المصريين يقصدون بلاد الغرب للتعلم قي مدارسها وبعضهم من أبناء الاعيان وكيفما كأنت الغاية من تعلمهم فهم فخر من مفاخر بلادهم ولابد أن يكون السابقون مقصرين فيما يجب عليهم أتباعه والاضطلاع به بداءة بدء ولكن الجيل المقبل سيكون انشط في عمله واسراع إلى تلقف مايلزمنا من مدنية أوروبا وما يضر بنا منها وهو كالصدأ عليها وعقلاء أهلها ينادون بالتخلي عنه في كل شارقة وبارقة.

قلت أن الجرائد أثرت في نهضة المصريين ولم أقل المجلات لأن هذه مقصورة على طبقة خاصة من القراء وبعضها منتشر خارج القطر أكثر من انتشاره داخله لأن العمليات والاجتماعيات والدينيات والأدبيات ليس لها في نفوس العامة تلك المنزلة التي يجدها القارئ فيما يقرأه للتفكهة من الأخبار والمناقشات السياسية ويجده منه قيد النظر ويكبر فيه الأماني. على أن لبعض المجلات الكبرى التي ظهرت في مصر على قلة انصارها فضلاً كبيراً في التعليم والتربية.

ومن الترقي في الأفكار أن بعض أهل الجمود ممن كانوا لايقولون بتلاوة الصحف والكتب الحديثة أخذوا يقرؤنها اضطراراً وسمحوا او تسامحوا بمطالعتهم فكان من أثارها أن عرف بعض طلبة العلوم الدينية تقصيرهم في الأخذ من علوم الدنيا بحظ وافر يعينهم على فهم اسرار الشريعة ونشأ من هذه الحركة أن دخل شئٌ من الإصلاح طفيف على طريقة التعليم في الازهر وادخل في قاعة دروسه من علوم الرياضة وتقوم البلدان والتاريخ وفن الأدب ما كانت تلك المدرسة الكبرى محرومة منه زمناً طويلاً. وانه على عقم طريقتها إلى الآن يرجى أن ينشأ منها ناشئة يفضلون بما تعلموه اخوانهم الذين سبقوهم خصوصاً وقد وفرت العناية بمدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم وهما من انفع المدارس لاتمام دروس من يتخرجون في الازهر وانشأت مدرسة أبي العباس المرسي في الأسكندرية تخرج من طلبة الدينيات من لهم مشاركة في شيئ من علوم الدنيا. فكان مشايخ العلوم الدينية وكانوا لايسفون للتنازل إلى تعلم ما فاتهم من أسباب العلم بزمانهم رأوا الآن وقد قامت المدارس المنظمة على طريقة الأوروبية بعض التنظيم تنازعهم فضل تربية الأمة وأعداد رجالها أن لامندوحة لهم عن دعوة صغار الطلبة ولو بلسان الحال أن ينظروا نظراً اجمالياً فيما لاغنية عنه من علوم العصر.

فعسى أن تتم للناهضين من هذه الأمة امنيتهم من الاهابة بالمتعلمين إلى الأخذ من علوم الدنيا والدين على حد سواء ثم يتمحص منهم من يريد أن يتمحص لفرع من الفروع التي تجد فيها له الغناء. ومن قرأ تاريخ أوروبا في القرن السادس عشر يجده كتاريخنا في هذا الربع الأول من القرن: عراك بين القديم والحديث وقلة اتقأن لهما كليهما والنفوس أخذة بالشعور تلوب على ما يليها نهوضاً. وإدراك الفرد نقصة وسعيه إلى كماله ولو اخطأ الطريق بادئ بدء فأل خير وبشرى سعادة. والقول أول مراتب العمل والشك أول درجات اليقين. ولا بقاء لهذه الأمة إلا إذا ابقت على النافع من قديمها ولم تستهن به واضافت إليه من الحديث مالا عهد لها به وفيه قوام اجتماعها.

ان اختلاط مصر بالغرباء والإفرنج منهم خاصة ممن كثر إقبالهم عليها أكثر من كل بلد يتكلم أهله بالعربية اللهم الا الجزائر وتونس وتعلم جانب من ناشئتها في مدارسهم واتقانهم للغاتهم وذهاب أهل السعة منهم كل صيف للاصطياف في أوروبا وإرسالهم بعض أولادهم يغترفون من معين العلم في مدارسها وشلن - كل هذه الأسباب دخلت مصر في طور البلاد الإفرنجية ولاسيما حواضرها وأمهات مدنها حيث يكثر المتعلمون وأهل اليسار وتصدر الصحف والمطبوعات ويجتمع الموظفون والمزارعون والمضاربون وأهل التجارة.

ومما يعد في باب الارتقاء في الفكر الديني بفضل ما انتشر بالطبع من أمهات الكتب الدينية وتناقلها الايدي على اختلاف الطبقات أن أخذ بعض العامة دع عنك الخاصة يدركون أن في بعض معتقداتهم شوائب وفي الكتب المعتمدة في القرن الماضي من مؤلفات المتأخرين اغلاطاً لا بدّ من نزعها والرجوع فيها إلى الأصول الصحيحة. وهذا الاعتقاد سرى في النفوس لأسباب منها انسيال تيار الفلسفة الجديدة واحياء الأمهات من أسفار السلف وانتبهاء أهل العقول إلى أن الرجوع بالناس إلى الأصول خير من الضلال بها في مهامه الفروع المشوبة والمعتقدات الضارة.

وقد دخلت المطبوعات في دور جديد فبطل بعض الطبع السقيم وأخذ أرباب المطابع يحأولون تجويد الطبع وانتقاء المصنفات النافعة فاحيوا كثيراً من الأمهات القديمة في الشريعة والأدب والتاريخ كما ترجمو بعض المترجمات الجليلة في الحقوق والطب والكيمياء والطبيعة والاجتماع والقصص. وكان الفضل في تحريك نفوس المسلمين هنا وايجاد حركة أدبية بينهم لأحد أرباب النفوس الكبيرة والحكمة ونعني به السيد جمال الدين الافغاني فإنه هبط مصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر ولقي فيها من بقايا أهل العلم والذين تعلموا في أوروبا من ساعدوه على قبول دعوته وكأنت العجلة من طبعه يريد التاثير والإصلاح مباشرة ولو لم يكن كذلك لدل الأمة أكثر مما دلها على معاييبها ووصف لها من أسقامها بنغمة لم تكن تالفها وقد نفعت دعوته في تهيئة الملكات فربى له رجالاً يغلبوا عليهم النشاط والعقل في الجملة ومنهم أكبر مريديه الشيخ محمد عبدو الذي ووفق إلى تولي منصب الافتاء فكان له فيه أعظم تاثير ومضى ذهاء عشرة سنين على مصر كان فيها زعيم الحركة الإصلاحية كما كان شيخة جمال الدين من قبل ومن أعظم أثار الشيخ المفتي إنشاء الجمعية الحيرية الإسلامية وهي عمل نافع تثلج له الصدور وتقر العيون.

أما القطب السوري فكانت حركته العلمية والأدبية جيدة على الجملة ولاسيما في بيروت مدينة العلم والمدارس في الشام ومركزها الحركة العقلية التي نشأت في الحقيقة بفضل مدارس مرسلي الأمريكان والفرنسيس وطبعتيهما العظيمتين وسائر المطابع والجرائد التي نشات فيها أواخر القرن الماضي وبعده وثلت من الافاضل الذين خدموا العربية خدمة نافعة كفإنديك وورتبات وبوست والبستاني والاسبر والأحدب واليازحي والحوراني والشرتوني وشيخو وبلو واضرابهم الثائرين على أثارهم.

ومما ساعد على تحسين الاذواق ببيروت ولبنان كثرة ولوع سكان الجبل بالهجرة إلى أمريكا منذ أوائل القرن كما أولع اجدأهم الفينيقيون بها من قبل وعودة بعضهم بأموال أقاموا فيها القصور والمباني على النسق الغربي وحأولو العيش على المناحي الإفرنجيه وجلبوا معهم عادات ومعارف جديدة نفعت في إنشاء ملكاتهم وادابهم. والفلاح السوري على الجملة أرقى من الفلاح المصري واذكى منه ولكن أهل الطبقة الوسطى والعليا من المصريين أرقى من أهل جنسهم في الشام وقد سرت من حب الهجرة شظية إلى داخلية سوريا وهب المسلمين إلى الاغتراب بعد أن كان المسيحيون وحدهم يضربون في اكناف الأرض ولاسيما في أمريكا ومصر كما سرت عدوة العلوم الحديثة وحب تعلم اللغات الأوروبية ولكن هذه الجراثيم ما زالت قليلة الانتشار بينهم. ممن كان لهم اليد الطولى في الدعوة إلى تصحيح الأفكار في سوريا ولاسيما في دمشق وأعمالها الشيخ طاهر الجزائري فإنه نفع بتآليفه وإرشاده وخطبه في الاندية الخاصة حتى كان سبباً في إنارة عقول جمهور كبير من المتعلمين والمتأدبين والمتصدين للنفع والتدريس فكان العضو العامل في إنشاء المدارس الابتدائية في سوريا واحياء كتب السلف بعد أن بددهم الخلف وجعلها في خزائن عامة كالمكتبة العمومية في دمشق وغيرها. ولكن سوريا منيت بالمراقبة على المطبوعات فهجرها أكثر المفكرين والكاتبين من أبنائها بحيث صح أن تدعى سوريا مدرسة وميدان العمل مصر وأمريكا وغيرها. ولأن لم يأتي المسلمون في سوريا إلى الأن في عمل يدل على فضل وعقل فإن الانتباه للذي حدث في هذا العهد يدعو إلى الأمل بانه سيكون منه عما قريب أحسن أثر يعود على البلاد بما ينفعها في مادياتها ومعنوياتها. ومتى ايقن المرء بجهله تعلم والجهل البسيط خير من الجهل المركب ونريد للجهل البسيط هو أن لا يعلم صاحبه ويعلم أنه لا يعلم والجهل المركب هو أن لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم.

هذا في العلوم الدنيوية أما العلوم الشرعية فقد قل المشتغلون بها كثيراً لأن الناس مفرطون على حب المنفعة العاجلة. وذلك أن فريق المتعلمين رأوا العلوم الشرعية أصبحت لا يرزق صاحبها منها بقدر رزق صاحب العلوم الدنيوية فرغبوا عن الأولى إلى الثانية وفشا فيهم داء الاستخدام كمصر فضعفت بذلك العلوم الإسلامية التي كانت تعد دمشق وحلب مثلا من أمهات مدنها وأسواقها في العصور السالفة.

وإذا تقدمنا إلى العراق نجده يشبه حال الشام وإن بقي له شئ من العلوم القديمة ولم يأخذ من الحديثة بقسط وافر على أن ذكاء العراقي ونشاطه معروفإن موصوفإن ولا يبعد إذا تهيئت أسباب واحدة للقطرين الشقيقين أن يسبق العراق الشام. ومثل ذلك يقال في نجد واليمن والحجاز فإن الذكاء موجود في أهلها على اتمه ولكن أسباب التعلم ضعيفة جداً والعأقلون العاملون لا يهتدون إلى طريقة تنفتح أمامهم سبيل الوصول.

وأقليم نجد ما برح على الفطرة حتى أن علوم العربية ضعيفة فيه وليس هناك غير العلوم الشرعية من الفقه الحنبلي وغيره مما بثهُ فيهم أمامهم محمد بن عبد الوهاب في القرن الثالث عشر وكانوا من قبل فيه جاهلية جهلاء وهم لا يزالون بعيدين عن تعلم العلوم العصرية مع كثرة تجول بعضهم في الاقطار المجاورة في التجارة ورؤيتهم في الهند ومصر وغيرهما من أثار العلم الغربي ما يبهج ويدهش. وكذلك الحال في اليمن إلا أن العلوم الإسلامية على كثرة الفتن هناك ما فتئت بين الزيدية أرقى مما هي في غيرها من الاقطار وهي منحطة عند غيرهم ويمتاز عامة أهل نجد واليمن عن عامة غيرهم بمعرفتهم المبادئ الأولى التي هي أساس لما بعدها بحيث أن عامتهم يشاركون اعلا طبقات العلماء في المبادئ الصحيحة حتى أن كثيراً من عامتنا بل من علمائنا يتوهمون في كثير من عامتهم بانهم علماء فخواصنا أرقى من خواصهم وعامتهم أرقى من عامتنا. والحجاز ما برح كما وصفه الكتاب العزيز واديا غير ذي زرع كما أنه لا يزال واديً غير مخصب بالعلم والأدب وإن كان كما قال لي أحد الثيقات بانه قد ينزل في علماء كبار ولكن يقصدونه للعبادة والتخلي عن الدينا لا ليعملوا ويجدو فترة فيه الافغاني والهندي والمغربي وغيرهم ممن صرفوا اعمارهم في النافع واحبوا أن يختموها بالعبادة. أما السواد الأعظم من السكان هناك فبعيدون الان عن التغيير ولعل السكة الحجازة متى وصلت بلادهم ببلاد الشام تنقل إليهم من وراء البحار ما تستنير به عقولهم كما ستنقل إليهم الغلات والثمار.

هذه أحوال جزيرة العرب من الارتقاء وهو احرى كما رأيت أن يدعى وقوفا. واما شمال أفريقيا فحالتها ليست الا دون ما يرجى فإذا نظرت إلى المغرب الأقصى ترى الفوضى السياسية تمزق احشائها منذ سنين بل منذر اعصار والقول الفصل فيها لمشايخ الطرق منذ خمسة قرون وليس لعلماء الدين الحقيقين سلطة تنفع أما العلوم العصرية فعدومة بالجملة وإذا نظرت إلى فاس وغيرها من أمهات مدن العلم في ذاك الصعق الواسع لا تجدها قد اختلفت شيئا عما كانت عليه منذ قرون اللهم إلا في انحطاط العلوم الدينية مع أن المغرب الأقصى من أوروبا على قيد غلوة ولكنه ضرب دونه ودون المدنية باسوار منيعة وحرم أهل الشأن فيه.

ما لم يحرمه دين ولا عقل كقراءة الكتب الجديدة والصحف بل وصل الغلو بهم إلى تحريم تفسير القرآن لخيالات يتخخيلونها من قراءته.

وإذا جئت المغرب الاوسط وهو الجزائر ترى العلوم الإسلامية منحطة فيه والعلوم الجديدة ليس منها شيء إلا في المدارس الفرنسوية على قلة جدواها ولم يصل منها إلى أهل البلاد النافعين في انهاضها غير نور ضئيل جداً لان أكثر الدول المستعمرة تذهب إلى أن العلم يرفع ريقتها عن المسعمرين وكذلك الحال في المغرب الادنى وهو تونس وبرقة أي طرابلس وما والاها من بلاد الصحراء إلا أن أهل تونس هم بالنسبة للمغربين المجاورين لها أرقى في العلوم الدينية والدنيوية. وجامع الزيتونه يكاد يكون أرقى من الجامع الازهر على أن تونس كانت منذ القدم تعنى بالعلوم الإسلامية أكثر من غيرها من الاقطار وحسن الترتيب بين التوانسة في طريقة التعليم قديم العهد كيف لا وهم في الا كثر من نسل الفينيقيين وجالية الأندلسيين. ويرجى لهم بعد أن نفس عنهم الخناق بعض الشيء أن تنفعهم الحرية فيفكر قادتهم لهم وإن ما نسمع به ونراه من الصحف والجمعيات التي أكثروها من تأسيسها مؤخراً ليدعونا إلى الرجاء بأن يكون الربع الثاني من القرن أحسن فائدة وأكبر عائدة عليهم أن لم يعاودهم الضغط والمراقبة.

هذه الحال البلاد التي يتكلم فيها باللغة العربية بقي السودان وزنجبار وحالهما حال سائر البلاد العربية واضعف وكنا نأمل لأهل زنجبار أن يكونوا كأهل اليمن في العلم والانتباه والاندري ما احاق بهم حتى تأخروا عن اللحاق بهم. وإذا احصيت العرب لا ترأهم يقلون عن خمسين مليوناً ولو قست حالهم العلمية والمادية بأصغر الشعوب الأوروبية كلبلجيك او هولانده او سويسرا لبكيت وانتحبت هذا ولغة العرب ينطق بها نحو مئتين وخمسين مليوناً فهي أقوى اللغات واضعفها اقواها بأساسها الثابت المتين واضعفها بأهلها المشتتين. فنسأل الله أن يهيء لهذه الأمة من يرشدها ولا خير لها الا من نفسها لان سيادتها وكبراءها ناموا عن رعايتها.