مجلة المقتبس/العدد 24/الشعر الاجتماعي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة المقتبس/العدد 24/الشعر الاجتماعي

مجلة المقتبس - العدد 24
الشعر الاجتماعي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 1 - 1 - 1908


ليس جميع ماخلد في بطون الاوراق من شعر شعرائنا الغابرين هو في المديح والهجاء والرثاء والغزل والنسيب والخمريات والزهديات والخلاعيات بل كان منهم ذوو أخلاق طاهرة يتأثرون بمحيطهم ويشعرون بشعور امتهم يشساركونها في الأمها وأسقامها ويسعون إلى صلاحها وإصلاحها وإن ماانتهى الينا من شعر الجاهلين والمخضرمين والمولدين أن صح اصدار الحكم عليه لقتله ليدعو إلى القطع بان معظم الشعراء اميل إلى الخصوميات منهم إلى العموميات 0وابوالعلاءالمعري رأسهم في تشريف الشعر والتفادي من ابتذاله وجل لزومياته من الشعر الاجتماعي الصادر عن نفس أبيه مشرفة على ما يعبث بجسم المجتمع من الشرور والغرور والقصور ولذلك لم يبرح يضرب على نغمة التنديد وكثيراً يخرجه النقد إلى الغلو واي شعر خلا من الغلو

ولو خلت نفس أبي الطيب المتنبي من المطامع والتغالي في حب الجاه والغني لساغ أن يكون من مجموع حكمياته ديوان شعر اجتماعي ينفع الأمة في تكبير نفوسها وتحسين ملكاتهها ولاسيما لوكأنت الحكمة مختلطة بأجزاء نفسه اختلاطها بأجزاء روح المعري وكانت اقواله على قدر افعاله. فقد رأينا يملا الدنيا مديحا بسيف الدولة ثم يهجره ويمدح كافورا والاخشيدي لما كان يرجو أن يوليه ولاية ثم يهجوه اقبح هجو لما يئس منه فكيف يثق العقلاء باقواله وتفعل أشعاره في النفوس فغلامحمودا.

وإذا تقدمنا إلى ما وراء ذينك العصرين وبحثنا في شعراء أوائل العباسية كأبي العتاهية وأبي نواس لانعتم أن نقول فيهما مأقلناه في أبي الطيب وإن كانت الزهديات غالبة على شعر الأول والخمريات متحكمة من شعر الثاني. أما من كانوا بعد ذلك العهد من الشعراء كأبي فراس الحمداني فإنك تجد شعرهم بحسب محيطهم فتقرأ في شعر هذا علو النفس والشمم وشيئامن روح الاجتماع وبحق ماقيل بديء الشعر بملك وهو أمرؤ القيس وختم بملك وهو ابوفراس وبحق ماقالوا كلام الملوك ملوك الكلام. وانك لاتجد في نفسك النشأة التي تجدها بتلاوة شعر الشريف الرضي وابن الرومي ماتجده بكلام صريع الغواني وناصح الدين الارجاني. اما ما إذا جئت تقرأ الشعر في القرون الخمسة الأخيرة وهي عصور انحظاظ اللغة وانحطاط الأفكار فتكاد لاتجد الجيد واحدا من مائة وأكثر من اجادوا في الاجتماعيات من كانوا على شيء من معرفة زمانهم من الشعراء وتأثروا بتأثر امته مثل تلك الزمرة من الشعراء التي سقطت الأندلس في أيامها فبكوها ورثوها او كانوا قبيل سقوطها فحذروا ملوكهم عاقبة التفاشل وبينوا لهم مواضع الضعف واي شعر واقع في النفس وافعل في أثارة الشجون من قصيدة ابن الابار لما اوفده صاحب بلنسية عندما حاصرها ملك برشلونة إلبرتغالي إلى ابن أبي حفص صاحب أفريقية التي يقول في مطلعها.

أدرك بخيلك خيل الله أندلس ... أن السبيل إلى منجاتها درسا

وهب لها من عزيز النصر مالتمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا

وحاش مما تعانيه حشاشتها ... فطالما ذاقت البلوى صباح مسا

ياللجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للحادثاتوامسى جدها تعسا

في كل شارقة المام بارقة ... يعود مأتمها عند العدا عرسا

وكل غاربة اخجال شائبة ... لثني الأمان حذرا والسروراسى

وفي بلنسية منها وقرطبة ... ماينسف النفس او ماينزف النفسا

واي شعر اصدق من رقعة وجدت في جيب أبي عبد الله الفازازي يوم موته يقول فيها

الروم تضرب في البلاد وتغنم ... والجور يأخذ مابقي والمفرم

والمال يورد كله قشتالة ... والجند تسقط والرعية تسلم

وذوو التعين ليس فيهم مسلم ... الا معين في الفساد مسلم

اسقي على تلك البلاد وأهلها ... الله يلطف بالجميع ويرحم

قال المقري أن هذه الأبيات رفعت إلى سلطان بلده فلما وقف عليها قال بعد ما بكى صدق رحمه الله تعالى ولو كان حيا ضربت عنقه. ولم يزل أهل الأندلس بعد ظهور الإفرنج على كثير منها يستنهضون عزائم الملوك والسوقة لأخذ الثأر بالنظم والنثار فمن القصائد الموجهة في ذلك قول بعضهم لما أخذت بلنسية يخاطب أفريقية أباحفص ويقول فيها.

ياحسرتي لعقائل معقولة ... سئم الهدى نحو الضلال هداءها

ايه بلنسية وفي ذكراك ما ... يمري السؤن دماءها لا ماءها

كيف السبيل إلى احتلال معاهد ... شب الاعاجم دونها هيجاءها

وإلى ربا واباطح لم تعترض ... حلل الربيع مصيفها وشتاءها طاب المعرس والمقيل خلالها ... وتطلعت غرر المنى اثناءها

ومن ذلك قول بعضهم يندب ظليطلة

لثكلك كيف تبتسم الثغور ... سرورابعد مايئست ثغور

أما وأبي مصاب هد منه ... ثبير الدينفاتصل الثبور

إلى أن يقول

فإن قلنا العقوبة أدركتهم ... وجاءهم من الله النكير

فإنا مثلهم وا شد منهم ... نجور وكيف يسلم من يجور

أنأمن أن يحل بنا انتقام ... وفينا الفسق اجمع والفجور

واكل للحرام ولا اضطرار ... إليه فيسهل الأمر العسير

ومما قبل في ذلك قصيدة أبي البقاء الرندي وهي ممااشتهر

لكل شيء إذا ماتم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته ازمان

وهذه الدار لاتبقي على احد ... ولايدوم على حال لها شان

يمزق الدهر حتما كل سابغة ... إذا نبت مشرفيات وخرصان

ومن هذا الباب قصيدة العقيلي يتوسل بسلطأن فاس التي يقول فيها

كنا ملوكا لنا في ارضنا دول ... نمنا بها تحت افنان من النعم

فايقظتنا سهام للردى صبب ... يرمي بافجع حتف من بهن رمي

فلاتنم تحت ظل الملك نومتنا ... واي ملك بظل الملك لم ينم

وهكذا كانت تلك الطبقة من الشعراء على ذلك العهد في الأندلس على نحو ما كان بعض شعراء ألمانيا في القرن الماضي وقد قاموا يحمسون الأمة والحكومة في معارضة الدين ومناهضة الحكم المطل مثل ستراوس والاخوان بوير وارنولدروج وكارل ماركس وفورباخ وكجمهور من الشعراء السياسين مثل هوفمأن فون فالرسلبين ونجلستيد وفرايليجرات وميسنير وكارل بيك وعوتفريد وكاين كيل ممن أخذوا على أنفسهم الدفاع عن حقوق الأمة والحرية وأخذوا ينشرون في أوروبا دعوات حماسية ولكن شتان بين من يسعون إلى تأسيس ملك ضخم وسلطان عظيم العلم رائده والعقل قائده يقولون فتسمع اقوالهم وتؤثر الأثر المطلوب وبين من يقولون كبقايا أولئك الأندلسين وهم خائفون فلا تؤثر اقوالهم ويمسون ينشدون ويصبحون يندبون بلادا سقطت واطفالا يتمت ونساء ايمت وعمرانا اضمحل وساكنا ابذعر. وليس معنى هذا أن الشعركله يجب أن يكون اجتماعيا بل أن أكثره أصبح كذلك ينفع ويرقي. والشعر ادعى إلى التأثير واسرع أن يعلق في الذهن من النثر. والشعراء إذا أحسنو القصيد وصرفوه فيما يفيد تقطف البلاد بثمرة اقوالهم ماتقطفه من ثمرات اقوال الخطباء والكتاب أن لم نقل أكثر. الشاعر الاجتماعي هو الذي يدل امته على عوارها وعارها ويبين لها طريق نجاتها وعثرتها وينوع الأساليب في تعليمها وتهذيبها. وماانس لاانس غوركي شاعر الروس وقد كان منذ سنين يؤلف القصيدة الثورية الاجتماعية يلقنها الفلاحين حتى إذا استظهروها يرحل عنهم وقد ظل اعواما على هذه الدعوة ورجال الشرطة يطاردونه وهو بجربذته يفلت من بين ايديهم حتى كانت اقواله من جملة مأولد الثورة الروسية الأخيرة وقد اذكرني غوركي بعمارة اليمني الشاعر الذي دعا في مصر للدولة الفاطمية بعد أن حل عراها صلاح الدين يوسف وماقال في ذلك من قصائد ومقاطيع كانت سبب صلبه ومن جملة شعره القصيدة التي توضح عذر السلطان صلاح الدين في قتله وقتل من شارك في ذلك قال في مطلعها

رميت يادهر كف المجد بالشلل ... وجيده بعد حلي الحسن بالعطل

سعيت في منهج الرأي العثور فإن ... قدرت من عثرات البغي فاستقل

جدعت مارنك الاقنى فإنفك لا ... ينفك مأبين نقص الشين والخجل

لهفي ولهف بني الأمال قاطبة ... على فجيعتنا في اكرم الدول

إلى أن يقول

ياعاذلي في هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصرت في عذلي

بالله زر ساحة القصرين وابك معي ... عليهما لأعلى صفين والجمل

وقل لأهليهما والله ما التحمت ... فيكم قروحي ولا جرحي بمندمل

ماذا ترى كأنت الإفرنج فاعلة ... في نسل آل أمير المؤمنين علي

هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما ... ملكتم بين حكم السبي والنفل

وقد حصلتم عليها واسم جدكم ... محمد وأبيكم غير منتقل مررت بالقصر والاركان خالية ... من الوفود وكانت قبلة القبل

فملت عنها بوجهي خوف منتقد ... من الاعادي ووجه الود لم يمل

اسبلت من اسف معي غداة خلت ... رحابكم وغدت مهجورة السبل

ابكي على ماترا آى من مكارمكم ... حال الزمان عليها ولم تحل

دار الضيافة كانت انس وافدكم ... واليوم اوحش من رسم ومن طلل

وفطرة الصوم إن اصغت مكارمكم ... تشكو من الدهر ضيما غير محتمل

وكسوة الناس في الفصلين قددرست ... ورث منها جديد عنهم ويلي

وموسم كان في كسر الخليج لكم ... يأتي تجملكم فيه على الجمل

وختمها بقوله

وماخصصتم ببرأهل ملتكم ... حتى عممتم به الأقصى من الملل

كانت رواتبكم للذمتين ولل ... ضيف المقيم وللطاري من الرسل

وللجوامع من احباسكم نعم ... لمن تصدر في علم وفي عمل

وربما عادت الدنيا لمعقلها ... منكم واضحت بكم محلولة العقل

ولسائل أن يقول اما في شعراء العربية اليوم من تقع لهم ياترى مثل هذه القصائد الحماسية الاجتماعية يحسنون بقريضهم الملكات ويضمون الشتات قبل الفوات. فالجواب أن هذه الروح ضئيلة جدا في شعرائنا فإن غلبت على شعر حافظ أفندي إبرأهيمحتى جاز أن يدعى الشاعر الاجتماعي بلا مدافع وقرئت في قصائد جميل صدقي أفندي الزهاوي ومعروف أفندي الرصافي من شعراء بغداد فإنها تقل في شعر الشيخ عبد المحسن الكاظمي واحمد بك شوقي والأمير شكيب ارسلان ومصطفى صادق أفندي الرافعي والسيد توفيق البكري والسيد مصطفى لطفي المنفلوطي وخليل أفندي مطران والأمير نسيب ارسلان ونقولا أفندي رزق الله وعبد الله أفندي البستاني وإبرأهيمأفندي الحوراني وفارس أفنديالخوري وعيس أفندي أسكندر معلوف ورزق أفندي حداد واحمد أفندي محرم وامين أفندي حداد واسمعيل باشا صبري وحفني بك ناصف والياس أفندي فياض ومحمد أمام أفندي العبد وطانيوس أفندي عبده وقسطاكي بك الحمصي واحمد أفندي الكاشف واضرابهم المجيدين في شعرائنا ممن لم تحضرني أسمائهم فإنك لاتقرأ لأحدهم المقطوعة أو القصيدة الفذة حتى تقرأ له عشرات غيرها في أغراض أخرى فيا حبذا لو توخى قيادة القريض بما ينظمون النفع العام ونحوا في أشعارهم منحى السداد لتفعل في عقول منشديها وراويها فتسدد خطأهم وتصحح أفكارهم وتقوي قلوبهم وتصلح عيوبهم. فعصرنا هذا عصر الحقائق لاعصر الخيالات والعأقل ينتفع باقواله بحسب نيته وهيهات أن نقول أن للشعرالعربي دولة إلا إذا حسنت أثار اقوال زعمائه في أبنائه وقديما قالوا اعذب الشعرا كذبة اما نحن اليوم فنقول اعذب الشعر اصدقه وعهدنا هذا يفتح بما فيه من دواعي القول قرائح من لم يحلم بانه يقول الشعر.