مجلة الرسالة/العدد 982/بحث في الموسيقى الشرقية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 982/بحث في الموسيقى الشرقية

مجلة الرسالة - العدد 982
بحث في الموسيقى الشرقية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 28 - 04 - 1952


للأستاذ نقولا الحداد

الموسيقى: فلسفة وعلم وفن. . فهي إذن بنت الطبيعة والفكر والاجتماع، فلا بدع أن يعنى بها الفلاسفة والعلماء وأصحاب الفن ويضعوا لها قواعد وقوانين، بل هي أولى ظاهرة كونية للدرس والتقرير والاستنباط

والصوت منذ القديم من قبل التاريخ مستند الإنسان في التعبير عن عواطفه وميوله وآماله. هو أصدق آلة للتعبير. فبالأحرى أن تكون الأنغام والألحان أداة لتفسير ما يطرأ على النفس من شعور داخلي. ولا بدع أن يتصدى علامة في الأنغام لشرح القوانين الموسيقية من جميع نواحيها، ويبحث البحث الفلسفي في شؤونها، ويدرس الدرس الفني للأنغام والألحان والتطريب

لا بدع أن يتصدى لهذا البحث العلامة الأستاذ ميخائيل خليل الله ويردى فيؤلف كتاب فلسفة الموسيقى الشرقية في أسرار الفن العربي. ولعله من قبيل التواضع لم يقل فلسفة الموسيقى الشرقية والغربية على الإطلاق وكل ما يمت الموسيقى بسبب. وقد ملأ في هذا البحث نحو 700 صفحة من القطع الكبيرة، وتواردت إليه رسائل من كبار العلماء وكبار الساسة وكبار الكهنوت من أمم مختلفة من الشرق والغرب مثنين على كتابه. وكان أهم هذه الرسائل رسالة من العلامة العظيم جوليان هكسلي مدير مؤسسة اليونسكو العالمية يشكر له فيها جهوده البالغ في إخراج هذا الكتاب الفذ، ويعده فيها أنه متى بلغ مشروع اليونسكو أشده سيعمل على ترجمة كتابه هذا إلى اللغة الأكثر شيوعا لكي تكون فوائده واسعة النطاق

وقد رد المسيو جيم توريس جوده المدير العام لمنظمة اليونسكو على كتاب المؤلف المصحوب بنسخة من الكتاب الذي نحن بصدده وعلى نسخ من محاضراته عن الموسيقى في بناء السلام العام يبلغه في رده أن المؤسسة العالمية لليونسكو مهتمة الاهتمام التام الذي أثاره عمله لديها. وقد رشح الأستاذ خليل الله ويردى لجائزة نوبل، واهتمت هذه المؤسسة بهذا العمل الجليل، ووعدت بالالتفات الذي يستحقه عمله، وهي ترى أن ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنجليزية أو الفرنسية يسهل عمل المحكمين. وحبذا لو تصدى أحد الأدباء للترجمة وخابر الأستاذ خليل المؤلف في هذا الشأن واتفق معه على الترجمة. ولا ريب أن ت اليونسكو للمؤلف لدى منظمة نوبل هي خطوة شريفة قد تؤدي إلى الحصول على الجائزة التي ليست مقصودة بالذات من عرض الكتاب على المؤسسة؛ بل المقصود هو الحصول على هذا الشرف الكبير الذي سيتمتع به العالم العربي كله

الموسيقى العالمية

بحث الأستاذ خليل الله ويردى في الموسيقى عند جميع الأمم الغربية والشرقية الدنيا والشرقية القصوى. وطرق الموضوع من جميع أبوابه ولم يترك فيه شاردة ولا واردة. وأسهب جداً في السلالم الموسيقية على اختلاف أنواعها وأوطانها، لأن السلالم هي نوى الموسيقات وهي ينبوع الألحان وروح التطريب والطرب

السلم الموسيقي (أو الموسيقية) ليست غريزة طبيعية في أصل هذا الفن البديع الجميل، بل هي نزعة وطنية أو إقليمية. وليست من حتميات الطبيعة، إلا أن للسلم طرفين: قراراً وجواباً، وكل منهما صدى الآخر. هذا ومن سنن الطبيعة أن يكون بين القرار والجواب تجاوب أو اتفاق في الاهتزازات الهوائية الصوتية بحيث يكون الثاني مضاعف الأول في عدد الاهتزازات، بين الطرفين سلم يتدرج في نغمات يسميها بعض الموسيقيين مقامات. ويمكن أن يصعد السلم من جواب لجواب أعلى فيصبح الجواب الأول قراراً للجواب الأعلى وهكذا دواليك. فيرتقي السلم إلى سلالم متوالية كل منها جواب لما تحته وقرار لما فوقه. وقد ينتج من هذا الارتقاء سبع سلالم على الأقل كما هو الأمر في البيانو الاعتيادي

وتختلف النغمات أو المقامات باختلاف ذبذبات الوتر أو

اهتزازاته، أو اهتزازات عمود الهواء المنفوخ في القصبة أو

أية أنبوبة موسيقية حين تعزف أو تنقر. والشيء الطبيعي في

درجات السلالم هو أن ذبذبات أية درجة هي مضاعف ذبذبات

الدرجة التي تقابلها في السلم الذي تحته. وفي جميع الموسيقات

المعروفة في الغرب والشرق السلم ذو السبع درجات الأصلية، وقد يترفع منها أجزاء درجات كأصناف وأرباع وأثمان 116

كما سيأتي بيانه. وللغناء عند القبائل الهمجية سلالم بسيطة جداً

قد لا تبلغ سبع درجات حتى ولا أربع درجات. والله أعلم

ولا أدري إن كان تقسيم السلم إلى سبع درجات تقسيماً طبيعياً. ولعله طبيعي لأن للنور سلالم موجية على مثال السلالم الموسيقية، وكل سلم نوراني هو جواب لما تحته وقرار لما فوقه إذا شبهت هذا بذاك. لأن في الطبيعة إشعاعاً كهرطيسيا أأااااأأا

ذا تموجات مختلفة الطول والعدد في الوقت. وهي تموجات أثيرية على حد تموجات الهواء الصوتية. والموجات الكهرطيسية طبقات؛ وكل طبقة هي مضاعف الطبقة التي تحتها في الموجات

ولنا أن نسمي كل طبقة كهرطيسية سلماً كالسلم الموسيقي. وفي الطبيعة ستون سلماً كهرطيسياً. ولكننا لا نرى منها إلا سلما واحداً هو سلم النور إلا بألوانه الرئيسية السبعة من الأحمر (وهو الأسفل) والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي (وهو الأعلى)، وموجاته هي ضعفا موجات الأحمر، ولكن طول موجة الأحمر هي مضاعف طول موجة البنفسج، ولهذا يسيران معا في وقت واحد. على أننا لا نراهما إلا لونا واحداً هو الأبيض، ولا نراه إلا منحلا إلى ألوانه السبعة إذا نفذ في زجاجة الموشور أو في قطرات قوس قزح. هذه الألوان السبعة ليست في الموجات الأثيرية بل هي في خليات أدمغتنا البصيرة، فالخلية التي تنفعل من ذبذبة إحدى الموجات تصدر اللون المطابق لها. ولا نرى ما فوق البنفسجي وما تحت الأحمر إلا بواسطة آلات بصرية، كالنور الذي فوق البنفسجي، والنور الذي تحت الأحمر. وكذلك الأشعة السيني (أشعة رنتجن). فبين الصوت والكهرطيسية تشابه غريب في عدد الدرجات السبع. في كليهما هذا العدد 7 هو شيء طبيعي على الرغم من أن بين الدرجات سواء في الصوت أو في النور أجزاء درجات أخرى لا تحصى، وهي سر تعدد الألوان كما هي سر تعدد الألحان، ويظهر أن هذا الذين اتفقوا على السبع درجات في سلم صوتي أو نوراني رأوا أن هذا الرقم مقدس، لأن الله خلق فيه العالم واستراح في اليوم السابع الأنصاف والأرباع

المعروف في جميع الموسيقات الغربية والشرقية أن للسلم سبع

درجات يعتبرونها أصلية، ويتفرع منها على قولهم أنصاف،

وفي الموسيقى العربية أرباع، وربما أثمان أيضا، وفي

اليونانية 116. والحقيقة أن الدرجات ليست درجات متساوية

ولا أنصافها حقيقية والأرباع كذلك. وإليك البيان:

اهتزازات الأصناف

51 57 لا نصف لها 68 76 82 لا نصف هنا

دو ري مي فا صول لا سي دو

اهتزازات السلم الأدنى 24 27 30 32 36 40 45 48

((الأعلى 48 54 60 64 72 80 90 96

الفروق بين الدرجات الأصلية والأصناف

6 6 8 10 6

في الفلسفة الطبيعية أو اهتزازات درجات السلم الأصلية منحطة إلى أسفل سلم الاهتزازات في الثانية، تتراوح الفروق بينها بين 2، 5 كما رأيت فيما تقدم. وهو أمر يدلك على أن الدرجات غير متساوية في الارتفاع والانخفاض وليست هي أنصافاً كما يزعمون. هذا السلم مدون في جميع كتب الطبيعيات لأنه هو بعينه في كتابين لمؤلفين أمريكيين مختلفين في الناحية. ولا أظن كتب الطبيعيات في أوربا تختلف عنهما من هذا القبيل

هذا السلم هو أوطأ سلم يمكن أن يسع. ولا أدري إن كان ذا وقع موسيقي في الأذن إذا عزف. ولكي نرى نصف الدرجة عدداً صحيحاً نزلنا إلى السلم الذي هو فوقه. . ومعلوم أن اهتزازات درجات السلم الأعلى مضاعف اهتزازات درجات السلم الأوطأ كما رأيت في الجدول هكذا ترى في البيانو مثلا ليس بين (مي) و (فا) إصبع أسود، وأما بين بقية الأصابع الأخرى البيضاء أصابع سوداء وهي ما يسمونه أنصاف درجات وما هي أنصاف، كما ترى أن الفروق بين الدرجات الأصلية البيضاء ليست متساوية هي 6و4و8و8و10و6 في السلم كله، ولا أدري كيف يعتبرونها أنصافاً. على أن الذين يشدون أوتار البيانو أو يدوزنونها يعتمدون على السماع لأن أوتار أعصابهم السمعية تدو زنت على سلم البيانو أو السلم الإفرنجي

وكذلك الذين يدوزنون الآلات الوترية العربية، العود والكمنجة والقانون، يعتمدون على آذانهم كما يعتمدون عليها في العزف من غير اعتماد على علامات (نوتات)، وهي مهارة عجيبة مدهشة لأنهم يعزفون جميع الألحان من غير الاستعانة بنوتات. وجل ما يحتاجون إليه في ألد وزنة هو إما صفارة تصدر صوت نغم واحد يعتبرونه درجة (دو) ويجرون عليه في ضبط سائر الدرجات اعتماداً على آذانهم أو يعتمدون على أداة معدنية ذات شعبتين فينقرون الشعبتين فتصدران صوتاً يحسبونه درجة دو

وأما في ضبط أبعاد الدرجات بعضها عن بعض (وأعني ضبط اهتزازاتها) فقد اعتمد الموسيقيون العلماء على قياس الوتر المشدود بحسب طوله، فاعتبروا الوتر الذي طوله متر إذا عزف كان صوته دو. فإذا أمسك في وسطه تماماً كان صوت الذي يصدر من نصفه دو أخرى هي جواب لدو الأولى، ثم يقسم النصف إلى درجات حسب اصطلاحهم. وكان عند اليونان آلة لقياس الصوت تسمى مونو كورد أي ذات الوتر الواحد. ولا يخفى أن لمقدار الشد أن أحساباً لأن الوتر كلما اشتد ارتفع صوته، لذلك ترى أن السلالم غير متماثلة إلا في أن السلم الواحد هو قرار لما فوقه وجواب لما تحته على اعتبار أن اهتزازات الوتر في السلم الواحد مضاعف اهتزازات السلم الآخر أو أنصاف الاهتزازات التي فوق السلم الآخر كما تقدم البيان

ولاستخراج عدد الذبذبات أو الاهتزازات في كل درجة أو نصف درجة توجد آلة تسمى صونوميتر تسجل اهتزازات كل صوت. وقد استنبط الأستاذ وديع صبره (من بيروت) وكانت حرفته العزف على البيانو في باريس مدة طويلة صونوميترا يسجل به اهتزازات الأصوات الموسيقية في جميع درجاتها. وقد جاء به إلى مصر يوم كان المؤتمر الموسيقي منعقداً فيها. وكان غرضه أن يسجل به اهتزازات درجات السلالم العربية بجميع أنواعها وألحانها. ولا يخفى أن لكل لحن من الألحان العربية سلماً خاصاً، كالرست أو الحجاز كار أو الصبا أو النهاوند إلى آخره كما سيأتي بيانه. ولا أدري إن كان الأستاذ صبره قد نجح في هذا المشروع.

للكلام صلة

نقولا الحداد