مجلة الرسالة/العدد 981/كلمات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 981/كلمات

مجلة الرسالة - العدد 981
كلمات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 04 - 1952


للأستاذ علي الطنطاوي

5 - مشكلة وجبة

سيدي الوجيه الكبير

قرأت كتابك الذي أرسلته إلى، وفهمت قصتك الطويلة، أما رأيي الذي تقسم على بأن أعلنه بصراحة، وأن أنشره.

فإني أخاف أن تغضب إذا أبديته لك، أو أن يلومني على إبدائه القراء.

لأن رأيي فيك يا سيدي المحترم أنك. . . أحمق كبير، ولا مؤاخذة، وأنك لا تصلح أبا لهذه البنت العاقلة، وأنك مع الأسف صورة لأكثر الآباء، لا تختلف عنهم إلا كاختلاف نسخ القصة المطبوعة بعضها عن بعض. فهمت من كتابك أن الخاطب الذي رغبت فيه ابنتك محام فقير، لا يملك إلا شرفه وخلقه وعزة نفسه، والمال الذي يأخذه بكد يمينه، وعرق جبينه

وأن الخاطب الشاب الجميل الغني المدلل وحيد أبويه، اسم الله عليه، الذي يملك وزنه ذهباً، لم تقبل به البنت لأنه ليس بصاحب علم، ولا بذي مهنة، وأنها أبت من تريد، وأبيت من أرادت، فبقيت بلا زواج.

وأنك حائر في هذه المشكلة لا تدري ماذا تصنع؟

ومشكلتك هذه يا سيدي مشكلة البلد كله.

مشكلة سببها أنتم أيها الآباء الذين يحسبون البنت سلعة فيهم يريدون أن يبيعونها، لمن يدفع فيها الثمن الأكبر، ويظنون الزواج صفقة تجارية، فيهم يتمنون أن يخرجوا منها بالربح الأوفى

أنتم سلبتم الزواج معناه الإنساني العاطفي، وجعلتموه معاملة مالية، يبحث فيها عن المهر والجهاز، والحفلات والولائم، قبل أن يبحث عن التوافق والحب، والسعادة الزوجية.

أنتم وضعتم الأشواك في طريق الشباب الذين يريدون بناء البيت، وإنشاء الأسرة، وإرضاء الله والخلق، وأقفلتم في وجوههم أبوابكم، ففتحتم لهم بذلك باب الفجور والفساد، وعبدتم له طريق البغاء والمرض والإفلاس.

أنتم الذين يضحكون بصحة بناتهم، وبأخلاقهن وبسعادتهن في سبيل التفاخر والتكاثر، والعظمة الفارغة، ويضحون بعد ذلك بمصلحة هذا الوطن! أنتم المسئولون عن مشكلة البغاء السري أنت وأمثالك من الأدباء! وتسألني بعد ذلك رأيي؟

رأيي أنك مجرم كبير. . . يا سيدي الوجبة الكبير!

6 - بترول

قرأت أن أمير إحدى المحميات العربية صار أغنى رجل في العالم، وأن البترول الذي ظهر في أرضه. . . سيأتيه كل سنة بـ. . . بمبلغ نسيت والله من ضخامته. . .

قرأت هذا الخبر فكدت من العجب أفقد عقلي

أيأخذ شيخ هذه المحمية وحده ثمن البترول، ويتصرف فيه على هواه ولا يقول له أحد. ماذا صنعت؟

ومن إعطاء هذا البترول؟ ومن كتب له به سند التمليك؟ في أي عصر نعيش أيها الناس؟

إنه بترول هذه الأرض التي أكلت أجساد أجدادنا. وشربت دماءهم: أرض العرب فهل ترونها ادخرته في بطنها ثلاثة ملايين سنة حتى يأتي في آخر الزمان الشيخ الفلاني فيأخذه وحده ملكا خالصاً له، ليعطيه لأمريكا أو لإنكلترا؟

إني لأسأل مرة ثانية: في أي عصر نعيش؟

وأين هي ديمقراطية أميركا وإنكلترا؟ أمن شرع الديمقراطية إن نبع البترول في صحاري كاليفورنيا أن يكون ملكا لترمان، ينعم بثمنه هو وأولاده وعبيده (إن كان عبيد) ويسخر لشهوائهم ولذاذاتهم، ويترك الشعب في بلائه وشقائه؟.

الديمقراطية كلمة يونانية الأصل، جاءت من (ديموس) أي الشعب، وكل شيء في الديمقراطية للشعب، وخيرات الوطن وبترول الأرض لأصحاب الأرض.

فلماذا لا يكون بترول أرض العرب للعرب، يسخر لمصالحهم ويشتري به لهم المجد والقوة، والحضارة والعلاء؟ لماذا لا نصير به أرض العرب جنات فيها من كل الثمرات، وفيها المدن والمصالح والقلاع والمدارس، وفيها الطرق والجسور وكل ما أنتجت المدينة وأثمر العمران؟ أليس ملك الشعب؟ أنى لأسأل، فهل من مجيب؟!

7 - الزوجة الثانية

قابلت أمس صديقاً فوجدته ضيق الصدر، لقس النفس، كأن به علة في جسده، أو هما في قلبه، فسألته أن يكشف لي أمره فتأبى ساعة وتردد، ثم قال لي: أنت الصديق لا يكتم عنه، وإني مطلعك على سرى، ومستشيرك فيه: إني أريد الزواج.

- قلت: وما فعلت ربه دارك، وأم أولادك؟

- قال: هي على حالها.

- قلت. وهل أنكرت شيئاً من خلفها أو من دينها أو من طاعتها لك، وميلها إليك؟

- قال: لا والله!

- قلت: فلم إذن؟

- قال: إني رجل أحب العصمة وأكره الفجور، وقد ألفت زوجي حتى ما أجد فيها ما يقنع نفسي عم أن يميل إلى غيرها، وبصري عن أن يشرد إلى سواها، وأطلت عشرتها مللتها وذهبت في عيني فتنتها.

قلت: ما أقبح والله ما جزيتها به عن صحبتها وإخلاصها! وما أعجب أمرك تسمع صوت النفس، وأنت صوت العقل، وتتبع طريق الهوى، وأنت تحسبه سبيل الصلاح، وهذا من تلبيس إبليس، ومن وساوسه؟

وهل تحسب أن المرأة الجديدة تقنعك وتغنيك، إن أنت لم تقهر نفسك وتزجرها؟ إن الجديدة تمر عليها الأيام فتصير قديمة، وتطول ألفتها فتصير مملولة، وتستقرى جمالها فلا تجد فيها جمالا فتطلب ثالثة، والثالثة إلى الرابعة، ولو أنك تزوجت مائة، ولو أنك قضيت العمر في زواج، لو جدت نفسك أمرآة أخرى. . .

وهذي سير الملوك الذين كانت تجعل إليهم كل جميلة من كل بلد، وكان في قصورهم آلاف الجواري من كل بيضاء، وسمراء وسوداء، وعربية، وتركية، وكرجية، وأفرجية، من كل سن وكل لون، وكل جنس وكل شكل، فهل أشبع ذلك هوى نفوسهم؟ وهل عصمتهم من أن يتطلع أحدهم إلى المرأة الممنعة فيعشقها أو يهم حبا بها، ولا يرى لذته إلا بقربها؟.

وهل الزواج ويحك لهذا (الأمر) وحده؟ فأين الوفاء وأين التذمم؟ وأين حقوق المعاشرة؟ وأين روابط الولد؟ وهل تقوم الحياة على الحب وحده؟

هل يمضى زوج عمره في تقبيل وعناق؟ إن لذلك لحظات باقي العمر تعاون على الحياة، وتبادل في الرأي، وسعى للطعام واللباس وتربية الولد، واسترجاع الماضي والإعداد للمستقبل:

وهل تظنك تسعد بين زوجتين، وتعرف إن جمعتهما ما طعم الراحة؟ وهل تحسب أن ولدك يبقى معك وقد عاديت أمه، وصادقت غريبة جئت بها تشاركها دارها ومالها وزوجتها؟ فهل يرضيك أن تثير في أسرتك حرباً تكون أنت أول ضحاياها؟

لا يا صاحبي، لقد تغبر الزمان، وتبدل عرف الناس، فعليك بزوجك. عد إليها وانظر إلى إخلاصها، لا تنظر إلى وجهها ولا إلى جسمها، فإني قرأت كتباً في تعرف الجمال كثيرة، فلم أجد أصدق من تعريف طاغور: (أن الجمال هو الإخلاص) ولو أن (ملكة الجمال) خانتك وغدرت بك لرأيتها قبيحة في عينك. ولو أخلصت لك زنجية سوداء، كأن وجهها حذاء السهرة اللماع لرأيتها ملكة الجمال. . .

وثق أن ما حدثنني به سرا بيننا لا أفشيه أبداً، ولا أطلع عليه أحداً!!

وهل سمعت أن (أفشى) سرا؟!

8 - نعم. لقد هزمنا!

إلى الأستاذ الذي كتب إلى فلم أعرف اسمه ولكن نم أسلوبه على فضله:

نعم. لقد هزمنا في فلسطين، ولكنها لم تهزم فينا إلا الأخلاق التي قبسناها من غيرنا، وتركنا لها أخلاقنا. ما هزم إلا التردد والاختلاف، والثرثرة والكلام الفارغ، وإيثار الزعماء مصالحهم على مصالح الأمة، واتخاذ الإنكليز والأمير كان أولياء، أما سلائق العروبة، أما خلائق الإسلام، أما الإرث لذي تركه محمد في عروقنا، معشر العرب وصبهفي دمائنا، فلم يهزم ولن يهزم أبداً.

إن لكل أمة أياما لها، وأياماً عليها، وليس العار أن يجزع من الغلب ويرضاه، ولا يعاود الكفاح، ولقد مر علينا في تاريخنا مصائب أشد هؤلاء، لقد قامت في هذه البقعة من فلسطين دولة أقوى من هذه الدولة الكسيحة، دولة زحفت أوربا كلها لتقيمها وتحميها، فعاشت أكثر من مائة سنة فأين هي اليوم؟ هدمها رجل واحد اسمه صلاح الدين، فذهبت حتى أن أكثر القراء لم يكن يدري بها، قبل أن يسمع مني الآن خبرها.

فلا تجزعوا كثيراً من ضياع فلسطين، بل اجزعوا من المصيبة التي هي أكبر من ضياع فلسطين، ومن ضياع بلاد العروبة كلها، لا أذن الله - أتدرون ما هي؟ هي أن تخسروا إيمانهم بأنفسهم وماضيكم، وأن تفقدوا كبرياءكم وتنسوا عزتكم، وتجهلوا مكانكم في هذه الدنيا.

تلك هي المصيبة حقا، ولن تكون أبداً ولئن داخل الضعف نفوساً قد اكتهلت وشاخت في ظلام الماضي القريب فسيكون من هؤلاء الأطفال، شعب نشأ في نور الاستقلال، وستلهب دمه ذكريات عشرة آلاف معركة مظفرة، خاضها الجدود، وسيخرق صماخ أذنيه نداء عشرة آلاف بطل، أنجبهم الجدود، وستدفعه إلى ميادين التضحية والبذل، حتى يطهر أرض الوطن من إسرائيل، وبغل بالدم هذه الصفحة التي كتبها في تاريخنا التردد والتخاذل والانقسام، وحتى يعيد مجد الماضي فيقرأ الطلاب في المدارس بعد حين، خبر هذه الدولة التي قامت يوما في فلسطين باسم دولة إسرائيل، كما نقرأ نحن اليوم خبر الدولة التي أقامها من قبل جموع الصليبيين.

ومن شك في هذا لم يكن عربيا ولم يكن مسلماً.

9 - الآن يا بنت

الآن يا بنت؟! آلآن؟! بعد ما سفح الماء، واحترق العود، تكتبين إلى بدم القلب، ودموع العين تقولين: تعالوا يا عقلاء، ويا مصلحون، خبروني ماذا أصنع؟ وهل يقدر أحد أن يرد الماء الذي اندلق، والعود الذي احترق، والغشاء الذي أتخرق؟

وهل رجعت لبنت عذرتها، بعدما فقدتها، حتى تعودي عذراء كما كنت؟ فلا تطلبي المحال فإن الميت لا يعود. . .

وإنه قد بطل الخيار، ولم يبق إلا طريق واحد، فأنسى كل ما ذكرت أي من شرف أسرتك وهو أن عائلته، وغنى آلك وفقر أهله، وتوسلي إليه بك، فلعله قد بقى قلبه شيء من شرف الرجل؛ أو عاطفة الإنسان فيصلح ما أفسد.

أما أهلك فإن الأيام ستروضهم على الرضا بالواقع، فيندمل مع الزمان الجرح، وتذهب القطيعة، ويطول بهم الفكر، فيعلموا أنهم هم المذنبون، وأنهم هم الذين ساقوك إلى دكان الجزار، وألقوا بك بين أنياب الذباب، عزلاء لا مخلب لك ناب، ولو أنهم نشئوك على عادات العروبة، وآداب الإسلام، لما كان الذي كانت، واعلمي يا بنتي أن قصتك مع هذا الشاب، زميلك في المدرسة، قصة كل بنت حواء مع كل ابن آدم، يميل إليها، وتميل إليه، (فطرة الله التي فطر الناس عليها) لكنه يريد منها غير ما تريد منه، إنها (وهي التي تحمل عليها) تريد أن يكون لها أبداً وحدها، كما تكون له أبدا وحده، يريد حبا باقيا لأن آثاره باقية فيها، تنتقل من الرغبة إلى الأمومة، وهو يريد أن يقطف الزهرة ويجني الثمرة، ثم الرغبة إلى الأمومة، وهو يريد أن يقطف الزهرة ويجنى الثمرة، ثم بوليها ظهره، يبحث عن زهرة أبهى لونا، وثمرة أشهى طعما، فالحب عندها استعراق ودوام، وهو عنده لذة ساعة، ومتعة نهار، إذا أخطأ معا، غفر المجتمع له خطيئته، ولم يغفر لها خطيئتها أبداً.

من هنا جاءت شكوى النساء من خيانة الرجال، ومن هما حرم الله، ومنع الشرف اقتراب الرجل من المرأة، إلا بعد أن تقيده بقيد الزواج، لئلا يتبع فطرته وهواه، فيقضى أربه ويهرب - إن هذه يحاول الخروج عليها، والتخلص منها، أفليس هذا عجيبا؟

على أنك لو لم تشجعيه لنا أقدم، ولو لم تضعفي عنه قوى، ولو تصونت عنه بالحجاب، وتمنعت منه بالخلق، ولو أن كل بنت كانت تحمل عقلها دائماً في رأسها، لا تنساه في قصة غرام ولا ديوان غزل، ولا على مقاعد السينما، وكرامتها بين عينيها، وتعرف كيف ترد عنها شيطان أنسي يبغي العدوان عليها بالكلام إن كان ممن يفهم بالكلام، وبكعب الحذاء تخلعه وتنزل به على رأسه، إن كان سيفها خبيثا قليل الحياء، لما فجعت بعفافها فتاة. فالأمر في أيديكن يا بنات، وإن أفسق الرجال وأجرئهم على الشر، يخنس ويبلس ويتوارى، إن رأى أمامه فتاة مرفوعة الهامة، ثابتة النظر، تمشى إلى غايتها بجد وقوة، وحزم، لا تتلفت الخائفة، ولا تضطرب الخجل، ولا تميس ميسان من يقول: هأنذا فمن يريدني؟

وبعد يا بنتي فلا تيأسى، فما في الذنوب ذنب غير الشرك يضيق عنه عفو الله، ولا في الوجود مذنب يرد عن بابه إن جاءه تائباً منيباً، وإن في عفو الله متسعاً لجميع العصاة (قل: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً)

علي الطنطاوي