مجلة الرسالة/العدد 965/اللغة العربية في العالم الإسلامي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 965/اللغة العربية في العالم الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 965
اللغة العربية في العالم الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 12 - 1951


مهداة إلى وزارة المعارف المصرية

للأستاذ سيد قطب

فرحت لذلك القرار الذي أتخذه المؤتمر الإسلامي في كراتشي بأن تكون اللغة العربية لغة دولية في العالم الإسلامي، تتفاهم بها الدول الإسلامية في مكاتباتها الرسمية، ويتفاهم بها المسلمون حيثما التقوا في مكان. . .

إن هذا القرار خطوة قيمة في سبيل الوحدة الإسلامية التي أصبحت اليوم حقيقة واقعة، لا ينقصها إلا التنظيم العملي. وهذا القرار هو خطوة في سبيل هذا التنظيم العملي.

ولقد قلت لسعادة سفير الباكستان في مصر الحاج عبد الستار سيت في لقاء لنا في العام الماضي: إن باكستان لن تؤدي دورها الضخم الذي تملك أداءه للعالم الإسلامي إلا يوم أن توجد وحدة لغوية بينها وبين الأمة العربية المسلمة. وليس من الضروري في هذه المرحلة أن تتخذ باكستان اللغة العربية لغة رسمية لها؛ فإنه يكفي أن يعم تعليم اللغة العربية كلغة ثانية؛ وبذلك يمكن التفاهم بهذه اللغة بين الحكومات والشعوب والأفراد. ويمكن لأهل باكستان أن يقرئوا الصحف والكتب العربية، كما يمكن للعرب أن يقرئوا اشيئا مما يصدر في باكستان باللغة العربية.

ومثل هذا يقال عن أندونسيا، وعن إيران، وعن تركيا (ومعذرة عن ذكر تركيا في سياق الحديث عن العالم الإسلامي. . فأنا أعني الشعب التركي وهو بريء من جرائر حكومته وآثامها!)

وإنه ليسرني أن أعرف أن معهدا لتعليم اللغة العربية قد افتتح في باكستان، وإن كانت معلوماتي عنه لا تزال ناقصة. وأنا بسبيل استكمالها، وتقديم كل ما يمكنني تقديمه من الجهد في هذا السبيل. وإن كنت أعرف مع الأسف أن وزارة المعارف المصرية لم تساهم إلى اليوم أية مساهمة في هذا الموضوع الخطير

إن تعميم دراسة اللغة العربية في مدارس باكستان وإندونيسيا كلغة ثانية تأخذ وضع اللغة الإنجليزية في مدارسنا المصرية. . هو حدث تاريخي هام في تاريخ الشرق، وتاريخ العالم الإسلامي. بل ربما كان أخطر حدث في تاريخ الإسلام الحديث؛ لأن نتائجه في أوض الشرق، بل في أوضاع العالم ستتجاوز بعد فترة وجيزة نتائج أي حدث عالمي في تاريخ العالم الحديث

إن معناه إضافة مقوم قوى إلى مقومات الوحدة في العالم الإسلامي، مقوم وحدة اللغة والتفاهم إلى مقومات الوحدة الجغرافية والاقتصادية والعسكرية والدينية. . وهذا المقوم الجديد هو الذي يبيح الفرصة لتقارب مناهج التعليم، ومناهج التفكير، كما يتيح الفرصة لتبادل الأفكار والمؤلفات والأساتذة والطلاب. . وبتعبير مختصر لاستكمال عناصر الوحدة التي أصبحت اليوم ضرورة حياة بالقياس إلى تلك الكتلة الإسلامية كلها، لا مجرد رغبة نابعة من عقيدة المتدينين في هذه البلاد

إن الموقف السياسي والعسكري لهذه الكتلة الإسلامية يحتم اليوم أن تقوم فيما بينها وحدة كاملة، لكي يكون لها وزن في المضمار الدولي، ولكي تستطيع تحقيق الأهداف المشتركة لجميع الشعوب المندمجة فيها. وعوامل هذه الوحدة كلها قائمة لا تحتاج إلى غير التنظيم، فيما عدا عامل اللغة والتفاهم. وهذا ما يجب توفيره عن هذا الطريق الذي اقترحته على سعادة سفير الباكستان في العام الماضي

وما من شك أن وزارة المعارف المصرية تملك الشيء الكثير في هذا المضمار. وما من شك أن تحقيق مثل هذا الهدف الضخم أكبر قيمة بما لا يقاس من إنشاء تلك المعاهد الثقافية في لندن ومدريد وطنجة والجزائر أيضا. فأنا أعرف أن معهدنا الثقافي في لندن مثلا ما يزيد على أن يعلم اللغة العربية لبضعة عشر يهوديا معظمهم قد اشتغلوا فيما بعد جواسيس على العرب في حرب فلسطين، وبضعة عشر إنجليزيا ممن يعدون أنفسهم لخدمة الاستعمار الإنجليزي في الشرق العربي! وهذه المهمة تستغرق جهود رجل مصري مثقف كالدكتور عبد العزيز عتيق. كم كانت إحدى كليات الجامعات المصرية في حاجة إليه هنا لاستكمال أساتذتها!

ولو أنشئ معهد ثقافي مصري في باكستان ومثله في إندونيسيا لاستطاع من غير شك أن يؤدي للثقافة الإسلامية، وللعالم الإسلامي من الخدمات أضعاف ما يؤدي معهد في لندن أو في مدريد، أو حتى في طنجة والجزائر؛ لأن انضمام كتلتين ضخمتين إلى نهر الثقافة العربية، واستكمال أسباب الوحدة بين العالم العربي وبقية العالم الإسلامي. . يساويان بلا شك شيئا كثيرا، لليوم والغد، وللسياسة والاقتصاد، وللأهداف القومية العليا في المستقبل القريب والمستقبل البعيد.

على أن إنشاء المعاهد الثقافية ليس إلا مثلا لما تملك وزارة المعارف المصرية النهوض به في باكستان وأندونسيا؛ فإنها من غير شك تملك إنشاء معاهد لتخريج معلمين للغة العربية في هذين البلدين. وستجد الكثيرين من أهل باكستان وأهل إندونيسيا يلتحقون بهذه المعاهد لو أنشأتها هناك. وستجد من أهل البلاد من يصلحون أساتذة لهذه المعاهد بمعاونة بعض زملائهم من مصر والعالم العربي. . ووظيفة هذه المعاهد هي تخريج أفواج من المدرسين المستعدين لأن يقوموا بدورهم بتدريس اللغة العربية في مدارس بلادهم. فأنا أعرف أن عقبة عدم وجود الكفاية من المدرسين عقبة حقيقة في طريق تقرير اللغة العربية في مدارس الباكستان بالذات، أو مدارس بعض ولاياتها الراغبة منذ اليوم في تقرير اللغة العربية

نعم إنني أعرف أن لمعالي الدكتور طه حسين باشا آراء قديمة تضمنها كتابه: (مستقبل الثقافة في مصر) من شأنها أن تجعل اهتمامه بربط مصر بأمم البحر الأبيض أشد من ربطها بالبلاد الشرقية كباكستان وإندونيسيا؛ لأن الصلة التي تربطها بعقلية البحر الأبيض - على الرغم من اختلاف الأديان والمصالح القومية - أقوى من الصلة التي تربطها بعقلية هذا الشرق ولو أتحد الدين.

ولكن هذه الآراء قد كتبت منذ خمسة عشر عاما. وإني لأحسب أن أشياء كثيرة قد جدت في الأفق، وأن هذه الأشياء كفيلة بأن تبرز حقائق جديدة، وعناصر في الموقف جديدة، وأن هذا كله كفيل بتغيير رأي الدكتور طه باشا؛ لأن الحاجة الماسة إلى قيام كتلة إسلامية، وإلى وحدة العالم الإسلامي، ذات أثر حاسم في تقريب ما بين أجزاءه، وفي استكمال أسباب الوحدة العقلية التي كان يرى أنها غير متحققة إلا في دول البحر الأبيض.

إن دول البحر الأبيض اليوم تنقسم إلى معسكرين متعاديين متباغضين: معسكر المستعمرين، ومعسكر الشعوب التي تطالب بحرياتها. وسيظل كلاهما ينكر الآخر. وستظل العداوة والبغضاء قائمة بينهما أبدا؛ لأن مصالحهما متناقضة متعارضة.

وعلى الضد من ذلك موقف شعوب العالم الإسلامي كله. تلك الشعوب التي تجمعها المصلحة القومية، وتجمعها روابط أخرى قوية؛ روابط تاريخية وجغرافية واقتصادية ودينية. ولا يبقى سوى رابط اللغة الذي يوحد بين شطري العالم الإسلامي التوحيد النهائي الأخير.

وعلى أية حال، فإن إنشاء معهد لتعليم اللغة العربية لجماعة المسلمين في باكستان أو في إندونيسيا لن يكون أقل ثمرة من إنشاء معهد يعلم اللغة لبضعة عشر نفرا من اليهود أو من المستعمرين الإنجليز!

إنني أهيب بوزارة المعارف المصرية أن تمنح هذه المسألة من العناية ما تستحقه؛ وإن كنت أحسب أنها مسألة تستحق عناية الدولة كلها. عناية جهازها الديبلوماسي في الخارجية، وجهازها العلمي في وزارة المعارف، وجهازها المالي في وزارة المالية. . كما أن أجهزتها الاقتصادية في وزارة التجاري ووزارة التموين ووزارة الاقتصاد الوطني ستجد حقولا خصبة وحقولا ضخمة لو شاءت أن تؤدي عملا ذا قيمة غير محدودة، عملا ذا أثر عميق في موقف العالم الدولي كله. وفي موقف قضايا الحرية في كل مكان

إن قيام الكتلة الإسلامية على أصولها الصحيحة هو الضمانة الأخيرة الباقية للعالم اليوم، لوقايته من حرب ثالثة مدمرة. أو هو على الأقل الضمانة الوثيقة لتحرير شعوب العالم الإسلامي من الاستعمار الغاشم الظالم.

وهكذا تدرك وزارة المعارف أنها حين تنهض بهذه المهمة فإنها لا تؤدي عملا ثقافيا مجردا، إنما هي كذلك تؤدي واجبا ضخما في عالم السياسة القومية والدولية، وفي عالم الحرية، وفي عالم التاريخ. . .

سيد قطب