مجلة الرسالة/العدد 952/رسالة النقد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 952/رسالة النقد

مجلة الرسالة - العدد 952
رسالة النقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 10 - 1951


الحياة قصص

تأليف الأستاذ يوسف جوهر

للأستاذ ثروت أباظة

بهذا الاسم ظهرت أخيراً مجموعة أقاصيص للقصاص الشهير الأستاذ يوسف جوهر. والأستاذ في غير حاجة إلى تعريف. فقد تعدت شهرته الفئة المتأدبة إلى غيرها. . وهو فنان راسخ القلم صاحب مدرسة في لأقصوصة. . ومجموعته هذه الأخيرة منهاج جديد لهذه المدرسة. فلكل أقصوصة معنى عميق تشير لك إليه حوادث القصة دون لفظها. والشخصيات بارزة الخطوط جلية التكوين، والأسلوب عربي رفيع، وليس يسيراً أن يأخذ فنان نفسه بكل هذا في أقصوصة صغيرة إلا إذا كان هذا الفنان هو يوسف جوهر.

وقد أنحاز الأستاذ جوهر في أغلب أقاصيص مجموعته إلى جانب الواقعية في قالب فني رائع. وإنني بمناسبة الواقعية أعتذر إلى الأستاذ أنور المعداوي إذا عجزت أن أضع هذه الأقاصيص في واحدة من واقعيتيه، فالفرق الذي أوجده دقيق يعز على غيره أن يستعمله مقياساً للواقعيات؛ فأنا أرى الواقعية نقلاً عن الحياة، ولا يهمني بعد إذا كان النموذج موجود فعلاً أو قابلاً للوجود ما دمت أستطيع أن أعيش معه إذا كان إنساناً، فإن تلك حادثة عشت في جوها.

والقصاص الواقعي لابد أن يكون قد رأى انحرافاً سجله في قصة. فما القصة إلا عقيدة تكونت من مجرى خاطئ للحوادث أو من التواءات متراكبة في نفس الشخص الذي يرسمه القصاص. . فنحن إن رأينا شخصاً عادياً سارت به الحياة سيراً لا التواء فيه ولا غرابة ولا شر؛ لا يمكن لنا أن نجعل من هذا الشخص أو من حوادث حياته قصة.

فالواقعية في القصة إذن نقل عن صورة شاذة من صور الحياة. أو تصور لصورة شاذة ولكنها قابلة للوقوع. ولا فرق بين الواقعيين لأننا لا نطلب إلى القصاص الواقعي القسم أن يقول الحق كل الحق ولا شيء غير الحق. وإنما بحسبنا أن يقص أمراً قابلاً للتصديق. فإن لم يفعل فهو قد تجاوز الواقعية إلى الخيال أو الرمزية.

نعود إلى حياة القصص التي رسمها الأستاذ يوسف جوهر فنراه قد التزم فيها الواقعية إلى أقصى حد لها فهو نقل لنا القصة التي قد تكون حدثت بالفعل أو القابلة للحدوث دون أن يدخل إليها مصادفة قصصية أو نهاية ذات عظة، أو غير ذلك مما سار عليه أغلب القصاص. ولعله ألزم نفسه بذلك حتى تكون المجموعة صوراً من الحياة حقاً بغير زيادة أو نقصان. فهو لم يعاقب المجرم على فعلته، وهو لم يجز المحسن على إحسانه، وإنما سير الحوادث في مجراها الدنيوي لا القصصي، فقصته الأولى يعاقب غي المجرم وفي الثانية لا يثاب المحسن وفي ديون رهيبة لا يفك العقدة. وهكذا وهكذا صور من الحياة يضعها لك على الورق بغير تنميق قصصي في الحوادث. ولست أدري أهذا خير أم لا. فالقصة اليوم تنحرف إلى عكس ذلك؛ فالجاني لابد له من عقاب والمحسن لابد له من ثواب. . هكذا نرى القصص العربية والغربية، ولكن يظهر أن الأستاذ يوسف جوهر قد بدا له أن يجعل القارئ هو نفسه الذي يعاقب المجرم فيحتقره، وهو نفسه الذي يكافئ المحسن فيكبره دون أن يحكم على أشخاصه. وفي المجموعة صرخات إلى القوم أن يثوبوا إلى رشدهم، فهو يهيب بالفلاح أن يطلب حقه، وبصاحب الأرض أن يخفف من عجرفته، ومن الغني أن ينظر إلى الفقير، ومن الفقير أن يطلب إلى الدولة أن ترعاه. . كل هذا دون أن يتكلم هو. بل أنه ليطلق الحوادث تتكلم في صراحة واضحة مبينة. وثمة صور نقلها دون أن يحيك حولها قصصاً ذات بداية وعقدة ونهاية. . وإنما هي صور التقطتها عدسته من أوساط القصص دون أن تغريها هذه الصورة أن تتبع هذه الخيوط إلى النهاية. . مثال ذلك (ديون رهيبة). وهناك أقصوصة لابد لي أن أذكرها معجباً بها كل الإعجاب، وهي (أربعة ذئاب ونعجة) وقد استطاع الأستاذ يوسف أن يرسم هؤلاء الذئاب أو الرجال رسماً قوياً صادقاً كل الصدق، وقد ربط ثلاثة من هؤلاء الرجال بواحد منهم كلاً بوشيجة تدل على نظرة دقيقة إلى الحياة. . إنها أقصوصة رائعة.

والمجموعة على غالبية الواقعية فيها لم تخل من الرمزية الطفيفة، أو هي في الحق لم تخل من الخيال، فأقصوصة (هذه هي الحرب) أخرج الأستاذ يوسف مصباحاً غازياً على كوبري قصر النيل. . . أخرجه يتكلم. . خيال ولكن المصباح لو تكلم لما قال غير الذي قال، ولا فعل غير الذي فعل لأنه مصباح منير مشرق النفس، تابع للميري غير محتاج إلى مداهنة أو مصانعة لينال مالاً، وهو جماد غير محتاج إلى زلف أو تقرب ليكسب قلب امرأة. وهكذا كان الأستاذ يوسف جوهر واقعياً في خياله.

لست أعرف إذا كان الأستاذ يوسف جوهر قد أحسن أم أساء في التزامه هذه الواقعية فهو قيد نفسه بعنوانه. . والأقاصيص قد أدت الهدف التي أرادها أن تهدف إليه، ولم يعاقب على شر، ولم يثب على فضل ولكنه أدى، فإذا أراد المتزمتون المحافظون على الأخلاق أن يثوروا به فما عليه إلا أن يقول لهم: (هذه دنياكم فلا تثوروا علي؛ وإنما ثوروا بها إن استطعتم، وأنتم لا تطيقون ثورة فاسكنوا حتى يثب الله المحسن ويعاقب المسيء).

وإذا أراد القصاص الذين ينحون إلى المنحى الآخر من الإنابة والجزاء أن يثوروا قائلين: إن الأقاصيص لم تنته؛ فهو قائل لهم (بل قد انتهت وعلى القارئ أن يقيم نفسه، قاضياً وأنا إنما أروي لكم وأصور أشخاصاً، ولا أحب أن أكون قاضياً بينهم؛ بل إنني لا أحب أن أكون محامياً في الأدب.)

أحار فيما إذا كان قد أحسن أم أساء حيرة أنظر فيها إلى العرف الذي كان جارياً، أما إذا نظرت إلى نفسي فهو قد أحسن وأصاب ما أراد أن يصيب، وليس عليه من حرج ولا جناح ولكنني آخذ عليه هذه الصبغة المتشائمة التي أراقها على قصص الحياة ما إن الحياة ليست قائمة إلى هذا الحد، والتشاؤم بعد يأس. . وليس مع اليأس فلاح. . لابد للمحاول من قبس يهتدي به إذا حاول، فالصور الداكنة لا تشجع على المحاولة.

وبعد فكل ما نرجوه إلى الأستاذ يوسف جوهر أن ينظر إلى أدبه أكثر مما يفعل الآن، فهو قلم نحب أن نقرأ له، وتحب العربية أن تقرأ له أدباً خالصاً، وفناً رفيعاً. نرجو منه ذلك مهما كان في رجائنا حيف عليه، ومهما كنا نعلم ما سيلحق به إذا حقق هذا الرجاء، ولكنه فنان وأديب فعليه أن يؤدي للفن حقه، ما دام الفن قد أدى إليه حقه.

ثروت أباظة