مجلة الرسالة/العدد 952/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 952/القصص

مجلة الرسالة - العدد 952
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 10 - 1951


تمثيلية قصيرة:

الديك والثعلب

عن جفري شوكر

للأستاذ محمود البكري محمد

(مهداة إلى العقلاء. . والمجانين أيضاً)

أشخاص التمثيلية:

الديك، الدجاجة (زوجته). الثعلب. مسز مالكين (فلاحة). خمس دجاجات.

(. . قبعت الدجاجة والديك في المرقد. . ورأساهما بين أجنحتهما. . فجأة تنبعث من حلق الديك نغمة متحشرجة في ألم، كأن شيئاً ما قد مسه. . فتصحو (زوجته) مذعورة. . . وترنو إليه في شغف).

الدجاجة. ماذا أصابك يا رفيقي العزيز؟!

(يخرج الديك نفس النغمة. . وهو لا يزال في إغفاءته).

الدجاجة: (تنقره بخفة) ماذا حدث لك. . أتئن هكذا؟

الديك: (مفيقاً. . وفي صوت وسنان) لا تراعي من أجلي. . يا إلهي!. لقد اعتقدت أن شيئاً مزعجاً حدث لي!. وإن الرعدة لتعروني عندما أفكر فيه.

الدجاجة: (ضجرة منه) ماذا حدث لك؟

الديك: (في صوت مرتعد). . لقد وجدتني أتوثب هنا وهناك في الحظيرة. . وجلاً من وحش تساوره الرغبة الجامحة في أن يقتنصني. . ويقتلني!.

الدجاجة: يقتلك؟! وماذا يشبه هذا الحيوان؟

الديك: يكاد يشبه الكلب. . . لونه مزيج من الأحمر والأصفر. . وفي ذيله وأذنيه نقط سوداء. . وإن له أذناً قصيرة وله (في رعدة) عينان متوهجتان! إن شيئاً ما في منظره. . أكاد أموت من الفزع عند تذكره!.

الدجاجة: (تدفعه. . وتقول بحدة) كم أنا خجلة منك! ولن أحبك بعد!. كيف تحمل الوجه الذي يقول لي إنك خائف؟ أنت؟! بعرفك الأحمر المشرشر كأنه قمة برج قلعة، ومنقارك الأسود اللامع كأنه حجر ثمين، وساقيك الزرقاوين، وأظفارك التي هي أشد بياضاً من أزهار السوسن، ولونك الذي يشبه الذهب المجلو. . أنت؟! يا جبان!

الديك: (بتلطف) أنه حلم مفزع. . يا عزيزتي!

الدجاجة: حلم؟ وأنت مرتاع من حلم؟! إن كل ما بك هو سوء هضمك!. يحلم الرجال أحياناً بدببة سوداء وثيران كالحة، وأشباح حالكة تلاحقهم. . والديكة تحلم بالكلاب: صغيرة وكبيرة. . و. . (باحتقار) بالوحوش الحمراء التي تريد أن تنهشها حتى الموت!. . و. . (في تأثر) لا ينقص الرجال والديكة غير جرعة من الدواء!.

الديك: مغتماً. . وتعتقدين هذا حقاً؟

الدجاجة: نعم!. . وعندما نهبط من هذا المثوى. . ستتجرع واحدة. . وإلا فإنا أراهن على بنسين إن لم ترقد من الحمى أو البرداء التي ستفضي بك - على أي حال - إلى الموت.!

الديك: (منتفضاً في اضطراب). . الموت؟

الدجاجة: (مؤكدة) لابد أن تزدرد واحدة من الديدان أو اثنتين ثم بلعة من هذا النبات أو ذاك. . تسرع إلى تجرعه أنى تجده في الحظيرة. . وتبتلعه جيداً. . (يئن الديك ثانية) يا رفيقي أبتهج بربك. . ولا تروعنك الأحلام!

الديك: يا دجاجتي الحبيبة! جميل جداً أن تسخري من هذا الحلم وتهونيه، ولكني قرأت مرة قصة رجلين كانا نائمين معاً في الليل قبل أن يبدأ رحلة. . ورأى أحدهما في منامه شخصاً يقبل ويأخذ مكاناً بجوار سريره. . ويقول له: (إذا سافرت في الغد فإنك غارق لا محالة. . وهذا كل ما أقوله لك). .

فأيقظ صاحبه، وأفضى إليه بذات نفسه. . ولكن صاحبه يقول له أنه لا يعبأ بالأحلام، ثم سافرا. . وبغتة وبلا سبب تنقلب السفينة، ويغرق صاحبنا!. . هذا حق وحقيقة!

الدجاجة: لا تفكر في هذا بعد الآن! الديك: (بحنان) يا رفيقتي! إن من أجلك أن أحزن هكذا. فإني عندما أتملى هذه الحمرة القرمزية حول عينيك. لا أستطيع أن أتحمل مجرد التفكير في الموت، والبعد عنك!. لكم أنت حبيبة!

الدجاجة: أنه الفجر!. ومن عدانا غارق في سباته. . .

الديك: يا لله. . حقاً ما تقولين.

يخفق بجناحيه ويصيح عالياً. . ثم ينزل هو والدجاجة من القن. . وكذلك باقي الدجاجات. . يتبختر الديك في مشيته، ويعدو عابساً كأنه أسد. . . مختالاً كأنه أمير! يخطر على أطرافه لا تكاد تمس الأرض قدماه!

وبينما هم كذلك يزحف الثعلب. . ويربض مستخفياً بين الأعشاب. . ثم تخرج الدجاجات واحدة بعد الأخرى. . ويخرج الديك وحيداً في خيلائه باحثاً - في كبرياء - عن القوت. . وعلى حين غفلة يلمح الثعلب. فيجري بعيداً في صياح. . ولكن الثعلب يبرز من مكمنه. . ويتحدث إليه في رقة.

الثعلب: أوه. . لا تجر بعيداً. . أوه! أنا آسف إذا كان انزعاجك بسببي. . وإن من المؤلم أن أراك هارباً كأنك خائف!. إني لم أجيء لأسمع ما يجري بينكم، أو لأتجسس عليكم. . ولكن (في سرور) لأسمع صوتك الشجي!.

الديك: (متوقفاً. . ولكن على مسافة آمنة من الثعلب) لتسمع صوتي؟!

الثعلب: نعم صوتك! وإن كان من قول. . فإن لديك حاسة موسيقية لا يتمتع بها أي موسيقي سمعته. . إن صوتك أشبه بصوت ملاك من السماء.

الديك: (شاكراً. مقترباً). . أتعتقد هذا؟

الثعلب: أعتقد هذا؟! (في حديث ودي) إن أباك بارك الله روحه - وأمك كانا في منزلي. . وكان يسرني أن يكونا هناك. . ومع استثنائك أنت أستطيعأن أقول إني لم أسمع شخصاً يغني كما كان أبوك في الفجر. .

. . يا إلهي! لقد كانت موسيقاه تنبعث من الأعماق!. . لقد كان يقف على أطرافه ويمد عنقه، ويجهد نفسه ليخرج ذلك الصوت الرقيق إلى أن تغمض عيناه من الجهد!. .

الديك: يقولون إني صورة من أبي!. .

الثعلب: ولم تكن لأبيك الحاسة الموسيقية فحسب. . بل كان أيضاً حكيماً جداً. . حذراً كثيراً. . ولكن يا سيدي هلا تغني؟!. .

أرجوك. . فإني أبغي أن أعرف هل تستطيع أن تطرب كأبيك!. .

(يضرب الديك بجناحيه. . ويتمطى، ويمد رقبته، ويغمض عينيه، ويصيح بأعلى صوته، وفي لحظة ينقض الثعلب عليه. . ويمضي به بعيداً. . بينما الديك يحشرج ويقاوم، ويصيح في فزع. . وتندفع الدجاجات صائحات في ارتياع)

الديك: (في صوت ضئيل يائس) لماذا تعدو بي إلى الغابة؟ لقد انتصرت علي وخير أن تأكلني ها هنا. . وتنهي الأمر!

الثعلب: حقاً!. . سأفعل ذلك. . ومن بعدك الدجاجات السبع!. .

(بينما يفتح الثعلب فمه ينفلت الديك منه، ويسرع عائداً إلى الحظيرة)

الثعلب: يا عزيزي!. . أنا لم أقصد إفزاعك هكذا. . . تعال أحدثك عن قصدي!. .

الديك: لا. أشكرك، فأنا أعرف. . ولن تنالني مرة أخرى!. .

(تدخل (مسز مالكين) ومعها طبق من الحبوب. . وحيثما ترى الثعلب تطرده إلى الخارج ثم تستدعي الديك والدجاجات إليها. . وتطعمها).

الدجاجة: لم أكن أعتقد أني سألقاك ثانية. يا رفيقي الأثير.

الديك: آه. . لقد تعلمت الآن شيئين: ألا أغمض عيني حينما يجب أن تظلا مفتوحتين، وثانياً: ألا أعمل بنصيحة زوجتي!

الدجاجة: وكذلك قد عرف الثعلب أن من الحماقة أن يثرثر حينما يجب أن يمسك لسانه!

محمود البكري محمد