مجلة الرسالة/العدد 942/أدبنا القومي بين الفصحى والعامية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 942/أدبنا القومي بين الفصحى والعامية

مجلة الرسالة - العدد 942
أدبنا القومي بين الفصحى والعامية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 23 - 07 - 1951


للأستاذ حسين كامل عزمي

كان من أثر احتكاك مصر بالغرب الحديث أن تغيرت قيم طائفة من مثقفيها في مناحي الحياة العلمية والعملية، فإذا نظرنا من وجهة نظر أدبية، رأينا أن هذا الأثر - الاحتكاك بالغرب - قد أثر كثيراً في الأدب الحديث. .

ففي الربع الأول من هذا القرن، نشب ما يشبه المعركة بين طائفتين، أو مدرستين، من الأدباء. . . طائفة تمثل مطمح المصريين إلى حياة أدبية قومية، عناصرها الروح المصرية المتطورة بالاحتكاك بالغرب، النافضة آثار الروح العربية التي سرت فيها قروناً. . . وطائفة لا تزال مستمسكة بعناصر الروح العربية: لغة، ومعنى، وثقافة، ومذهباً. .

وكانت الطائفة الداعية إلى التجديد يعتمل فيها ما يشبه الثورة على الأدب العربي، وما يشبه الانتصار للآداب الغربية.

فإذا عرفنا أن أصحاب الدعوة إلى التجديد في الأدب كانوا ينتصرون لاستعمال العلمية، إذا لزم الأمر، محافظة على روح التعبير وواقعيته، عرفنا إلى أي حد لم يتحقق أملهم، حتى اليوم في إيجاد وتكوين الأدب القومي المنشود الذي ينسجم مع هذه الدعوة. . . اللهم إلا فيما ندر اتفاقه لأديب مصري ممتاز، كتوفيق الحكيم مثلاً، الذي تلمس المصرية الحقة القحة واضحة جلية تكاد تصيح في حيوية أسلوبه الرشيق، وتشبيهاته البيئية الصحيحة، التي نورد منها الآتي: (هذه الفتاة قلبها مثل دغل البوص.) تشبيه مصري

(ووقع العمدة بخطه الذي يشبه نبش الدجاج.) تشبيه منزلي مصري

زد على ذلك غزارة التشبيه عند الحكيم، ممثلاً بهذا التعبير المصري، فالمصريون يكثرون من استعمال حرف (زي) الذي يسبق التشبيه. . . كما ترى في أدب الحكيم إقبالاً على استعمال الألفاظ العامية، خاصة في حواره. . ومن المسلم به أن لكل فنان جمهوره، وكلما كان جمهور الفنان عديداً كلما كان لرسالته في الحياة قيمة عملية فعالة. . والفنان الحق مطالب بفهم عميق لدقائق النفس الإنسانية: خوالجها، ومنازعها، ونزواتها. . . وهو مطالب بعد ذلك بصدق التعبير وواقعية الأداء، بحيث يتمشى مع روح عصره. . فيخاطب الناس على قدر عقولهم وفهومهم، وعلى قدر استعدادهم اللغوي الذي يمكنهم من استيعابه وتدبره.

ثم الانتفاع بنتاجه. . . واللغة أولاً وأخيراً، آلة جمهورية تستعملها الأمة كلها فيما وضعت لأجله، ويتفاهم بها الشعب قاطبة فيما يريد، فجمهرة كلماتها وغمرتها تتداولها ألسن الكافة، ولا سيما الأفعال والحروف. . . وكل شي يتناوله الجمهور ويغير فيه ويبدل، حتى يوافق ذوق المجموع، واللغة جزء من مزاج الشعب، فهي تختمر رويداً رويداً، وقليلاًقليلاً، كما يختمر العجين، ولذلك كانت محاولة تعليم الناس جميعاً لغة عامة (الإسبرانتو) عملاً صبيانيا؛ كما يقول صديقنا الفاضل الأستاذ عبد الفتاح بدوي. .

وليس التطعيم - الذي حدثنا عنه الأستاذ كامل السيد شاهين بالعدد 940 من الرسالة الغراء - مما يشوه اللغة أو يحط من شأنها وقدرها، بل كثيرا ما يزيدها رقة وعذوبة. . . فبمثل هذا التطعيم المعقول المقبول يتم لنا بقريب الشقة بين الأدب والأمة، فتختفي الهوة التي تفصل المتعلمين عن العوام شيئاً فشيئاً. وعلى مر الأيام تصير اللغتان اللتان نستعملهما لغة واحدة. . . فإن الاختلاف اللغوي بين طبقتين في الأمة لمما يضعف القومية. . .

والشعر مرآة عصر قائليه، و (ميزة الشعر المطعم عن الشعر العام أنه عصري متواضع، يمس الاجتماع الراقي كما يمس الاجتماع الشعبي، وبذلك يصور لنا ناحية يترفع عنها الشعر العام - ونحن نجني في مثير من الأحيان على التاريخ، عندما نعتمد على الشعر العام في تصوير حياة المجتمع، لأنه في برج عال رفيع لا ينحط إلى المستوى الشعبي. . .) كما يقول الأستاذ شاهين. . .

وبمناسبة مقال الأستاذ شاهين عن الشعر المطعم، أذكر أن أحد أصدقائي من الأدباء البائسين، أتاني ليلة عيد الأضحى، منذ سنوات مضت، يشكو لي ضيق ذات يده، وحرمانه من تذوق لحوم الأضاحي. . . ثم تركني ومضى. . فقلت:

- على لسانه - واصفاً شتى أحاسيسه:

تثير دوما شجوني ... رؤيا بدت لعيوني

رأيت في الحلم كبشاً ... معذبا ذا أنين

يصيح في القوم: ماءا ... قبيل عصف المنون

فقلت للكبش: صبرا ... كل يزول وديني!

قد جف ريقك لما ... رأيت هول اليقين! ولن يجودوا بماء ... بل يذبحوا بسكون

وبعد جز الرءوس ... يزول نطح القرون!!)

ثم التفت لنفسي ... بذلة المستكين

فما أكابد دوما ... كمثل هذا الحزين

يسر قوما شقائي ... فيطربوا لأنيني

لمحض كوني أديبا ... في خسة جمدوني

ولو رأوني خروفا ... في قصعة. . أكلوني!

ولو رأوني سمينا ... بنشوة. . يذبحوني!!

وبعد فكر عميق، ... وقد كواني حنيني،

تمثلت لخيالي ... فنون أرسن لوبين

. . . جذبت حبل خروفي ... والقوم لا يبصروني

وعند صخر بكوخي ... ربطته. . كالأمين!

لكن خلق إلهي ... بسرعة لمحوني

وصاح جاري صياحا ... سمعته كالطنين:

(أيا شويش. . الحرامي ... ربيب شتى السجون!

خطف خروفي العزيز ... فياله من لعين!

أذقه طعم البواني ... بفكه والجبين

وأنت شهم مغيث ... فلا تخيب ظنوني!)

صحوت فورا!. أصوغ ... قصيدة من عيوني. .؟!

وقد سر الصديق بهذه القصيدة سروراً عظيماً، إذ وجد فيها - على حد تعبيره - شيئاً من التنفيس عما ينهش بقلبه المسكين. . .! فتركتها بين يديه، بعد أن لمحت بريق الشكر فن عينيه. .!

السويس

حسين كامل عزمي