مجلة الرسالة/العدد 941/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ترجمات أخرى صديق همام (تشيخوف)

مجلة الرسالة/العدد 941/القصص

مجلة الرسالة - العدد 941 القصص
المؤلف: أنطون تشيخوف
المترجم: أزاد نوري محمود
بتاريخ: 16 - 07 - 1951



الدكتور فيكل

للكاتب الروسي أنطون تشيكوف

بقلم الأديب أزاد نوري محمود

خرجت (واندا) الحسناء من المستشفى وهي فقيرة معدمة. . . ماذا تفعل! وكل ما عندها من حطام الدنيا خاتم ذهبي ذو ماسة براقة، وقد اضطرت لشدة احتياجها للمال أن تبيعه بروبل واحد. . . ولكن روبلا واحدا لا يكفيها لشراء ما تهفو إليه نفسها

إنها تحتاج إلى ملابس جديدة لتبدو فيها أجمل مما هي الآن، وقبعة بيضاء تزهو بها بين الفتيات، وهذه الأحذية البالية التي أكل عليها الدهر وشرب تبعث الاشمئزاز إلى نفسها. . . ولكن ماذا تفعل؟

وكانت تشعر بخجل واضطراب كلما رأت العيون تحدق فيها وفي ملابسها الرثة وسحنتها الزرية. والغريب أنها تتوهم أن الحيوانات إذا ما رأتها تتقزز من منظرها وتدمدم غاضبة. وكثيرا ما انفردت بنفسها تناجيها:

- آه. أين ذلك الذي ينتشلني من هذه الوحدة، وينقذني من شقائي. . . أخشى ألا أجد أحدا

ثم فكرت في الذهاب إلى (تيفولي). . . وهناك كانت تأمل أن تلتقي بضالتها المنشودة. ولكن، أبهذه الملابس القذرة المهلهلة تذهب إلى تيفولي؟ هل تقدم على ذلك؟

وأطلقت لأفكارها العنان: إلى أين أستطيع الالتجاء؟ ولا وزر لي في تيفولي. . . أإلى (ميشيل)؟ لا، لقد تزوج منذ أيام، أم إلى الهرم الساذج (أوسيب)، وأخشى أن يكون منهمكا في أعماله

ثم هبت بغتة عندما جال بخاطرها اسم (فيكل) طبيب الأسنان في تيفولي، وتذكرت أنها زارته قبل بضعة أشهر عندما وهبها بعض الأساور الجميلة. وداعبها في تلك الليلة حتى أغاظها فلم تتمالك أن أفرغت قدحا مت الشراب على رأسه. إنه طيب القلب مرح. فلا بد أ، يعطيها شيئا إذا زارته اليوم

وهكذا جدت (واندا) السير في طريقها إلى منزل فيكل وقد سرت فيها انتعاشة فياضة وانبعث منها حمية ونشاط. . وكانت تتمتم بخفوت:

- إذا كان في المنزل ولم يعطني شيئا فسأجدع أنفه!! وسأحاول إغراءه بشتى الوسائل علني أحصل منه على 20 روبلا

لكنها أنكرت هذه الفكرة وحاولت إبعادها من رأسها؛ وانتابتها قشعريرة وأخذت تترنح في سيرها وشعرت بارتباك وخوف. .

وعندما اقتربت من منزل الطبيب ترددت في طرق بابه. . وتسمرت في مكانها لحظات واجمة تفكر:

- ربما يكون قد نسيني. . . ثم هذه الملابس الرثة. . . هذا المنظر الذري. . رباه!

وواتتها شجاعة حينما تقدمت غير هيابة وطرقت الباب بقوة. . . وصاحت: - هل الطبيب هنا؟

وبرزت الخادمة. . . وخطت نحوها ثم قادتها إلى غرفة الانتظار دون أن تنبس. . . وغاصت واندا فوق المقعد الوثير سارحة الفكر شاردة اللب. . . وأبصرت نفسها في مرآة مقابلة. . لقد كانت صورة واضحة للبؤس والشقاء والتشرد

ثم خاطبتها الخادمة بعد هنيهة:

- تفضلي بالجلوس هنا. . . سيحضر الطبيب بعد دقائق وكانت واندا تفكر فلم تفقه من كلام الخادمة شيئا. . . وساءلت نفسها:

لم هذا التهيب؟ سأصارحه بالقول وأقترض ما أطلب من مال. . . ولا عيب في ذلك! وسيتذكرني حالما يراني. . . ولكن هذه الخادمة السمجة، مالها جمدت في مكانها لا تبرحه؟ لن أصعد إلى غرفته إن بقيت في مكانها

وفجأة دخل (الدكتور فيكل) بقامته الفارعة ووجهه المتجهم وعينيه اللتين ينبعث منهما وميض الاعتزاز والكبرياء، تدل سحنته العابسة على أنه متشبث برأيه يصعب إقناعه. ودهشت واندا لتجهمه وعبوسه وقد عهدت فيه المرح والانشراح. وفي تلك الليلة التي زارته في منزله داعبها وهو طلق الأسارير ضحوك. ما باله تغير هكذا؟ وكأنه ببروده وتكلفه الابتسام موظف رسمي في ديوانه. . .

واقترب من واندا وقبل أن يتفرس فيها جيداً سألها بهدوء: - ماذا بوسعي أن أفعله لك؟ ووجف قلبها عندما خاطبها الطبيب بلهجة من لا يعلم عنها شيئا. . . وأخذت تحدق في تلك الخادمة اللعينة بنظرات تتلظى وغضب مكتوم، واصطبغت وجنتاها بحمرة خفيفة عندما خاطبها ثانية: - هل أستطيع أن أقوم بشيء؟

وأجابته على الفور بصوت متهدج واهن وهي تصر على نواجذها:

- أسناني. . . أسناني تؤلمني قليلا يا دكتور. . .

- ها.؟ صحيح؟ وتذكرت واندا سنا لها كانت تؤلمها أحيانا:

- في الفك الأسفل، نحو اليمين. . . حسنا افتحي فاك جيدا. . .

وزوى فيكل ما بين حاجبيه وبدت علنه صرامة قاسية وتنهد تنهدة عميقة، ثم شمر عن ساعديه وأمر أصابعه على أسنان الفتاة بهدوء، ثم أدخل في فمها آلة قاطعة:

- هل هذه السن تؤلمك؟ نعم. .

واستسلمت بين يديه بهمود وتراخ وشرعت تفكر

- إذا عرفته بنفسي. . . فلابد أنه يتذكرني جيدا، ولكن هذه الشيطانة لا تزال جامدة هناك كالصنم

وشعرت بألم حاد حينما اقتلع سنها بقوة، وندت عنها صرخة مكتومة وحاولت أن تمسك يديه. . . وصاح فيها: - ماذا تفعلين؟ إن سنك قد فسدت ولا تصلح لك البتة. . . وعليك ألا تهملي شأن أسنانك منذ اليوم يا صغيرتي. . .

قال هذا واستوى واقفاً على قيد خطوات منها وكأنه ينتظر خروجها. . . بعد أن أنهى عمله. . . وهبت الفتاة ناهضة وتوجهت نحو الباب بخطى مضطربة والتفتت نحو الطبيب وقالت وقد أفتر ثغرها عن ابتسامة متكلفة:

- إلى اللقاء يا دكتور. . .

وأمسك فيكل زمام ضحكة كانت على وشك الانطلاق ثم أجابها بتهكم مرير:

- إلى أين؟ لقد نسيت الأجر!

واصفر وجه (واندا) ثم اكتسى بحمرة الخجل، لكنها تمالكت نفسها:

أوه. . . . المعذرة، لقد نسيت ذلك؛ عفواَ.

وازداد ارتباكها وهي تتلقى نظراته النفاذة، وسرعان ما أخرجت الروبل الوحيد الذي تملكه وألقته بين يدي الدكتور فيكل وهي ترتعش. . .

ومرقت من الغرفة ماضية نحو الشارع عجلى وهي تشعر بخجل لم تشعر بمثله في حياتها. وطفقت تطرق الشوارع القفراء بحذاءيها الباليين وهي ساهمة شاردة، ولعلها كانت تحلم بالملابس الجديدة والقبعة البيضاء ذات الشرائط الوردية وآمالها الموءودة. . . من يدري

أزاد نوري محمود