مجلة الرسالة/العدد 934/عقبات تعترض النهضة في البلاد العربية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 934/عقبات تعترض النهضة في البلاد العربية

مجلة الرسالة - العدد 934
عقبات تعترض النهضة في البلاد العربية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 28 - 05 - 1951


للدكتور محمد يوسف موسى

نعم، كلنا نحس إحساساً شديداً هذه الأيام بأن هناك عقبات تقف في سبيل النهضة في البلاد الشرقية أو العربية أو الإسلامية، وكل هذه التعبيرات تؤدي في رأينا مدلولاً واحداً. عقبات يرجع بعضها إلى سوء توزيع موارد الثروة الطبيعية إلى حد شنيع يثور من أجله الضمير والدين، فكان من ذلك الفقر والحرمان والجوع، وهذاثالوث بغيض ولا سيما وهو لم يدع لنا لحظة نفكر فيها في الغد، بله نهضة الوطن الأكبر! ويرجع بعضها، في رأي غير قليل من الكتاب، إلى أننا لم نطلق الانطلاق كله في اصطناع مظاهر الحضارة والحياة الغربية، متناسين أن لكل أمة مقوماتها التي بها يكون كيان خاص محترم. كما يرجع بعضها الآخر إلى أن الزعماء والساسة لا يريدون حقاً هذه النهضة، ما داموا لا يتخذون الطرق المؤدية لها.

على أن هناك عقبة أخرى لها في رأيي الخطوة البالغة، ومن ثم يجب أن نفعل - ولكن في تؤدة وتبصر - على إزالتها من الطريق، نعني بها افتراق عقلية الأمة العربية افتراقاً كبيراً إلى عقليتين مختلفتين، كل واحدة منهما لها فهمها للحياة وأهدافها ووسائلها التي تعارض وما للعقلية الأخرى من هذا كله، وبذلك يشقى العالم العربي بين هاتين العقليتين المتباعدتين:

عقلية مدنية تعرف الغرب وتأخذ عنه وعن نظمه وتقاليده وحضارته، أكثر بكثير ما تعرف العروبة والإسلام وحضارته. 2 - عقلية دينية تجهل علوم (العصر) وحضارته، ونشأت على الدين دون أن نفهمه صحيحاً أو تعنى بتطبيق مبادئه وأصوله، والحكم هنا طبعاً على المجموع لا على الجميع.

ورجال العقلية الأولى بيدهم أمر الحكم وسياسة البلاد، وقد فتنهم الغرب بمظاهره الخادعة، وجهلوا الدين جهلاً يكاد يكون تاماً فاحتقروا ممثليه، وظنوا من الخير التخفف منه ومن تقاليده، لأنه - كما زعموا - لا يساعد على النهوض، وتناسوا لجهلهم بالتاريخ مقدار ما أفاد الغرب والإنسانية عامة مما في الإسلام وحضارته من حيوية ومبادئ صالحة للحياة القوية العزيزة الكريمة إن هؤلاء الناس لا يعرفون، حين يشيدون بما قررت الثو الفرنسية نم حرية وإخاء ومساواة، أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه هو الذي وضع أساس ذلك كله مستوحياً روح الإسلام - حين قال: (لم تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)! وحين رفض أن يصيب من طعام لا يجد عامة المسلمين السبيل إليه، وكان ذلك الطعام من سنام جزور! ولا يعرفون كذلك ان عمر أيضاً هو الذي وضع الأساس العملي للعدالة الاجتماعية وضمان المعيشة الطيبة للناس جميعاً، بما فرض على الدولة من نفقة للفرد - بله المسلم! - وعياله حين يعجز عن العمل.

أما رجال العقلية الدينية، فقد عرفوا ظاهراً من الدين، حين ظنوه رسوماً تقام وعبادات تؤدي فحسب، وتجاهلوا حقيقته وغايته ووسائله، جهلوا أو تجاهلوا أن للدين رأيه في تحصيل القوة، ورأيه في الحرية والمساواة بين الكبير والصغير، فلا سادة ولا مسودين إلا بالعمل الخير يقوم للوطن والأمة. جهلوا أو تجاهلوا أن الدين، فضلاً عن أنه صلة بين العبد وربه تقوم على ما نعرف من شعائر وعبادات مقدسة، يدعو في إلحاح إلى أن تقوم العلاقة بين الانسان وأخيه الانسان، أو بين الحاكم والمحكوم، عل أساس العدل والتسوية، كما يدعو في إلحاح كذلك إلى عدم الخوف من الله وحده، وإلى أنه لا طاعة لمخلوق، مهما علا شأنه، في معصية الخالق. أليس رسول هذا الدين صلوات الله وسلامه عليه، يقول: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما بم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)، أو كما قال!

ولو عرفوا ذلك معرفة حقة لجاهدوا مع المجاهدين في بعث الأمة من نومها، ولأعدوا الشعوب للمطالبة الجادة القوية بحقوقهم، ولجعلوا بهذا ولاة الأمر في الشرق من عوامل نهضته بدلا من أني كونوا حجر عثرة في طريق هذا النهوض.

لقد عكفنا على الماضي وحده، وتجاهلنا العصر ومعارفه وعلومه التي لا بد منها للنجاح في الحياة، ولتسخير الكون لنا كما أمر الله، واكتفينا بترديد أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. دون أن نكلف أنفسنا محاولة تبين أن له حقاً هذه المزية والفضيلة، وهذا لا يكون إلا بالبحث والمقارنات بين النظم القائمة وبين نظم الإسلام وتقاليده.

كان من هذا، كما نرى ونلمس، أن زادت الهوة بين فريقي الأمة اتساعاً. وكان من هذا أيضاً، أن صارت الأمة لا تسمع لنا، نحن رجال الدين، ما دمنا نعيش في نطاق خاص محدود، وما دمنا لا نضرب بأعمالنا للأمة المثل الطيبة الصالحة في تقويم المعوج وإن أوذينا في أرزاقنا وأنفسنا وأبنائنا!

ولا علاج لهذا في رأينا إلا بتوحيد التعليم على أساس قوى من التمكين للدين والثقافة الإسلامية، بأوسع معانيها وحدودها، في مرحلة التعليم العام، الابتدائي والثانوي ثم بعد هذا، يجب ألا نكتفي بالماضي نتغنى بأمجاده، بل علينا أن نبني عليه فنصل الماضي بالحاضر، وأن نفيد من حضارة العصر، فنعمل على أن يكون منا، بجانب الغربيين، مخترعون ومكتشفون ورجال صناعة. ولن يكون لنا هذا كله أو بعضه، ما لم نقض على هذه الثنوية في التعليم الأساس الذي بيناه، وحينئذ يتعاون أفراد الأمة جميعاً، سواء من آثر بعد المرحلة العامة في التعليم التخصص في العلوم المدنية، ومن آثر التخصص في العلوم والثقافة الدينية الإسلامية.

هذا، والله يهدينا جميعاً سواء السبيل.

محمد يوسف موسى