مجلة الرسالة/العدد 918/في سبيل الله والأزهر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 918/في سبيل الله والأزهر

مجلة الرسالة - العدد 918
في سبيل الله والأزهر
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 02 - 1951


للدكتور محمد يوسف موسى

أما بعد!!

فقد أردت نفسي جاهداً على أن أكتب اليوم في باب من الأبواب التي أكتب فيها المتصلة بالفلسفة أو الفكر عامة، فأبت إباء شديداً، وحتمت على أن تكون هذه الكلمة من الأزهر خاصة. ولا عجب! فأين كان الأزهر في كل أدوار تأريخه الطويل الحافل ملء الزمان، فهو هذه الأيام ملء الزمان والأسماع حتى استرعى انتباه البلد كله، وأفردت له الصحافة الكريمة مكاناً كبيراً، فنحن لا نعيش هذه الأيام إلا له ولا نفكر إلا فيه.

يتساءل كثير من الناس ممن لم يتبطنوا الأمر ولم يفقهوا ما يراد بالأزهر، عن السر في ثورة الأزهريين جميعاً طلاباً ومدرسين وأساتذة، هذه الثورة الهادئة الجادة الحازمة، وكيف أصبحوا يطلبون مطالب مادية كما يطلب الغير، وقد عهدوهم زهاداً في الدنيا حين يتكالب غيرهم عليها؟ ولهؤلاء المتسائلين على هذا النحو أتوجه بهذه الكلمة.

ما كان الأزهر في يوم من الأيام طالب دنيا، ولكنه صاحب رسالة يحرص على أدائها ويرجو أن يعان عليها، بل ألا يحال بينه وبينها. وهذه الرسالة في حفظ كتاب الله وحراسة شريعته، وإذاعة التعاليم الإسلامية في مصر وغير مصر من أقطار الأمة الإسلامية، والعمل على أن يكون هذا الكتاب الكريم وتلك الشريعة السمحة هما الفيصل في البلاد الإسلامية في نواحي التشريع والأخلاق والتقاليد.

وهذه الرسالة، على خطرها وجلالتها وثقل ما تقتضيه من تبعات، قام بها الأزهر فيما مضى من تأريخه الطويل، وعرفت له الأمة الإسلامية عظم الدور الذي يقوم به، فأحلته المحل اللائق ورفعته مكاناً علياً. أما اليوم فقد وضح، حتى لمن كان أعمى أو لمن لا يحب أن يتعمق الأمور وبرد النتائج إلى مقدماتها وأسبابها الأولى، أن القائمين على شؤون مصر في هذه السنوات لا يريدون أن يقوم الأزهر برسالته من حراسة الدين وأخذ الأمة به، حتى يتم لهم ما عملوا له زمناً طويلاً من فصل الدين عن الدولة فصلاً تاماً، ومن أن يكون مجتمعنا مجتمعاً لا يمت في مجموع مظاهره وتقاليده للشريعة بسبب قوي أو صلة متينة. ومن ثم راحوا يتحيفون حقوق الأزهر وأهله في عنت، ويتحدونه وأبناءه في جبروت، ويحاولون صرف الناس عنه بطرق وأساليب شتى، ويجدون مما بين أيديهم من الحكم وأسبابه القوية في كل ما يريدون، بل ويجدون لهم أنصاراً ممن لا يريدون - فيما يزعمون - أن تتخلف مصر عن ركب الحضارة، كأن الإسلام الذي أوجد أكبر حضارة عرفها الإنسان أصبح حجر عثرة في سبيلها هذه الأيام!

هذا، وإنا نعتقد أن الحالة أو المحنة التي يمر بها الأزهر الآن، وسيخرج منها بفضل الله، وقد نفى عن نفسه الخبث وذاد عن عينه النوم الثقيل البغيض، هي نتيجة لسياسة وضع أسسها المستعمر منذ قرابة قرن من الزمان.

إن الاستعمار على ضروب مختلفة لكل منها وسائله، ولكن مهما يختلف المستعمرون في طرقهم وأساليبهم، فإنهم يتفقون على وجوب القضاء على قومية البلد المستعمر، وهذه القومية تقوم على الدين واللغة والتقاليد. وهذه الغاية قد يسير إليها المستعمر في عجلة وعنفوان كما فعلت فرنسا في الجزائر، أو في هون وتؤدة كما حاولت إنجلترا في مصر ونجحت فيه نجاحاً غير قليل.

لقد بدأ الأمر عندنا منذ زمن طويل بالتهوين من شأن الدين واللغة، وتحيف حقوق القائمين بهما، وجعلهم لدى الأمة في منزلة أدنى من نظرائهم في الثقافة والعمل والخدمات العامة للأمة؛ ومن ثم كان خريجو دار العلوم دون خريجي مدرسة المعلمين العليا منزلة وراتباً مع اشتراكهما في العمل في المدرسة الواحدة؛ وكان القضاة الشرعيون. ولا يزالون. دون القضاة الأهليين في المرتبة المادية والأدبية، مع الاستواء في الحكم بين الناس، وما لذلك من تبعات جسام؛ وكان خريجو الأزهر في منزلة أدنى من هؤلاء جميعاً.

ثم انقضى الاستعمار بحمد الله. ولكن بقي - لا أقول أذناب وصنائع - من يخدمون بعض ما كان له من غايات من حيث يدرون أو لا يدرون، فاحتطبوا في حبله زمناً طويلاً، حتى انتهى بنا الأمر إلى كثير مما كان يريد.

هاهو ذا أحد المسلمين، ممن لهم مكانة ملحوظة في البلد، يقول في كلمة نشرتها له أوائل عام 1949 صحيفة إسلامية واسعة الانتشار: (ولا يخفى أننا في مصر نجرى، في حكمة واعتدال، على فصل الدين عن أمور الحكم وخلافات السياسة.)

وهاهو ذا آخر درس القانون وصار من المحامين، يقول في عريضة دعوى الآنسة المحامية أمينة مصطفى خليل التي رفعتها أمام مجلس الدولة، تشكو وزير العدل أنه لم يعينها وكيلة نيابة أو محامية بقلم قضايا الحكومة بعد أن استشار في الأمر رجال الدين، يقول كما جاء بمجلة أخبار اليوم في العدد الصادر بتاريخ 4 نوفمبر سنة 1950: (وقد أخطأت وزارة العدل السبيل حين توجهت إلى رجال الدين لتستفتيهم في مسألة اجتماعية لا تتعلق بالدين - كما لو كانت مسألة ولاية المرأة القضاء أو شيئاً منه أمراً لا يتعلق بالدين والشريعة الإسلامية! - في كثير أو قليل. فكان حقاً عليها، حتى لا تتخلف عن المسير في ركب الحضارة، أن تسائل نفسها: هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية حقاً وصدقاً؟ أو هل يعيش المصريون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف؟ فإذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة بالسلب، حق على وزارة العدل أن تتورع عن الزج بالدين في الأمور الاجتماعية البحتة)، إلى آخر ما قال! ونحن نعتقد مع محامي المدعية أن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها هي بالسلب، وهذا ما يكشف لنا عما وصل إليه من النجاح أنصار إقصاء الدين عن الدولة والمجتمع نفسه. وهم مع هذا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، متجاهلين قوله تعالى في سورة المائدة: (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون!) مع أن الحافظ ابن كثير، وهو من أجل علماء الإسلام، يقول في أثناء تفسيره لهذه الآية: (فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله.)

وأخيراً، من باب التمثيل لا من باب الاستقصاء، نرى الأزهر زاد عن القوامة على الشريعة الإسلامية فيما يفرض على البلاد من قوانين ترجع إلى كثير من المصادر ما عدا شريعة الله ورسوله! كما لا يسمع له فيما نعاني من مفكرات وآثام ومظالم، وفيما يشيع في هذا البلد من تقاليد تبعد عن أمر الله والخلق الطيب بعد المشرق عن المغرب!

أرأينا إذا أن التهوين من شأن الأزهر وأبنائه وعلمائه ورجاله عامة، وانتقاص حقوقهم جميعاً في غير ورع أو حياء، أمر يجري على سنن مرسوم وسياسة وضع المستعمر أسسها ووسائلها منذ زمن طويل! وأنه من عدم فهم الأمر على حقيقته، ومن تجاهل العلل الأولى لهذه المحنة التي تمر بها، أن يقال إن الأزهريين يثورون طلباً للمادة كما يفعل الأغيار!

ألا إن الأمر أخطر من هذا كله كما رأينا، ألا وإن من يؤمن بالله ودينه، والرسول وشرعته، والأزهر ورسالته، طلاباً وأساتذة ورؤساء، ليس له أن يتزحزح خطوة واحدة عن هذا الموقف الذي نقفه الآن جميعاً في سبيل الله والأزهر، وإلا كان فاراً من الزحف وباء بسخط من الله ورسوله والمسلمين جميعاً.

إن الأمر، أيها الناس، لا يعدو إحدى اثنتين: إما ألا تكون مصر والعالم الإسلامي كله في غير حاجة للأزهر، أو تكون في حاجة ماسة له، فإن كانت الأولى فليغلق الأزهر، ولينفق ما يرصد له في الميزانية، على غيره من مرافق البلد، وليريحونا من هذه الحياة التي لا يرضاها حر أبي كريم، إن كانت الأخرى، وهذا ما نعتقده صحيحاً، فعلى الدولة أن تعرف للأزهر وأبنائه منزلتهم، وأن توفر لهم الحياة الكريمة كفاء ما يقومون به من رسالة وما عليهم من تبعات، وعلى الأمة الإسلامية كلها أن تطالب الدولة بذلك كله في جد وإلحاح من يوقن أنه يطالب بحقه، فأقول: (على الأمة الإسلامية)، لأن الأزهر وإن كان مصر، ليس ملكاً لمصر وحدها، ولكنه لأمة الإسلام جميعاً، والأمر في هذا لا يحتاج لدليل أو توضيح.

وليس لأحد ممن بيدهم الأمر أن يتعلل لمحدثيه بعدم إمكان الميزانية العامة للدولة، وإلا، فكيف تتسع هذه الميزانية للإغداق على جمع من الطوائف، بل وللإغداق على فرق التمثيل والرقص نستقدمها من أوربا للترفيه عن الأغنياء المترفين!

هذا، ونقول أخيراً ما قاله فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ حسنين مخلوف عضو (جماعة كبار العلماء) في حديثه لدى فضيلة أستاذنا الأكبر شيخ الجامع الأزهر، إن المسألة ليست اليوم مسألة مطالب عادلة فحسب، وإنما هي مع ذلك مسألة كرامة وعزة. ويجب أن يكون للأزهر قيمته ومنزلته التي عرفها التاريخ وعرفها العالم الإسلامي، فيعترف له بحقوقه، ويقدر أهله وما يؤدون للبلاد من خدمات التقدير. اللائق وإننا، ثقة بلفتات جلالة الملك التي شملت الأزهر في كل شؤونه بمزيد من العطف والرعاية، لنرجو أن يكشف الله بها هذه الغمة، ويزيل بها هذه المحنة. ونقول نحن أيضاً: أحبب بهذه محنة جعلت الأزهريين، طلاباً ورؤساء ومرءوسين، جسماً واحداً ورجلاً واحداً في سبيل الله ودينه، ورسوله وشريعته، والأزهر ورسالته. والله المستعان

الدكتور محمد يوسف موسى

أستاذ بكلية أصول الدين