مجلة الرسالة/العدد 917/تعقيبات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 917/تعقيبات

مجلة الرسالة - العدد 917
تعقيبات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 01 - 1951


للأستاذ أنور المعداوي

فضيحة علمية لأستاذ جامعي:

أعتقد أن هذه الكلمة، تحت هذا العنوان، ستدفع فريقاً من القراء إلى أن يقول لي: ترفق. . ترفق بالدكتور عبد الرحمن بدوي لأنه (فيلسوف) مصر الأول، و (أستاذ) الفلسفة بجامعة إبرهيم، وصاحب الإنتاج الفكري - معذرة فلعل المقصود هو الإنتاج المطبعي - الذي يربى على الثلاثين كتاباً!

صيحة أتوقعها قبل أن أسمعها. . ولولا أنني أعرف الدكتور بدوي حق المعرفة، من خلال صحبته، ومن ثنايا كتبه، ومن حقيقة لقبه - أعني فيلسوف مصر الأول - لولا أنني أعرفه على ضوء هذا كله، لما تجاوزت الصيحة المنتظرة ومضيت في الطريق إلى نهايته!

لقد كان من المعقول أن أترفق بالدكتور بدوي لو أنه ترفق باللقب الخطير الذي أضفى عليه، وترفق بالأستاذية الجامعية التي هيئت له، وترفق بالقيم الفكرية التي احتمى بها أو احتمت به، وترفق بعقلي وعقلك وهو يريد أن يزاحم المنتجين في كل ميدان. . لو أنه ترفق بهذه الأمور جميعاً لرجعت إلى قلمي أسأله شيئاً من الرفق، أو شيئاً من الصفح، أو شيئاً من الأناة!

لقد حاول الأستاذ أن يكون فيلسوفاً بالقوة، وحاول أن يكون أديباً بالقوة، وحاول أن يكون قصاصاً بالقوة، وحاول أن يكون شاعراً بالقوة، وحاول أن يكون ناشر مخطوطات ومحقق نصوص بالقوة. وقد تفلح القوة في الشئون السياسية والدولية، ولكنها - وهذا ما أود أن يفهمه الدكتور بدوي - لا تفلح في الشئون الفكرية والفنية! صدقني أنني معجب به كل الإعجاب لأنه مؤمن بنفسه إلى أبعد حدود الإيمان، حتى ليكرهها على ما لا تحسن وما لا تطيق: يكرهها على فهم الفلسفة، ويكرهها على هضم الأدب، ويكرهها على نظم الشعر، ويكرهها على كتابة القصة، ويكرهها آخر الأمر على نشر المخطوطات وتحقيق النصوص. أرأيت إيماناً بالنفس يبلغ عند الموهوبين ما بلغه عند هذا المصري النابغ الموهوب؟ ألم أقل لك إنني معجب كل الإعجاب بهؤلاء المؤمنين بأنفسهم، حتى ولو أكرهوها إكراهاً على أن تطرق كل باب، وأرغموها إرغاماً على أن تخوض في كل فن، وأجبروها إجباراً على أن تحلق في كل أفق؟!

يخيل إلي أنني مقصر في حق النقد ومهمل لرسالته. ولو لم أكن مقصراً ومهملاً لتناولت قلمي منذ أمد بعيد لأحاسب الدكتور بدوي. . يخيل إلى هذا، ولكني أعود إلى نفسي فألتمس لها شيئاً من العذر، حين أنظر إلى الميدان فأجده قد خلا من النقاد. ترى هل يستطيع ناقد واحد أن يحاسب هذا العدد الضخم من المنتجين؟ وكيف أستطيع أن أحاسبهم جميعاً وفيهم من أحال الإنتاج (المطبعي) إلى معمل من معامل التفريخ؟!

إن إنتاج الدكتور بدوي وحده جدير بأن يشغل جيشاً من النقاد لا يهدأ ولا يستقر، ولكن أين هو هذا الجيش؟ أين الفصيلة التي تحارب الدكتور بدوي في جبهة الفلسفة، وأين الفصيلة الثانية التي تحاربه في جبهة الأدب، وأين الفصيلة الثالثة التي تحاربه في جبهة الشعر، وأين الفصيلة الرابعة التي تحاربه في جبهة القصة، وأين الفصيلة الخامسة التي تحاربه في جبهة التحقيق العلمي. . وأين الفصائل الأخرى التي تحاربه فيما يستجد بعد ذلك من جبهات؟ لقد تصدى له صديقنا سيد قطب - جزاه الله خيراً - في الجبهة الثالثة يوم أن اجترأ على أن يصدر ديوانه الخالد (مرآة نفسي)، ومع أن طعنات صديقنا الأستاذ قطب كانت قاتلة، إلا أنها كانت طعنات مهاجم واحد في ميدان يحتاج إلى فصيلة من المهاجمين. . إذا لم تصدق فاعلم أن الدكتور بدوي قد شرع في إخراج ديوان جديد، ديوان أسأل الله أن يعينني على لقائه!!

مهاجم واحد بالأمس في جبهة الشعر هو سيد قطب، واليوم يظهر في الأفق مهاج آخر هو سيد صقر. ما أعجب التشابه بين الاسمين وما أبعد الفارق بين الجبهتين. . إن الجبهة التي يهاجم فيها صديقنا الأستاذ صقر جبهة جديدة، فتحها الدكتور بدوي وهو أقدر القادرين على فتح الجبهات، لأنه أقدر القادرين على ادعاء المواهب والملكات. . . أما رحى المعركة فتدور على صفحات زميلتنا مجلة (الثقافة). هناك حيث خطر للدكتور بدوي أن يحقق (الإشارات الإلهية) لأبي حيان التوحيدي!

إلى هنا وأقف قليلاً لأحدثك عن هذه الفضيحة العلمية التي ارتكبها الدكتور بدوي، وكشف عنها الغطاء صديقنا الأستاذ السيد أحمد صقر جزاه الله. . لقد نشر المقال الأول في العدد الأسبق من (الثقافة)، ولن يصل هذا العدد من (الرسالة) إلى أيدي القراء حتى يكون المقال الثاني قد خرج إلى النور. . ليهتك حجب الظلام! ولن يقتصر الأمر على هذين المقالين، فلابد من مقال ثالث ورابع وخامس، لقاء ما بذل الدكتور بدوي من جهد في تشويه سمعة أبي حيان، وتشويه سمعة نفسه، وتشويه التحقيق العلمي في مصر!!

إن ما نشر من سقطات الدكتور بدوي كان أهون ما في الكتاب، وما بقي كان ألعن. . . واستمع لفصول القصة:

في مساء الاثنين الماضي كنت وحيداً في بيتي، أتأهب للخروج ولا أعرف إلى أين، فقد كان كل همي أن أطلق النفس من قيود الأسر، أسر القلم والكتب والجدران. . وفجأة هبط علي زائر كريم لم أكن أتوقع زيارته، لأنه كان معي قبل ذلك بيوم واحد، هناك على صفحات مجلة (الثقافة). وحين راحت يده اليمنى تصافحني كانت يده اليسرى تصافح أبا حيان، أعني تتصفح كتابه المفترى عليه: الإشارات الإلهية!

وقلت للأستاذ السيد أحمد صقر بعد أن استقر به المقام: معذرة فليس لدي تليفون حتى أدعو الأدباء من أعضاء ندوتنا الأدبية إلى الاجتماع في بيتي. تعال نذهب إلى مكاننا المختار حيث ندعوهم من هناك، فما أحوجك إلى كثير من الشهود المستمعين لدفاعك عن كرامة التحقيق العلمي في مصر!. . . والتأم شمل الندوة بعد دقائق، فكان فيها إلى جانب الشعراء والأدباء، بعض الأساتذة من جامعتي فؤاد وإبراهيم. وبدأ الأستاذ صقر يقرأ على الآذان المرهفة مقاله الأول الذي نشر في (الثقافة)، وحين انتهى منه، مضى يقلب صفحات الكتاب الذي (حققه) الدكتور بدوي وقدم له، واقفاً عند كل صفحة، مشيراً إلى كل سقطة، لافتاً إلى كل تشويه، معرجاً على تحريف!

أقسم لقد ضحكنا حتى اهتزت تحتنا المقاعد من كثرة الضحك، ودهشنا حتى عقدت الدهشة منا كل لسان، وأسفنا حتى ارتسمت معالم الأسف على قسمات الوجوه ونظرات العيون. . وقال أستاذ جامعي طلب إلي ألا أذكر اسمه لأنه صديق للدكتور بدوي وزميل له في جامعة إبرهيم: (هذه فضيحة من طراز فذ ليس له نظير. إن مصيبة الدكتور بدوي أنه لا يتأنى في إخراج كتبه، لأنه مولع بأن يكون له في السوق أضخم إنتاج بين المعاصرين. . هل المسألة مسألة كمأم مسألة كيف؟ أظن أن الجامعيين يجب أن يهتموا بالجانب الأخير)!

وعقب الأستاذ صقر غاضباً وهو يوجه إلي الحديث: لو كنتم يا حضرات النقاد تحاسبون هؤلاء الناس لما حدث الذي حدث. . إنكم تتحدثون عن أزمة القراء، ناسين أن إنتاجاً من هذا الطراز هو العامل الأول من عوامل الأزمة، أو هو العنصر الخطير من عناصر المشكلة. إن القراء معذورون إذا انصرفوا عن القراءة وشغلوا عن ثمرات المطابع، ما دام أكثر الكتاب في مصر يلتمسون الشهرة عن طريق القيمة (العددية) للآثار الفكرية!

وقلت للأستاذ صقر وعلى شفتي طيف ابتسامة: هذا صحيح! ولكن من هم (حضرات) النقاد يا صديقي؟ ترى هل تخاطبني بصيغة الجمع توقيراً لي، أن تقصد إلى أن في البلد نقاداً كثيرين يستحقون اللوم والتأنيب؟ إذا كنت ترمي إلى التوقير فأنا أشكرك، أما إذا كنت ترمي إلى كثرة النقاد فإني أعترض عليك. . أين هم النقاد في مصر؟ إنني أكاد أقف وحدي في ميدان النقد، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها! ثم هل وجهت شيئاً من لومك إلى حضرات الأساتذة الجامعيين الذين يجلسون بيننا في هذه الندوة؟ لماذا لا يمتشق أحدهم قلمه ليحاسب زميلاً له على هذه الفضيحة العلمية التي تسيء إلى الجامعة؟ مهما يكن من شيء فأنا أعدك بأن أكتب في الموضوع على صفحات (الرسالة)!

وقال أحد الجالسين من الأدباء وهو يريد أن يطمئن: من أي زاوية ستتناول الموضوع؟ هل ستشير في (الرسالة) إلى بعض ما كشف عنه الأستاذ صقر في (الثقافة)، أم أنك ستتحدث عن أزمة القراءة مرة أخرى لتنصف القراء؟!

وأجبت وأنا أدرك هدف اللفتة البارعة: بالطبع سأشير هنا إلى مقالات الأستاذ هناك، وسأطلب إلى قراء (الرسالة) باسم الحق والكرامة العقلية وأمانة البحث والاطلاع، أن يتابعوا الأستاذ صقر في (الثقافة) ليطمئنوا إلى أنني لم أكن غالياً في كل هذا الذي كتبت، وليدركوا أن أثر هذه الفضيحة العلمية في ميزان الضمير العلمي، لا يقل عن أثر أي فضيحة أخرى كفضيحة تحقيقات الجيش مثلاً في الضمير الاجتماعي. أما القراء فلا بأس من أن أعفيهم بعض الإعفاء من تحمل التبعة، ما دام الدكتور بدوي وأمثاله في الميدان!

وقال الأستاذ صقر وهو يدفع إلي بكتاب (الإشارات الإلهية): إن للكتاب مقدمة لا تدخل في حدود علمي ولكنها تدخل في حدود علمك. إنها محاولة (رائعة) يثبت بها الدكتور بدوي أن أبا حيان كان أديباً وجودياً لا يقل أصالة في نزعته الوجودية عن الأديب الألماني فرانز كفيكا!. إنني أترك لك هذه المقدمة لتناقشها على صفحات (الرسالة)، وسأدفعك إلى ذلك دفعاً حين أوجه إليك هذه الرغبة على صفحات (الثقافة). اقرأ يا صديقي اقرأ، واشكرني على أن قدمت إليك منبعاً من منابع الإضحاك!

وتناولت الكتاب ورحت اقرأ هذه المقدمة العجيبة حقاً. . تقولون إن نجيب الريحاني الذي كان نابغة عصره في إضحاك الناس قد مات، دون أن يملأ مكانه أحد؟! مهلاً أيها المتشائمون. . لقد أثبت الدكتور بدوي أن نجيب الريحاني لم يمت، وإذا كان، فقد ملئ مكانه بجدارة! أثبت ذلك في تحقيقه لمخطوط أبي حيان عن (الإشارات الإلهية). وفي مقدمته التي ذهب فيها إلى أن أبا حيان كان صاحب نزعة وجودية. . وبقى أن ينتهي الأستاذ صقر من مقالاته، لينتظرني الدكتور بدوي في هذا المكان!

برناردشو ورسالة المال:

في عدد قريب من الرسالة الغراء، وضعت لنا في ميزانك الدقيق الأنيق، وعلى أضواء عقلك المفتش وأشعة ذهنك الوهاج الكاتب الأيرلندي العالمي جورج برناردشو، فأدركنا ألمع اللافتات في فن هذا الكاتب العظيم. . لافتة العقل الساخر، وعرفنا أنها (الإطار الطبيعي الذي يحيط بكل صورة من صور هذه الحياة، ونقطة الارتكاز التي يلتقي عندها خط الاتجاه النفسي الممتد من هنا وخط الاتجاه الفكري المنطلق من هناك!

غير أني وقفت طويلاً يساورني الشك ويتوزعني الارتياب عند نقطة قلت لعل من الخير أن أرجع إليك متسائلاً ومستفيداً من تلقي الجواب. . لقد قلت إن شوكان يمتدح الشيوعية الروسية وينعت قطبها الأكبر ستالين بأنه خير الناس، ثم تساءلت: ترى هل كان شو يؤمن بهذا الرأي الذي يجهر به، أم أن سخطه على الرأسمالية عامة وعلى الإنجليز خاصة، هو الذي كان ينطقه بغير ما يعتقد ويظهره بغير ما يريد؟ ثم أجبت بقولك: الحق أنه السخط من جهة - وتقصد السخط على الرأسمالية طبعاً - والإيمان بالرأي من جهة أخرى!

ولكن، هل كان شو يا سيدي ساخطاً على الرأسمالية، غير مؤمن باستحواذ المال؟ إن الأستاذ العقاد يؤكد لنا في كتابه الصغير عن برناردشو، أنه كان مؤمناً برسالة المال في حياة الآحاد وحياة الجماعات (ص114)، وقال أنه لا يكتم هواه للمال وحبه للاستزادة منه ما استطاع (ص25)، ثم يحدثنا العقاد عما كان يجذب شو نحو الاشتراكية فيقول: كان يجذبه إليهم (فقره) وتمرده على النظم القائمة ونشأته الايرلندية التي تعلم منها الثورة على الاستعمار والاستغلال، فكان انضواؤه إلى جماعة الغابيين (ص27) فإذا أردنا تفسير كلمة (فقره) وجدناها لا تعني سخطه على الرأسمالية، يؤيد ذلك قول شو نفسه: لا تخلط بين كرهك لزيادة جارك في الغنى وكرهك للفاقة. . فكأنه يقول: لتكره الفاقة ما استطعت ولتحاربها بالجهد في كسب المال، ولكن لا تكره الأغنياء لأنك فقير، كأنه يقول ذلك.

من هذا يا سيدي أردت المزيد من الوضوح، ولعل في تفسيرك السابق معنى آخر تكمن فيه الحقيقة دون أن أفطن إليه، وقد استدق على فهمه واستجلاؤه. . وتقبل أخلص تحيات المعجب:

(السويس)

محمد محمد عبد الرحمن

الأديب الفاضل صاحب هذه الرسالة تاجر من تجار السويس ومع ذلك فهو يقرأ (الرسالة)، ويناقش في الأدب، ويقتطع من قوته لحظات ثمينة يقضيها في صحبة الأدباء. . . من حقه علي أن أخفض قلمي تحية له وإعجاباً به، لأنه يضرب أروع الأمثال لهؤلاء الذين يفضلون عصير الليمون على عصارة الأذهان، ويؤثرون التسكع في الطرقات على قراءة الكتب وزيارة المكتبات!

تحية أقدمها إلى الأديب الفاضل قبل أن أقول له: يؤسفني أن يحول ضيق النطاق في هذا العدد عما يريد من جواب. . فإلى العدد المقبل حيث نعود إلى برناردشو من جديد، مسلطين بعض الضوء على تلك الجوانب التي تنشد التفسير والتعليل.

أنور المعداوي