مجلة الرسالة/العدد 917/الدين والسلوك الإنساني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 917/الدين والسلوك الإنساني

مجلة الرسالة - العدد 917
الدين والسلوك الإنساني
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 01 - 1951


للأستاذ عمر حليق

- 2 -

دراسة الدين والسلوك الديني موضوع لن يطمح كاتب هذه السطور أن يستنبط له منهجاً جديداً؛ إنما هو يستوحي لذلك ما انتهجه بعض أئمة البحث الغربيين من مناهج، وذلك لأن هذه الدراسة قصد بها التعرف على مشكلة الدين والسلوك الإنساني في المحيطين الأوروبي والأمريكي اللذين تغزو موجاتهما دعائم الفكر العربي في هذه الآونة مما أوجد بين بعض المثقفين العرب اتجاهاً سلبيا إزاء وظيفة الدين الروحية والاجتماعية. وهذا ما يدفعني إلى اتخاذ هذا النهج على أساس الحكمة التي تقول (من فمك أدينك).

ويجب ألا يغرب عن البال أن البحث في وظيفة الدين الاجتماعية لا يعني الانكباب على دراسة (اللاهوت)؛ فاللاهوت يختص بالتعرف على التطور الفكري والتاريخي للمذاهب الروحية، بينما ينطوي علم الدين الاجتماعي على استعراض علاقة الغريزة الدينية بالحياة اليومية وما يعرف الآن بعلم الاجتماع الديني.

فالناحية اللاهوتية في الدين تعالج العقيدة من حيث أنها إيمان وذلك عن طريق الدراسة لفلسفة الوجود والتعبير الديني ممثلاً في الصلوات والعبادات. وعلم الدين الاجتماعي يتطرق إلى الظواهر الاجتماعية وصلتها بالحياة الروحية. وهذا في الواقع صلب الإشكال بين المفكرين في الغرب وانقسام الرأي فيهم بين أنصار العقل والقيم الروحية من جهة، وأنصار الغريزة البدائية من جهة أخرى.

ولا ريب أن العلاقة وثيقة بين اللاهوت وعلم الاجتماع الديني، ولكنها ليست ضرورية دائماً. ويخيل إلى أن الإسلام في بساطته ووضوح تعاليمه لا يتطلب دفاعاً لاهوتياً على النحو الذي تتطلبه الأديان السماوية الأخرى.

ولقد كثرت في الآونة الأخيرة أبحاث بعض المفكرين المسلمين في الشرق العربي عن علاقة الإسلام بالمذاهب السياسية والاقتصادية والفكرية المعاصرة. والجدل الذي أثير مؤخراً حول هذه البحوث لا يتطرق إلى صلب الدين الإسلامي ولا يجادل جوهره ومبادئه، وإنما يطوف حول الناحية الاجتماعية في التعاليم الإسلامية.

والواقع أنه هذا الظمأ إلى دراسة هذه الناحية الاجتماعية في العقيدة الدينية قد ألهم الكثير من رجال الفكر الأوربي والأمريكي لكتابة بحوث مماثلة لهذه التي صدرت مؤخراً في العالم الإسلامي.

ولكن الفارق الرئيسي بين بحوث هؤلاء الغربيين وبين معالجات المسلمين هو افتقار الأديان السماوية الأخرى إلى التعاليم الدنيوية التي تنظم الحياة الاجتماعية. هذه التعاليم التي يزخر بها القرآن الكريم والحديث الشريف واجتهاد الأئمة المسلمين. وهذا فارق يبسط دراسة الناحية الاجتماعية في الإسلام لا على أساس من الاقتباس والاستعارة ولكن بالمقارنة وإعادة تفسير التعاليم الإسلامية وتطهيرها من الباطل الذي علق بها زوراً وبهتاناً دون مساس بالعقيدة والجوهر، وفي لغة يفهمها أهل هذا العصر.

إذن فهدفنا الرئيسي هو التعرف على علاقة الدين بالظواهر الاجتماعية. ولعل في ذلك ما يساعدنا على تفهم المغزى الجليل النفع في السلوك الديني ويوفر لنا أضواء نلقيها على عظمة الروحانية التي يحمل لواءها الدين والتي تواجه هذا التحدي من عناصر المجتمع العربي هذه الأيام.

ويجب أن نقرر في هذه المرحلة من الحديث أن الدين لم يمت ولن يموت، لسبب بسيط وهو أن السلوك الديني تعبير عن الغريزة الدينية الكامنة في أنفسنا جميعاً. والغريزة لا تموت دائماً بل تنطمر في بعض الحالات تحت ركام من العقد النفسانية والمشاكل الدنيوية. فإذا توفر لها من يزيل عنها هذا الركام برزت صافية جلية تبعث في الفرد وفي المجتمع الطمأنينة الحقة وهي سر السعادة والهناء في عالم قلق مضطرب.

فاتجاه بعض المفكرين إذن إلى دراسة الإسلام على ضوء علم الدين الاجتماعي هو نتيجة حتمية لموجة الاضطراب الفكري التي تعتري بعض المسلمين من أصحاب الثقافة الغربية في هذه الآونة - وبعض هؤلاء ابتعدوا عن الدين لا بدافع التحامل الأعمى أو الإلحاد ولكن لمجرد افتقار برامج التعليم إلى المواد الدينية بقسط أوفر من القسط الذي تحظى به هذه البرامج الآن، وافتقار الحياة الفكرية كذلك إلى بحوث علمية تدرس الدين على أسس من المناهج المستحدثة.

فالمشكلة إذن مشكلة جهل وليست مشكلة إلحاد، وإن كان الجهل في بعض الحالات يكون كفراً.

ولست أدعي أبداً أن دراسة الناحية الاجتماعية في الدين الإسلامي تغني عن متابعة الاجتهاد في علوم الفقه والشريعة وأصول الدين على النحو الذي تقوم به معاقل الإسلام في الأزهر وغير الأزهر. فالحقيقة أن علم الدين الاجتماعي متمم لعلوم الفقه والشريعة وأصول الدين. فالدراسة الدينية تبرز الجوهر وتشرب التفاصيل وتفسر ما استعصى على بعض الناس فهمه من ألوان الروحانية التي يحملها الدين، والدراسة الاجتماعية للدين تشرح صلاح هذا الجوهر وهذه الروحانية لاحتضان المستنجد المفيد من التفكير السياسي والاقتصادي المعاصر. والبارزة الفريدة في الإسلام أن كلتا الناحيتين متمازجتان في صورة متماسكة متشابكة الأمر الذي يورد بعض الكتاب موارد الزلل في معالجتهم لهم بالتماسك وهذا التمازج.

والخروج من هذا الإشكال يستوجب على الباحث أمرين:

1 - اختيار صادق للعقيدة والإيمان وما يستتبع ذلك. طمأنينة وسمو نفساني ونزاهة في التفكير والمقصد.

2 - إدراك للمشاكل الاقتصادية والسياسية التي تعيش نفسية رجل العصر الحاضر وفي مجتمعه.

وللباحث أن يدرك كذلك الفرق بين العقيدة والإيمان وفلسفة الحياة الروحية، وبين النظرة الواقعية لمجرى الشؤون الدنيوية والسلوك الإنساني.

فليس هناك صدق علمي فيما يحلو للبعض الكتابة عنه هذه الأيام (كالاشتراكية في الإسلام) و (الشيوعية في الإسلام) وغير ذلك من عناوين؛ وإنما هنالك مجال للبحث بين علاقة التعاليم الإسلامية بالمشكلة الاجتماعية أو الفكرة السياسية وما شابه ذلك من مظاهر النشاط الإنساني.

فالاشتراكية والشيوعية نظم سياسية واقتصادية، والدين عقيدة وإيمان فوق أية دستور للنشاط الإنساني. والخلط بين الاثنين قصور عن فهم العقيدة وافتقار إلى اختيار الإيمان وعجز عن تفهم ما انطوت عليه تلك النظم الاقتصادية من أسس قد لا تنطبق على كل مجتمع في كل صعيد.

فعلم الدين الاجتماعي لا يجوز أن يكون وسيلة لتنفيذ برنامج معين من برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي؛ والترويج لها من مقتبسات القرآن والحديث والاجتهاد، وإلا فقد الدين مزيته الرئيسية وأصبح كبرامج الأحزاب السياسية يتجدد ويتبدل بتبدل الأوضاع والملابسات.

فقبل أن تنشأ الماركسية نشأت نظم سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة تحدى بعض مروجيها العقيدة الدينية واتهموها بأنها عائق في وجه الإصلاح. ثم اندثرت تلك النظم أو تطورت إلى نظم أخرى. وبقيت العقيدة الدينية كامنة في قرارة السلوك الإنساني تحفظ الحياة وقيمها الرفيعة في خضم القلق والثورات والحروب، وتلهم الناس أسباب الطمأنينة والثقة بالعدالة الإلهية وبالاستقرار النفساني والاجتماعي. ويحب كاتب هذه السطور أن يذكر على سبيل المثال أنه اشترك في جامعة كولومبيا في نيويورك في السنة الماضية في حلقة دراسية عالجت تطور التفكير في أمريكا في فترة ما بعد الحرب فتبين لأعضاء الحلقة أن الكتب الدينية هي من أكثر المنشورات رواجاً في عالم ما بعد الحروب - رواجاً أثبتته إحصاءات الكتب الرائجة التي تنشرها الصحافة الأمريكية بانتظام.

فالنظم السياسية والاقتصادية كالماركسية مثلاً أسلوب في الحياة يستمد مبادئه من الظواهر الاجتماعية وهذه الظواهر تتأثر بالظروف والأوضاع المتقلبة بينما الدين غريزة متأصلة في قرارة النفس كغريزة الأكل واللعب. قد يأتي عليها حين ترسب خلاله إلى الحضيض لفترة قصيرة، ولكن لا مفر لها من أن تجد سبيلها إلى الشعور الواعي في الأحيان الكثيرة.

على أن هناك أموراً أخرى لا مفر من إقرارها ما دمنا بصدد الكلام عن منهج البحث منها:

1 - إدراك الباحث والقارئ معاً واعترافهما بحقيقة الاختبار الديني وقوة الإيمان والمتعة الروحية والتطور التاريخي الذي صاحب ولا يزال يصاحب التعبير عن هذا الاختبار وعن هذه المتعة. وهذا الاختبار إن كان يتنوع في وسائل روحانياته بين مختلف الأديان السماوية إلا أنه اختبار على كل حال يشترك فيه كل مؤمن.

والتنوع في اختبار المتعة الروحية يستند أولاً: إلى الاختلاف في جوهر العقيدة (كما هو الحال بين الإسلام والبرهمانية مثلاً حيث يجد بعض البرهمانين المتعة في إيلام الجسد). وتستند ثانياً: إلى اختلاف التطور الفكري بين الشعوب وطبيعة أوضاعها التاريخية والجغرافية والحضرية. فإذا كان المسيحي الصادق في أمريكا مثلاً يخرج من صلاة الأحد طاهر القلب صافي الذمة ليذهب ويلعب ويعاقر الكأس وهو في حل من الإثم والمعصية فإن المسلم لا يصح له ذلك، فاختبار المسلم لروحانية الدين تنفي كل ذلك. والتطور التاريخي والفكري في أمريكا أصبح يحول بين المتعة الروحية في الكنيسة وصفاء نفس المؤمن صفاء صادقاً وبين انعكافه وهو في هذا الصفاء على احتساء كأس من الخمر والتسلي بلعب الورق.

ومثل هذا تنوع جوهري لا يفطن له الذين يعالجون الناحية الاجتماعية في الإسلام على ضوء ما استوحوه من التفكير الغربي ولعل ذلك يفسر التباس الأمر عليهم في بعض أوجه العلاقة بين الإسلام والمشاكل الاجتماعية

2 - دراسة الظواهر الدينية كما تبدو في المجتمع. وهذا يتطلب تجرداً علمياً ينفذ إلى الصميم. لا يأخذ بقشور هذه الظواهر وإنما ينفذ إلى اللباب الذي كثيراً ما تتراكم عليه ألوان من العرف والعادات والتقاليد التي ليست من أصوله ولا هي من جوهره. ولعل التحامل الذي يصدر عن بعض مفكري الغرب في دراستهم للدين الإسلامي يعزى إلى فقدان هذا التجرد والعجز في إزالة الركام عن لباب الظواهر الاجتماعية. وهذا أيضاً خطأ يأخذ به بعض المحدثين من المسلمين أنفسهم إذا ما حاولوا معالجة السلوك الديني في المجتمع الذي يعيشون فيه.

3 - توزيع العمل في الدراسة العلمية: فالباحث في علاقة الدين بالمشاكل الاجتماعية لا بد وأن يكون ملماً بكلا الموضوعين إلماماً واسعاً. فالاقتصادي الذي يكتب عن الاقتصاد في الإسلام لا ينبغي أن يقتصر على ذخيرته في علم الاقتصاد وإنما يترتب عليه أن يلم إلماماً دقيقاً بهذا التراث الضخم من الشريعة الإسلامية وهو تراث ينفق الناس فيه السنوات في التعرف على بعض ألوانه. وقل مثل ذلك عن رجال الدين الذين يعالجون المسائل الاقتصادية العميقة من وجهة النظر الدينية.

ووجه القصور في بعض من كتب (الشيوعية في الإسلام) أو (الاشتراكية في الإسلام) أو (العدالة الاجتماعية في الإسلام) أنهم ادعوا ما ليس لهم به علم كاف. فالاشتراكية مثلاً مزيج من فلسفة واقتصاد وسياسة ودراسة اجتماعية وهي أدق وأعقد من أن تؤخذ في سطحيتها وتقارن بالشريعة الإسلامية وفروع التخصص فيها عديدة متفرقة.

فالكتابة عن العلاقة بين الدين والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية عمل يجب - إذا توخي النفع الصادق أن يشترك فيه جماعة من أهل الاختصاص في حلقة أو حلقات يقوم فيها كل في مجال اختصاصه بالدرس والبحث والتنقيب أو أن يتفرغ لها الكاتب فترة معقولة من الزمن يستعين بالمراجع الوثيقة في المواضيع التي تمس لباب البحث مساً مباشراً أو غير مباشر. مستأنساً بآراء أهل العلم حين يستعصي عليه الفهم.

أما اتباع الأسلوب الصحفي في الكتابة عن هذا الموضوع أو التصدي لمعالجته في أدب المقالة والإنشاء فلن يحقق نفعاً صادقاً.

نيويورك

(للبحث صلة)

عمر حليق