مجلة الرسالة/العدد 917/البريد الأدبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 917/البريد الأدبي

مجلة الرسالة - العدد 917
البريد الأدبي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 01 - 1951


طول العمر وقصره:

وجه حضرة الأستاذ عدنان سؤالاً على صفحات الرسالة الغراء بالعدد (915) بمناسبة مقالي عن (الخمر بين الطب والإسلام) يقول فيه أنه جاء في هذا المقال (وإذا اطلعتم على إحصائيات شركات التأمين على الحياة وجدتم أن استعمال الخمر ولو بمقدار متوسط يقصر العمر) ثم يقول كيف يمكن التوفيق بين إحصائيات شركات التأمين على الحياة وقول الله تعالى (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا) وقوله جل شأنه (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون).

وقد أوجزت (الرسالة) رداً بليغاً، بقول الله تعالى (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) وأنا أجيب حضرة السائل فأقول:

ما من شيء في هذه الحياة الدنيا إلا وقد بأسباب، فلم يقدر مجرداً عن سببه ولكن قدر بسببه. فمتى أتى الإنسان بالسبب وقع المقدور، ومن لم يأت بالسبب انتفى المقدور وهكذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر إنجاب الأولاد بالزواج وقدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال (كما جاء في الجواب الشافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن قيم الجوزية) فكذلك قدر على شارب الخمر من الأزل إتلاف صحته سريعاً ثم يقضى في عمر قصير كتبه الله عليه في اللوح المحفوظ (وكل شيء أحصيناه كتابا).

أرأيت إلى من يدهسه (ترام) مثلاً فيموت هل قصر عمره أم ذاك كان في كتاب مسجل في برنامج الوجود؟

أرأيت إلى من يرمي نفسه من حالق فيقضى، هل قصر عمره أم ذاك أجله وافاه. فالمقتول والمنتحر كل منهما ميت بأجله الذي علم الله وقوعه وسبب وزمانه ومكانه. وكذلك شارب الخمر ميت بأجله الذي قدره الله له، فكل الأشياء مرسومة قبل أن يوجد الإنسان.

إذاً لم تكن الخمر سبباً في إنقاص أجل طويل فلكل أجل كتاب، ولكنها سبب لتقدير أجل قصير قدره الله من الأزل وقد أخرج مسلم عن جابر أن سراقة بن مالك بن جعشم قال يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ قال ففيم العمل قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له وكل عامل بعمله).

الدكتور حامد الغوالي

طبيب أول مستشفى رعاية الطفل بالجيزة

رحمة باللاجئين:

حينما تناولت القلم لأكتب وقفت طويلاً. . . حائراً. . . قبل أن أبدأ. . . لقد تزاحمت علي الكلمات، وأخذت الألفاظ تترى من كل حدب وصوب كالسيل الجارف فلم أدر ماذا أكتب وماذا أعمل؟

وهل تفي الكلمات بالغرض الذي من أجله تناولت القلم. هل يمكن للحروف المسطرة على القرطاس. . . أن تصرخ وأن تصيح وأن تسكب دماء بدل الدمع حينما تحاول أن تصور حالة أخوان لنا إن لم يكن في اللغة والوطن والدين. فعلى الأقل في الإنسانية.

إنهم ليسوا بالأموات ولا هم بالأحياء كذلك؛ أو قل إن شئت إنهم أحياء أموات أو أموات أحياء. وهل أدل على ذلك من أناس يعانون المرض والبرد والجوع والعرى ولا يكونون كما وصفتهم. إنهم إخواننا اللاجئون العرب الفلسطينيون.

أهب يا سيدي بقراء الرسالة وذكرهم بما هو البرد وزمهرير الشتاء في العراء. ذكرهم بالجوع وقل لهم ما هو. وذكرهم بالمرض في الخلاء من غير مأوى ولا دواء. ناشد يا سيدي إخواننا القراء لكي يمدوا يد المعونة إلى هؤلاء البائسين وليرسل كل منهم إلى حضرة صاحب السعادة رئيس المجلس الأعلى لإغاثة اللاجئين العرب الفلسطينيين بجمعية الهلال الأحمر المصري بالقاهرة ما تجود به نفسه من مال أو ملبس أو دواء أو ما يستطيعون وما يفيض عن حاجتهم مهام قل؛ فإن القليل كثير.

ساهم يا سيدي في هذا العمل الإنساني بنشركم كلمتي هذه فإن كلمة صغيرة قد تنقذ أرواحاً معذبة قد تكون الآن في حالة النزع أو ما هو شر من النزع.

محمد أمان

الموظف بالمجلس الأعلى لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين العرب

سؤال ألقى مدرس ثانوي من إخواننا المسيحيين بمدرسة (. . . . .) الثانوية بالقاهرة على طلبته بالسنة الأولى السؤال التالي: ألم تقولوا إن الإسلام قد سبق الديمقراطية الحديثة في احترام الحريات والرأي والاعتقاد؟ فأجابه تلامذته بجواب المقلد الواثق بنعم. فقال المدرس لماذا إذن يستعمل الإسلام القوة مع المرتد فيحكم عليه بالإعدام؟ أليس من حرية الاعتقاد أن يعتنق الشخص أي دين يشاء؟

وفلسفة الإسلام في قتل المرتد أعمق غوراً من أن يبلغها السائل والمسئول. فالإسلام لم يقتل المرتد لأنه يهودي أو لأنه نصراني، وليست علة القتل هي اليهودية أو النصرانية، وإلا لما ترك الإسلام يوم كان يسيطر على الدنيا كتاباً واحداً. وهذا غير ما عرف من إكرامه لأهل الكتاب عامة وأهل الذمة خاصة، ولكنه قتل المرتد لأنه ذو وجهين أو لأنه لا مبدأ له أو لأنه ما دام - بإسلامه - قد اكتمل لإيمانه بموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام لا يصح أن يعود من جديد فيؤمن بالبعض ويكفر بالبعض الآخر. ولقائل أن يقول لم يقتل الإسلام المرتد العكسي أي من اليهودية أو النصرانية إلى الإسلام فأقول له إن إيمانه كان مجزأ فبإسلامه أصبح إيمانه كاملاً فليس من الحكمة في شيء استعمال القسوة معه. ولا إيمان المسلم بمحمد إلا إذا آمن بعيسى قبله.

وبعد فليعلم إخواننا المسيحيون المدرسون أن التلاميذ الذين بين أيديهم إنما هم أمانة عندهم فلا يصح بذر الشكوك في أذهانهم الفضة بمثل هذه الأسئلة التي لا يستطيعون الإجابة عنها في مثل هذه السن ولا بمثل ما عندهم من العلم.

مختار محمد هويسه

بين حافظ إبراهيم وعبد الحميد الزهراوي:

كان حافظ معروفاً بالتدقيق في انتقاء الألفاظ فإذا حضره معنى من المعاني الشعرية العلوية بذل أقصى الجهد في وضعه في قالب فصيح بليغ، وقد يقضي أياماً يبحث عن لفظ فصيح تتلقاه الآذان دون استئذان.

وأذكر أنه في مقهى (السبلندد بار) المقابل لحديقة الأزبكية والذي يسمى الآن (مقهى السبت فاير) في القاهرة كان يجلس أدباء الجيل الماضي في خلال الحرب الكبرى الأولى وقبلها وبعدها - رأيت في أحد الآصال حافظاً يقبل على جماعة من أولئك الميامين ثم ينشدهم قصيدة من قصائده الغر يخاطب فيها العميد البريطاني وأذكر من أبياتها الأولى:

بنات الشعر بالنفحات جودي ... فهذا يوم شاعرك المجيد

أطلي وأسفري ودعيه يحى ... بما توحين أيام الرشيد

إلى من نشتكي عنت الليالي ... إلى العباس أم عبد الحميد

ثم يتطرق إلى مخاطبة العميد فيقول:

إذا اشتد الصياح فلا تلمنا ... فإن القوم في جهد جهيد

وعندما لمع هذا البيت بدت عليه علامات الكآبة فقيل له علام أنت مكتئب يا حافظ؟ فقال والله إني غير راض عن هذا اللفظ (اشتد) فإنه لفظ سقيم. وقد حاولت عبثاً أن أجد لفظاً آخر أفضل منه فلم أوفق، فأخذ كل من الحاضرين يبحث عن اللفظ المناسب ومرت دقائق والجميع واجمون حتى اندفع الشيخ عبد الحميد الزهراوي الذي كان في ذلك العهد محرراً في (الجريدة) التي كان يتولى رئاسة تحريرها الفيلسوف أحمد باشا لطفي السيد وقال لحافظ قل (إذا أعلو لي الصياح فلا تلمنا) فتهلل محيا حافظ وقال لعبد الحميد لله درك يا عبد الحميد! والله إن هذا هو اللفظ الذي ما فتئت أبحث عنه فلم أعثر عليه، وتقدم إلى الشيخ وقبله. رحم الله أولئك الأبطال!

طرابلس الغرب

خليل الخوري

القاضي في المحاكم الليبية