مجلة الرسالة/العدد 911/مشكلة جامعية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 911/مشكلة جامعية

مجلة الرسالة - العدد 911
مشكلة جامعية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 18 - 12 - 1950


للأستاذ كامل محمود حبيب

كتبت في العدد (906) من الرسالة الغراء نداء إلى حضرت الأساتذة الأجلاء عمداء الكليات بالجامعات المصرية وهيئة التدريس بها، أستفتيهم في أمر رجل ليس مغموراً ولا نكرة ولا متخلفاً في ركب الحياة، تخرج في مدرسة المعلمين العليا حين تخرج فلم يدع العلم ولا الصرف عن الكتاب ولا اطمأن إلى فتور النفس، فأصاب ثقافة عالية أخرى نالها في طول ما قرأ ومن طول ما أطلع. وعاش حيناً من الدهر يرسف في قيود الوظيفة، ثم ضاق بالوظيفة أو ضاقت هي به، ولكنه لم يرد أن يبطل ترفعاً منه وأنفة، ولا أن يسكن إلى حياة الريف خشية أن يصيبه الجمود الذي يقتل العقل أو أن يعصف به الفتور الذي يمسح على الذكاء، فتقدم إلى كلية عملية من كليات جامعة فؤاد الأول، يطمح أن يكون طالباً بين شبابه على حين قد طوى عمر الشباب، وعلى حين إنه يعلم طول الشقة وبعد الغاية وصعوبة المرتقى، غير أن في النفوس الكبيرة الوثابة طمعاً ما يهدأ أبدا، وان فيها أملاً مشبوباً ما يفتر. وجاء - بعد أيام - رد (المسجل) يقول الرجل (. . ونأسف لعدم إمكان قبولكم بالقسم المذكور إذ أن القبول به قاصر على الطلاب الحاصلين على شهادة التوجيه (كذا).

وخيل للرجل إن (المسجل) لا يملك أن يرد طلبه، فالمسجل في ظن الرجل - موظف يغله قانون وتقيده لائحة، فهو لا يستطيع أن يبت في أمر برأي إلا أن تسنده مادة من قانون، أو يدعمه بند من لائحة، فكتب الى عميد الكلية ينشر امامه الخبر كله عله يجد الرأي الذي غرب عن (المسجل) أولاً فيسمع حكم مجلس الكلية. . كتب الرجل الى العميد وفي رأيه أن عميد كلية من كليات الجامعة ليس سوى رجل علم وأدب واجتماع: يبذل من عقله للعلم ويبذل من قلبه للأدب ويبذل من نفسه للجماعة، وأنه ليس موظفاً كبيراً في ديوان من دواوين الحكومة تبطره النعمة ويغره المنصب كلما ذكر تاريخه يوم أن كان موظفاً حقيراً، يوم أن كان ملقى في ناحية من الديوان ولكنه تسم إلى ذرى المنصب العلمي الخطير يوم أن تسنه بقوة العلم الذي يرفع النفس عن الصغار ويسمو بالروح عن الإسفاف ويصفى الخاطر من الخبث، فهو رجل ارتفع بكبرياء العلم الذي لا تستر له زينة الحياة ولا يستهويه ألق النجاح ولا يفته بهرج المنصب. كتب الرجل الذي تعلم العلم والأدب إلى (صاحب السعادة) عميد الكلية. . . كتب وإن زيف اللقب لا يكاد أن يسمو إلى موطئ قدميه، وإن طنين الرتبة لا يكاد يبلغ مسمعيه، ثم هو رجل يترفع بنفسه أبدا عن أن يتطامن للجاه أو يتصاغر أمام المال. . . كتب إلى عميد الكلية وفي خياله أن عالماً يتحدث الى عالم، أو أن أدبياً يكتب الى أديب، أو أن عقلاً يحدث عقلاً، أو أن رأياً يخاطب رأياً. . . ولكن. . .

ولبث الرجل أياماً ينتظر رأي العميد، ولكن العميد كان قد أخذته روعة المنصب فعز عليه أن يتنزل الى مستوى الناس، وغره جاه الوظيفة فاصم أذنيه، وصرفته رئات اللقب فلم يلق بالا لأمر، ونسى العميد أنه رجل علم أدب واجتماع، يجب أن يبذل من عقله للعلم وأن يبذل من قلبه للأدب وأن يبذل من نفسه للجماعة. لقد امسك العميد عن أن يقول كلمة واحدة في أمر ذي بال. ولست أدري أكان ذلك سهواً منه أم إغفالا أم امتهاناً لشأن الرجل الذي لم يعرفه بعد. . . أو أمله تلبث طويلاً ينتظر أن يتوسل إليه الرجل بواحد من العظماء كرأيه - أو من ذوي الجاه والسلطان ليكون له على الرجل فضلان، ولكنه غاب عنه أن في العلم ترفعاً يأبى أن ينحط وأن به كبرياء لا يتصاغر أبدا.

وجاءني الرجل يشكو الكلية التي أغفلت رسالتها الجامعية ونسيت روحها العلمية.

قال الرجل (ولبثت أياماً أنتظر رأي العميد، ولكن العميد كان ذا مال وثراء فشغله بريق المادة على أن يخلص للعلم وحده)

قلت (إنك تتجنى على أساتذتنا وهم قادتنا إن حزب الأمر وهم منارتنا إن غرب الرأي).

قال الرجل (حاشا أن أفتت أو أتجنى. وأعجب العجب أن يتراءى العميد العالم نفسه موظفاً كبيراً ذا خطر وشأن فتأخذه - من ناحية - غطرسة المنصب وعزة الرتبة، وأن تشغله من ناحية أخرى دواعي الحياة وترف العيش على أن يصبر على مشقة العلم).

قلت (إن في نفسك - يا صاحبي - ثورة جارفة فهدئ من روعك).

قال (فماذا تقول أنت إن عرفت أن العميد قد بلغ أكبر منصب علمي في الشرق دون أن يشارك في النهضة العلمية ببحث علمي عالمي واحد يشفع له؟ وأنه قد فاز بأكبر لقب في الدولة دون أن يشاطر في النهضة الوطنية الكبرى بعمل واحد كبير يشهد له؟).

قلت (إن عبقريته السامية هي التي دفعته ليتسم الذروة التي تقصر دونها همة العباقرة الأفذاذ).

قال (أما الكلية نفسها فقد تخلفت عن كليات العالم كله فلم تخرج على العالم، في ثورة العلم وتقدمه بشيء ذي خطر على حين قد سلخت نيفا ومائة سنة من عمرها المديد).

قلت (لا عليك، فسأنشر قضيتك أمام أساتذة الجامعة وهم قضاتنا وفيهم الرأي السديد والعقل الحر).

وكتبت الى حضرت الأساتذة الجامعيين استفتيتهم في أمر الرجل، وانتظرت الرأي الذي ينير والفتوى التي تهدي. . . ثم انتظرت أسابيع فلم أظفر من واحد منهم بكلمة.

وقلت لنفسي: (لعل واحداً من حضرت الأساتذة الأجلاء لم يقرأ نداء له نشرته أكبر مجلة أدبية في الشرق. ولا عليه من بأس إن لم يكن قد قرأ ما كتب، فشوا غل الحياة كثيرة تصرف الناس عن القراءة ومطالب العيش ثقيلة تضن بالمال على دواعي المطالعة. وليس للعقل أن يتكلم حين تلج حاجات العيش.

أو لعل واحداً منهم لم يجد الرأي الذي يشفي ولم يعثر - في خاطره - على الصواب الذي ينفع، فأمسك على ضيق وحصر خيفة أن يكلف نفسه شططاً.

أو لعل واحداً منهم لم يشأ أن يقذف بالرأي الحر الجريء فيتخطى بذلك تقاليد الوظيفة التي تفيد المرءوس برغبة الرئيس فيجلب على نفسه همة غضب العميد والخروج على التقاليد فآثروا جميعا العافية في الصمت

أو لعله الترف العقلي الذي يصيب الرجل فيقعد به عن الكد حين يخيل إليه إنه بلغ الغاية التي دونها كل غاية أو أنه أصاب الهدف الذي يتضاءل أمامه كل هدف.

والآن، ما رأي الجامعة. . . الجامعة التي أصبحت توصد الباب من دون كل طالب علم في غير تحرج لتذكرنا بأيام الجهالة الأولى حين كان الاستعباد يقوم سداً منيعاً يحجب النور عن البلاد، حين كان العلم حراماً على كثير من الناس استصغارا لشانهم وامتهانا لأقدارهم، حين كان الجهل يغمر آفاق البلاد، عن عمد وإصرار ليستبد ظالم أو يستبعد غاشم. . . ما رأي الجامعة التي هي اكبر جامعة عربية في العالم والتي أنشأها عاهل كبير لتنجلي غمة أو تنكشف ظلمة.

ما رأي الجامعة التي تعلم المنطق والعقل، ما رأيها في المنطق المختل الذي يتذرع بأسباب واهية ليست من المنطق ولا من العقل ليوهم الناس بأن شهادة عليا يعترف قانون الدولة فيخول حاملها حقوقاً علمية وحقوقاً مادية وحقوقاً دستورية. . . ليوهم الناس بأن شهادة عليا هذا شأنها هي في نظر الجامعة التي تعلم المنطق والعقل أقل من شهادة التوجيه. ولا عجب فمنطق الجامعة إذن - يعترف بالسمو إلى أسفل أو يؤمن بالتقدم الى الوراء.

وما رأي الجامعة - وهي أخت الجامع - وفي الجامع الذي لا يرد قاصداً ولا يصد طالباً حين ينادي المنادي أن: حي على العلم، حي على الفلاح.

وإذا تنكبت الجامعة عن القصد أو حادث عن الجادة فمن عسى أن يكون الحكم سوى الأساتذة الإجلاء؟ وإذا أغلقت الجماعة رسالتها الجامعية ونسيت روحها العلمية فمن عسى أن يكون الناصح سوى الأساتذة الإجلاء؟ وإذا ضاقت الجامعة بمبادئها السامية أو تنكرت لهدفها العالي فمن عسى أن يكون الهادي سوى الأساتذة الأجلاء؟

إن القضاة الذين ينشرون روح العدل على الأرض هم أبناء الجامعة البررة، وإن أعضاء مجلس الدولة الذين يردون إلى كل ذي حق حقه ويدفعون عن كل مظلوم التعسف هم أبناء الجامعة البررة، ولكننا نخشى أن تكون روح أمثال دنلوب ما تزال تعيش بيننا فتتغلغل في ستر إلى أعماق النفوس فتنفث فيها روح الظلم والعنت، أشياء نحاول أن نمحوها من نفوس عاشت في ظلام الاستبداد فاستنامت إليه زماناً.

ولكن، أيتها الجامعة، كوني كدأبك أبداً فأضيئي النور في غمرت الظلام، وابعثي الحرية في ظلمت الاستعباد، واخلقي العقول الحرة الجريئة لتبلغي الهدف السامي الذي من اجله نافحت عنه منذ سنوات وسنوات. وكوني كدأبك أبداً أخت الجامع.

كامل محمود