مجلة الرسالة/العدد 911/تعقيبات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 911/تعقيبات

مجلة الرسالة - العدد 911
تعقيبات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 18 - 12 - 1950


للأستاذ أنور المعداوي

قصة أدبية سورية:

لا أخفي أن شخصية (الآنسة) هجران شوقي كانت موضع شك لدى فريق من الأدباء، ولولا أن أديباً واحداً بقي على شكله ويريد أن يسبقني إلى الكتابة حول هذا الموضوع، لما تناولت القلم لأحدث قراء الرسالة عن هذه الشخصية (الأنثوية) التي لم أشأ أن أغلق في وجهها الباب حتى اليوم لغرض مقصود!

هذا الأدب الصديق يريد أن يقول للقراء: إن (الآنسة) هجران شوقي ما هي إلا أديب سوري يخاطبني بلسان فتاة؛ يريد أن يقول هذا ويكتفي به، لأنه لا يملك دلائل الإثبات. . حسبه أنه مطمئن إلى هذا الطن، مقتنع به، عازم على أن يذكره على صفحات الرسالة، معرباً عن عجبه من أن أسمح لذكائي المتواضع بأن يتقبل الخديعة!

وقلت للأديب الصديق: إنك لا تستطيع أن تثبت صحة هذه الظنون، ومع ذلك فإنني أقدر ذكاءك. ذكاءك الذي صمد حيث لم يصمد ذكاء الآخرين، وأعني بهم هؤلاء الذين قرءوا رسالة (الآنسة) هجران الأخيرة فتبخرت شكوكهم حين لفحتهم لوعة الشعور من خلال السطور؛ لوعة الشعور (الأنثوي) الصارخ من وطأة القيد وظلمة السجن وقسوة السجان. . لقد آمنوا بأن الصرخة صادقة كل الصدق، بريئة كل البراءة، وأن من ورائها حقاً شهيدة المجتمع وحبيسة الدار!!

إنني أهنئك يا صديقي على هذا الذكاء وأو أكد لك أن ذكائي المتواضع لم يتقبل الخديعة في يوم من الأيام. . هذه حقيقة أفضيت بها إلى بعض الناس منذ اشهر، كما أفضيت بها إلى هؤلاء الذين تبخرت شكوكهم بعد أن قرءوا رسالة هجران الأخيرة. . كل ما دفعني إلى أن أظهر بمظهر المخدوع أمام الكثيرين وأمامها (هي) بوجه أخص، هو أنني كنت أريد ألا أغلق في وجهها الباب لغرض مقصود، هذا الغرض هو أن يخونها الذكاء يوماً فتطل من فرجة الباب بوجهها الحقيقي الذي لم تغيره الألوان والمساحيق. . ولم يخب ظني فقد أقبل اليوم المنتظر، اليوم الذي خانها فيه الذكاء أو خانتها الذاكرة، فنسيت أن تضع على وجهها قليلا من الطلاء قبل أن تطل برأسها من فرجة الباب المفتوح!! هذا هو دليل الإثبات الأول الذي يعوزك يا صديقي أن تقدمه، والذي يجعل ذكاءك محصورا ً في دائرة ضيقة محورها الظن الذي تحس به النفس ويفتقر معه العقل إلى برهان. هذا البرهان الذي كان يمكن أن تضع عليه يدك في رسالة هجرن الأخيرة وهي تشكو وطأة القيد وظلمة السجن وقسوة السجان! عد إلى رسائلها الأولى ثم قف طويلا عند هذه الرسالة الأخيرة، وقارن بين بعض الظواهر هنا وبعض الظواهر هناك، وأنا واثق من أنك ستجد المفتاح الضخم الذي يمكنك أن تضعه في ثقب الباب ليفتح، ويكشف لك عما وراءه من حجرات يسطع فيها الضياء. . بعد هذا دعني أقدم لك عدداً من المفاتيح بدلا من مفتاح واحد، ولك أنت أن تضع النقط فوق الحروف كما يقول الصحفيون!

لقد قلت في ردي على أول رسالة من (الآنسة) هجران إنني اعتقد أنها أديب سوري يخاطبني من وراء قناع. . وحين تلقيت رسالتها الثانية التي ظهرت فيها بمظهر الغاضبة والعاتبة على هذا الاعتقاد الذي لا أساس له من الصحة كما تعبر البلاغات الرسمية رحت أعتذر إليها من هذا الاعتقاد (الخاطئ) الذي كان مصدره أنني لم أقرأ لها شيئاً من قبل في الصحف والمجلات. . قلت هذا وأنا باق على يقيني الأول لم يشغلني عنه أنها عازمة على الحضور إلى مصر في المؤتمر الثقافي لتثبت لي شخصيتها الأنثوية، ولا أنها بعثت إلي بعنوانها في دمشق كوسيلة من وسائل هذا الإثبات. . قلته وأنا واثق من أنها لن تحضر، ولم أحاول أن أكتب إليها على ذلك العنوان لثقتي مرة أخرى من أنه عنوان لا وجود له، وقد أثبتت الأيام في الحالين صدق هذا اليقين!!

وقالت الأديبة السورية المعروفة السيدة وداد سكاكيني وهي تزورني في وزارة المعارف عقب إنهاء المؤتمر الثقافي: أود أن أقول لك إن شخصية (الآنسة) هجران شوقي شخصية خيالية. . وقلت لها رداً على الفتة البارعة: وأود أن أؤكد لك أنها كذلك! وارتسمت على وجهها صورة من الدهشة وهي تقول مرة ثانية: ولماذا إذن تنشر لها قصائدها ورسائلها ما دمت تعتقد أنها شخصية مستعارة؟! وأجبت وقد علت شفتي ابتسامة ذات معان: لسببين. الأول لأنني لا أريد أن أغلق في وجهها الباب لتبرهن (هي) على شخصيتها الأنثوية تحتاج إلى إثبات، وقد برهنت على ذلك حتى الآن بتخلفها عن الحضور في المؤتمر الثقافي! أما السبب الأخير فهو أنني راض عن إنتاجها الأدبي فهو من هذه الناحية جدير بالنشر حري بالتشجيع، وأنا لا أهتم بمن قال قدر اهتمامي بما قال. . وانقضت بعد ذلك أيام وأشرت إلى هذا الحديث إشارة ذات مغزى على صفحات الرسالة، حين قلت (للآنسة) هجران أن تحملي إليها خالص التحية!!

وحدث بعد ذلك أن عاد الصديق الأديب الأستاذ حبيب الزحلاوي من رحلته الموفقة إلى سورية ولبنان لينقل إلى بعض ما سمعه هناك، وليطالعني بمثل ما طالعتني به السيدة الفاضلة وداد سكاكيني. وقلت للأستاذ حبيب في معرض الحديث الذي وامقته فيه على صدق ظنونه، هون عليك يا صديقي فسأكتب يوماً عن هذا الموضوع! ولعل قارئاً يسألني: على أية دعامة من الدعائم أقمت يقينك بأن (الآنسة). هجران شوقي ما هي إلا أديب يخاطبك من وراء قناع؟ والجواب عن هذا السؤال هو أن أسأله: أتظن أن هناك أديبة تملك كل هذا النضج في تعبيرها النثري، وكل هذه الأصالة في صياغتها الشعرية، ثم لا تحاول مرة واحدة أن تظهر في ميدان الأدب لولا هذه المناسبة العابرة التي دفعتها إلى الظهور، يوم أن تحدثت عن قصيدة الشاعر يوسف حداد؟! ثم هل تظن مرة أخرى أن هناك من يزهد في المجد الأدبي كل هذا الزهد، وهو يعلم أن كلا من شعره ونثره يمكن أن يطرق الأبواب في كثير من الثقة والاطمئنان؟!. . ضع النقط فوق الحروف كما يقول الصحفيون!!

إن الذكاء كما قلت لك كثيراً ما يخون، ولو لم تتماد (الآنسة) هجران في ذكائها لما تعثرت قدماها في هذا الطريق الذي تعمدت أن تسير فيه. . لقد حدث أن تعثرت قدماها فسقطت، وحين سقطت اصطدم وجهها بصخور الطريق، فتمزق النقاب الذي كان يخفي وجهها فظهر على حقيقته للعيون! معذرة يا (آنستي) فقد حرصت من جهتي على أن أرسم لك خط السير ولكنك كنت تسيرين مسرعة، لا تكادين تلتفتين لحظة إلى الوراء. . لو أنك مددت عينيك مرة واحدة إلى الخلف لما تعثرت قدماك، ولما أصطدم وجهك بصخور الطريق، ولما تمزق النقاب! أقصد لو أنك تذكرت ما جاء برسائلك الماضية من إنك حرة طليقة تملكين من هذه الحرية التي لا تحد ما يهيئ لك الحضور إلى القاهرة لتجلسي إلى هذا وتتحدثي إلى ذاك، وتغشى المجتمعات الأدبية في بلد غريب لتشاركي في أمور الأدب والفن؛ لو تذكرت هذا كله لما شكوت في رسالتك الأخيرة ظلم المجتمع وقسوة التقاليد، ذلك المجتمع الذي فرض عليك أن تكوني شهيدة القيد وهذه التقاليد الذي ضربت من حولك نطاقاً من الأسر جعلك حبيسة الدار رهينة الجدران. . أي منطق هذا الذي يؤكد لنا اليوم أنك سجينة مقيدة، بعد أن أكد لنا بالأمس أنك حرة طليقة؟ إنها هفوة من هفوات الذكاء. . الذكاء الخائن في أحرج الأوقات! وهذا هو المفتاح الضخم الذي قدمته منذ أسابيع لهؤلاء الذين تبخرت ظنونهم حول شخصية (الآنسة) هجران المفتاح الذي يستطيعون أن يضعوه في ثقب الباب لينفتح، ويكشف لهم عما وراءه من حجرات يسطع فيها الضياء!!

ورب سائل يسألني وقد تجمعت بين يدي شتى الخيوط التي تنسج أثواب اليقين: لقد كنت تعتقد أن عنوانها الذي بعثت به إليك منذ أشهر ليس له وجود في دمشق، فلماذا بعثت إليها آخر الأمر بتلك الرسالة الخاصة التي أشرت إليها منذ قريب في (التعقيبات)؟ لقد أقدمت على ذلك لألقى بآخر سهم في جعبة الاعتقاد، الاعتقاد الراسخ بأن الذي يكتب إلي فتى لا فتات. . . وكنت واثقاً كل الثقة من أن رسالتي الخاصة سترد إلي مرة أخرى وعليها إشارة مصلحة البريد في دمشق بأن هذا العنوان لا وجود له، وقد كان!. وبقى هناك غرض مقصود من وراء هذه الرسالة التي كنت أتوقع أن ترد إلي وهو أن أقدم الدليل المادي القاطع لمن يهمهم أن يطلعوا عليه، ومن بينهم (الآنسة) هجران شوقي إذا حاولت أن تكتب إلي غاضبة وعاتبة!!

ومع ذلك فأنا أود أن أقول (للآنسة) الفاضلة وللكثيرين إنني لا أهتم بمن قال قدر اهتمامي بما قال. . والدليل هو أن (الرسالة) قد نشرت لها في العدد الماضي قصيدة (القمر)، ولا يزال لها عندي قصيدتان سأنشرهما في الأعداد المقبلة. . كل ما أرجوه هو أن تعتقد (الآنسة) هجران بأنني حتى هذه اللحظة صديق، وليس عليها من بأس إذا هي كشفت للقراء عن اسمها الصريح. . اسمها الذي أعتقد أنني أعرفه، والذي تحدثت عنه إلى عدد من الأصدقاء!!

بيتان لجميل بثينة:

كنت أستذكر بعض محفوظاتي من الشعر لجميل بن معمر العذري. وفجأة استوقفني بيتان لم أستطع أن أمر عليهما مر الكرام، وهذان هما البيتان:

وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا، وبأ لا أستطيع، وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب أمله!

والذي استوقفني في هذين البيتين هو الشطر الثاني من البيت الأول، أي قول جميل: لو أبصره الواشي لفرت بلابله. . وقد رأيت في معنى قوله هذا غمطا لحق الواشي وتغييرا لطبيعته. فالواشي المتلصص على هناء حبيبين لن تقر بلابله عندما يرى الحب قانعا من حبيبته بلا، وبأ لا أستطيع، وبالمنى. . بل سينفجر غيظه وتثور مراجله. فهو لم يتلصص ليراهما على هذه الحال فليس فيها لوم ولا تثريب. . وإنما ليراهما في حالة مريبة تقر بلابله!

وإني أرى أن يكون قول جميل، وربما كان هو الأصح:

وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لثارت مراجله!

فأرجو من حضرة الأستاذ الكريم إفادتي على صفحات الرسالة الغراء: أنظرتي خاطئة؟ أم الخطأ من الشاعر، أم من الرواة؟ ولكم خالص الشكر والتحية.

محمد تركي الرجبي

الشيء الذي أود أن يطمئن إليه الأديب الفاضل هو أن هذين البيتين من شعر جميل بثينة، لا غبار عليهما من ناحية النقل الأمين للشعر القديم. . أما الشطر الثاني من البيت الأول فلا غبار عليه أيضا من ناحية الصدق الفني أو من ناحية السلامة التعبيرية.

إن جميل بثينة يريد أن يعبر عن حقيقة هواه ويريد في نفس الوقت أن يفصح عن سر أساه. فحقيقة الحب عند جميل أنه عذري لم تدنسه شهوة، ولم يعبث بطهره إثم، ولم تذهب بصفائه نزوات الجسد أو سقطات الغواية. وسر الأسى عند جميل أن الوشاة لم يتقوا العدل ولم يراعوا الضمير، حين أطلقوا لخيالهم العنان حول هذه العلاقة البريئة الطاهرة بمن يحب! إنهم أصحاب شكوك وأوهام، لأنهم لم (يبصروا) الواقع الذي لا يخرج منه بغير الأماني الكاذبة والوعود الباطلة!

بلا، وبأ لا أستطيع، وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب أمله!

هذا الواشي الذي يعنيه جميل، لم (يبصر) هذا الذي يقنع به دائما من حبه لبثينة ولو أبصر لما (تخيل). لما تخيل أن كل محظور قد وقع في عالم المنظور! وهنا تبدو (الرؤية الشعرية) واضحة كل الوضوح صافية كل الصفاء، لأن هذا الواشي الذي يجور على الحق وينأى عن الإنصاف، قد اتخذ الخيال الآثم معبره إلى الظنون، ومن طبيعة الظنون أن تثير الخواطر حين تفترض وجود الشبهات. . فلو أن الوشاة قد رأوا بعين الحقيقة لا بعين الخيال، لفرت بلابلهم، وهدأت مراجلهم، وأنصفوا الحقيقة المظلومة ورحموا الواقع الشهيد. ولكنهم للأسف لا يبصرون. . ولهذا يتقولون!!

وإذن فالمعنى الذي يهدف إليه الشاعر مستقيم لا التواء به واضح لا غموض فيه. ولو رجع الأديب الفاضل إلى الشطر الثاني من البيت الأول، لأدرك أن (الحركة النفسية) في قول جميل: (لقرأت) بلابله، مرتبطة كل الارتباط (بالحركة المادية) في قوله: لو (أبصره) الواشي. . وهذه هي (الرؤية الشعرية) الصادقة التي تعتمد أكثر ما تعتمد على دقة (العلاقة النفسية) بين حركتين: تعمل إحداهما في حدود الواقع المحس وتعمل الأخرى في حدود الواقع المنظور.

مع الفن الشهيد في العراق:

يصر حضرت الذين بعثوا إلى برسائلهم حول محنة الشاعر العراقي المطبوع الأستاذ عبد القادر الناصري على أن أفسح المجال لمشاعرهم الفياضة بالعطف عليه ليطمئن إلى أنه لا يقف وحيدا بلا نصراء. هذا المعنى الكبير الذي يسمون إليه قد سجلته لهم شاكرا على صفحات الرسالة، وأكتفي اليوم باختيار قصيدة للنشر في العدد القادم للأستاذ جعفر حامد البشير، معتقدا أنها يمكن أن تنوب عن هذه المشاعر الكريمة فيما تزخر به من نبل العاطفة وصدق الوفاء.

أنور المعداوي