مجلة الرسالة/العدد 905/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 905/القصص

مجلة الرسالة - العدد 905
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 11 - 1950


الشجاع. .!

للأديب كارنيك جورج

ما إن استلقى على سريره ووضع رأسه على الوسادة، حتى انتبه إلى حركة غريبة في الغرفة التي ينام فيها وحده! ما معنى تلك الحركة؟ وما هو تفسيرها؟ وتوقف فكره. . بل أنه جاهد حتى أوقفه عند هذا الحد خوف الوصول إلى التفسير الذي لا يقبل الشك. . وكان يجاهد أيضاً في أن يهدئ من روعه، وأن يخفف من خفقان قلبه. . خشية افتضاح أمره عند. . عند من يشاركه الغرفة في تلك الساعة الرهيبة!. . وبكثير من الجهد حول عينيه يبحث عن مصدر تلك الحركة. وعندئذ ارتاح إلى أنه لم يطفئ النور بعد.

وقعت أنظاره على صوان ملابسه فقال لا بد أن اللص فيه. . فازدادت رهبته، لكنه اطمأن قليلا إذ تبين موقع اللص منه، ولم يلبث أن انتبه إلى نفس الحركة وهي تصدر من مكان آخر. فالتفت إلتفاتة غريزية سريعة، فلمح على الأرض، عند طرف السرير، شيئا يتحرك! فما أنعم النظر تبين أنه غطاء فراشه الملقى على البساط شأنه في كل يوم. ومن حسن حظه أنه لم يفطن إليه عندما استلقى، فلو أنه فطن لدفعه ليتدثر به. . ولحلت الفاجعة. . التي لا يمكنه تصورها. . فاللص الذي كان في الغرفة قبل دخوله إليها قد اختفى، اختفى تحت الغطاء بمجرد أن سمع وقع خطواته في الدهليز! يا للهول، كيف لم ينتبه إلى ذلك أول ما دخل؛ ليته تأخر هذه الليلة، وترك للص الحرية، كي يسرق ما يشاء. فذاك أهون من أن يحتبس معه داخل غرفة ضيقة!!

ظل يرتعش. فتخشب جسده والتصق بالسرير، وظل حائرا وجلا لا يدري كيف النجاة من هذا الشر الذي تربص له في غرفته الآمنة وضاق صدره حتى خيل إليه أنه يختنق، كما لو أن اللص قد أفسد هواء الغرفة بطريقة خاصة. لكنه مع ذلك ظل جامدا لا يتحرك، وبقيت أنظاره وجلة مترقبة، ترمق ذلك الغطاء المنطوي على أخطر ما كان ينتظر.!

بيد أن الحركة لم تتكرر، فاطمأن. . وزال عنه بعض الخوف:

- هذا لا ينبغي، الأوفق أن أنقض عليه، وأشبعه ضربا وركلا، حتى يعجز عن المقاومة فيستسلم. فأوثقه بالحبال، ثم أخرج فأدعو أهلي، وأدعوا كافة الجيران. . . لعل أن تأتي (صبيحة) مع ابنتها نجوى. ليطلعا على فعلي، وقد تتأكد نجوى من أنني بطل، لا كما توهمت، فسخرت مني عندما نبح أحد الكلاب الضالة علي بغتة فلذت بالهرب، ولجأت إلى البيت، فإذا بقهقهات ساخرة تترامى إلى أذني فارتعشت أكثر مما ارتعشت عند نباح الكلب. فقد عرفت صاحبة القهقهة الساخرة. . . إنها نجوى بالذات. فرأيت أني لا يجب أن أتراجع وألوذ بالبيت، وأبدوا أمامها كالوجل من نباح كلب حقير، فانتظرت برهة لأجمع رباطة جأشي، ثم دفعت الباب وخرجت، أتلفت يمنة ويسرة، فصرخت نجوى من نافذتها التي تشرف على (المحلة) (امض فقد ذهب الأسد) صفعتني عبارتها، ووددت لو أني ما خرجت تلك الساعة، ولا صادفني ذلك الكلب، ولا كانت نجوى في شرفتها. .! والله لو أني تنبأت بما سيقع، أو علمت أن نجوى تراقبني، لما تراجعت ولما ذعرت حتى لو قابلني أسد جائع لا كلب ضال.

(تلك الفتاة المغرورة الساخرة، ستتعجب! إذ تراني أوثقت اللص بالحبال. سألطمه على وجهه لطمات قوية أمامها. كي تغير رأيها فيّ. وتدرك أنني بظل حقا. وأنني أستحق الإعجاب منها. كبقية الأبطال الذين تعجب بهم وهي لم ترهم. أولهم (أرسين لوبين) هذا المنافس الغريب الذي يأتي إليها من خلال سطور الروايات فيسلب عقلها في حين أنني ما فتئت أحاول جذب نظرها إلي. نظرها الجدي. فتأبى هي إلا أن تنظر إلي بسخرية، ويأبى القدر إلا أن يمهد لسخريتها حادثة مضحكة، كحادثة الكلب، وحادثة السيارة، وحادثة أولاد الحارة الصغار. .

(كفاني سخرية، فإني لا أستحق سوى الإعجاب. إن هذه الفتاة المغرورة سوف تراني إلى جانب أرسين لوبين عملاقا.! إذ أنه يطالعها من خلال الأكاذيب، في حين أني أطالعها أنا من خلال حقائق ثابتة.! من قال إن ذلك الأجنبي يملك من الدهاء والقوة أكثر مما أملك؛ هيه، إني لأقوى منه، إني لأدهى منه، وسأثير اهتمام نجوى وأملك مشاعرها بمجرد أن أوثق هذا الدخيل المتدثر الخائف. . وهو خائف بلا شك، وإلا لظهر أمامي من دون غطاء. وعلي أن أنتهز الفرصة فأنقض عليه، وبذلك أرفع اسمي، وترفع نجوى عني لقب (الجبان) الذي منحته لي وتمنحني لقب (الشجاع).! ومن ثم سآخذ أسيري إلى أقرب نقطة للشرطة، ولا شك أن الشرطة سيفغرون أفواههم دهشا، معجبين بشجاعتي وإقدامي. ولا شك أن كبيرهم سيشد على يدي مهنئا، ومن يدري لربما أنعم على بشيء، بهدية. . أو توسط عند رؤسائي للترقية، فأنا أستحق كل ذلك. . لأنني شجاع! ولأني قمت بمهمة وطنية تستلزم التشجيع! ولسوف تنشر الصحف اسمي وقصتي في صفحاتها الأولى، كما تنشر صوري أيضا. . وبعدئذ يشتهر أمري عند الرجال. . ويشتهر جمالي عند النساء! فيفدن إلى. ويقبلن علي، معجبات مغرمات. . ولسوف ترى نجوى كل ذلك، ولن أهتم بها أبدا، فأتركها فريسة للغيرة والندم. .)

وشهق شهقة عبرت عن مدى فرحته وابتهاجه بتلك الفكرة. بيد أن الغطاء الملقى على البساط ما لبث أن تحرك! فتوقف عن التفكير. وشابه بعض القلق. . ثم اتجه إلى وجهة أخرى. .: - لقد بدأ يتحرك، ما أمره؟ لعله قد فطن إلى ما سيحل به. فاحتاط مقدما. أليس من الخطورة أن أهجم عليه وليس في الغرفة سوانا؟ لا ريب أنه مسلح بينما أنا أعزل.)

انزعج لهذه الفكرة، لكنه لم يقدر أن ينحرف عنها، ليواصل أحلامه الحبيبة، لأن الغطاء تحرك مرة أخرى.

لا ريب أن الملعون يستعد لما سيقع فإذا أنا هجمت عليه لاقاني رأس خنجره قبل أن يلاقيني جسده المرتعش. أوه هذا مخيف، رأس خنجره يدخل صدري فينبثق الدم أحمر قانيا. . حتى تخمد أنفاسي. . ف. . فأموت. . ضحية مكيدة قذرة دبرها لص جبان! وقد يصبح موتي أيضاً سخرية في فم نجوى، لا. . إن هذا لمزعج، مخيف، يجب أن أستعد أنا أيضا. فهذه ساعة خطيرة قد لا أنجو فيشتهر أمري ويرتفع اسمي. . الأوفق أن. . أن آني له بسلاح، بأي سلاح، بسكين على الأقل، فالسكين أحسن من لا شيء! لأغادر الغرفة، إلى المطبخ، فإني بذلك السكين الكبير المعد لتكسير العظام! والأجدر أن أدعو كلبنا (جاكي) ليساعدني إذا احتجت إلى المساعدة، إن جاكي لكلب شجاع، فهو بالرغم من منظره وضآلة جسمه، وبالرغم من انزوائه وصمته يملك قوة خارقة. . مثلي تماما. فأنا أيضاً لا ينبئ مظهري وانزوائي بما أملك من قوة وشجاعة. كلانا سيكشف عما يذخر من قوى في هذه الساعة بالذات، والويل لهذا اللص الغبي الذي لم يحسن اختيار ضحيته، فوقع في شركي. الويل له. . إني سأجرب فيه قوتي وبطشي ويا ويله من قوتي وبطشي.)

وهنا ألقي نظرة ترفع واحتقار على الغطاء وهو ينسل بخفة من فراشه، ويستوي واقفا.

وقبل أن يستدير للخروج، تحرك الغطاء! فجمد هو في مكانه، فرأى أنه لو استدار فاللص قد يهجم عليه من الخلف، فعليه ألا يتمهل، وألا يرفع عينيه عنه. ومن ثم استطاع أن ينقل قدمه ببطء شديد، وبخوف شديد. . إلى الوراء خطوة قصيرة، ثم نقل إليها قدمه الأخرى، وهكذا استطرد ينسحب من الغرفة، دون أن يستدير. وكان الاضطراب قد بلغ منه مبلغا عظيما، بحيث جعله يذهل عما حوله، وينسى عتبة الباب، فإذا بقدمه تصطدم بها، فيعثر، فيسقط على وجهه. .! وفي اللحظة الأخيرة جاهد كي لا يقع على الغطاء الذي اختفى اللص تحته، وكان أن سقط على كرسي بجانبه، فمال الكرسي، فوقع على الغطاء بقوة!! فإذا بصرخة قوية تهز الغرفة. . فقال هو في نفسه (لقد مت)! لكنه لم يمت تماما. فقد تبين أن الصرخة التي أذهلته لا تشابه صراخ إنسان. . إنها تشابه إلى حد بعيد صراخ جاكي. وهنا رأى بعينيه الكلب وهو يثب من تحت الغطاء مذعورا وهو يعوي.!

العراق - بصرة

كارنيك جورج