مجلة الرسالة/العدد 902/الدب المهني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 902/الدب المهني

مجلة الرسالة - العدد 902
الدب المهني
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 10 - 1950


أو أدب أرباب المهن

للأديب خليل رشيد

- 2 -

إلى أولئك النفر القليل ممن جادت بهم الحياة ووهبتهم النبوغ

والعبقرية الذين أبوا العيش إلا من قوة أيديهم وعرق جباههم

نقدم هذا الحديث.

- السرى الرفاء -

السرى الرفاء - قيثارة الشعر وعبقري الأدب فلتة من وفلتات الزمن ونفحة فواحة من نفحات الطبيعة. جادت به الدنيا وقلما جادت بأمثاله، وان جادت فبالنزر القليل، لنتعرف عليه ونرى منزلته ومكانته الأدبية من المصادر التاريخية. ومن أقوال مؤرخي الأدب والثقات من رواته قبل الخوض في الموضوع لنضعه في مكانته اللائقة به على ضوء العلم والتاريخ لئلا نغمط الرجل حقه أو نعطيه فوق ما يستحق: قال الجلبي في كشف الظنو. كان السرى الرفاء مغرى ينسخ ديوان أبي الفتح كشاجم وهو إذ ذاك ريحان الأدب. وقال ابن النديم في الفهرست ص 241: السرى الرفاء بن أحمد الكندي من أهل الموصل شاعر مطبوع عذب الألفاظ مليح المأخذ كثير الافتنان في التشبهات والأوصاف. وجاء في اليتيمة للثعالبي من الجلد الثاني ص 103 ما هذا نصه. بلغني أنه أسلم صبياً في الرقائين فكان يرفو ويطرز إلى أن قضى باكورة شبابه. وجاء في دائرة معارف فريد وجدي ص 118 من الجلد الخامس تحت عنوان السرى الرفاء. هو أبو الحسن السرى بن أحمد بن السرى الكندي الرفاء الموصلي الشاعر المشهور. كان السرى الرفاء في صباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل وهو مع ذلك مولع بالأدب وبنظم الشعر؛ ولم يزل دائباً على ذلك حتى بلغ شعره غاية بعيدة من الجودة وحسن السبك، فقصد سيف الدولة ابن حمدان بحلب ومدحه وأقام عنده مدة ثم انتقل بعد وفاته إلى بغداد. وكان السرى الرفاء مطبوعا على الشعر رقيق الألفاظ متين المباني كثير الافتنان في التشبيهات والأوصاف ولم يكن له رواء ولا منظر حسن. وكان لا يحسن غير قرض الشعر وقد وقع ديوانه في ثلاثمائة ورقة ثم زاد عليه وقد رتبه بعضهم على حروف المعجم. وقد قال صاحب معجم الأدباء ياقوت في الصفحة 184 من جلد الـ11 قلما جاد شعره انتقل من حرفة الرفؤ إلى حرفة الأدب وأشتغل بالوراقة. وجاء في المعجم لأبي هلال العسكري في الصفحة 15. كان السرى الرفاء يطرز الخلق، ويرفو الخرق، وهو في ذلك يسترزق الإبرة، بنفس ملأتها الحسرة. فلولا مجهر مؤرخي الأدب ومدوني التاريخ لأحطنا بشيء كثير من الإبهام والغموض، ولظلت شخصية السرى مجهولة وهي شخصية شخصيتين شخصية العامل المجد الذي يكافح من أجل العيش. يطرز الخلق، ويرفو الخرق، يسترزق الإبرة، بنفس ملأتها الحسرة، فلا يكاد يجد الكفاف الخشن.

وشخصيته الأخرى تناقض هذه الشخصية كما ظهر لنا من تحت المجهر وبينها من النسب المنطقية التباين إذ نجده قائما ينشد سيف الدولة وهو مختال فخور فيقول - ألبستني نعما بها الدجى=صبحا وكنت أرى الصباح بهيما

فغدوت يحسدني الصديق وقبلها ... قد كان يلقاني العدو رحيما

فملأت آفاق البلاد بمنطق ... لولا الثناء عليك عاد وجوما

فسلمت من نوب الزمان ولا غدا ... شانيك من معنى السليم سليما

طلب الملوك شأوك فإنثنوا ... صفر اليدين وخادما وذميما

أن يمسحوا في الحين أن يتكلفوا ... كرم النفوس فقد خلقت كريما

وكأني به وهو ينشد قصيدة هذا ينثر الفضار عليه ويكافأ عن كل قصيدة بألف من الدنانير أو تزيد. وتحترق كلماته صماخ أذن سيف الدولة وهو مصغ لما يقول رغم من قال.

ودع كل صوت غير صوتي فإنني ... أنا الطائر المحكي والآخر الصدى

ولسنا ندري بالضبط متى اتصل شاعرنا بسيف الدولة؛ ولكن الذي ندريه من ضوء المصادر التاريخية أنه لما حسن شعره وبلغ غاية بعيدة من الجودة وحسن السبك قصد سيف الدولة بن حمدان يحلب وأقام عنده إلى أن مات وانتقل بعد وفاته إلى بغداد. ولقد شق هذا الشاعر طريقه حتى تبوأ الصدر من دولة الشعر في زمن سيف الدولة بن حمدان ذلك الزمن الزاخر بالشعر والأدب المليء بالعباقرة والمغثيين أمثال الأمير الحمدان أبي فراس وعبقري الشعر ونابغة الأدب أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي وغيرهم كثير. وقد استطاع الرفاء أن يأخذ طريقه دون أن يرتطم بتلك الصخرة الجبارة التي كثيرا ما حطمت من فحول الشعر ونوابغ الأدب صخرة أبي الطيب المتنبي. فتأتي مكانته بعد مكانة أبي الطيب مباشرة ثم نراه يمعن في إكرامه والإنعام عليه كما نراه يمعن في مديح سيف الدولة فيقول -

أما الخيال فما يغب طروقا ... يدنو يوصلك شائقا ومشوقا

وفي فحقق لي الوفاء ولم يزل ... خدن الصبابة بالوفاء حقيقا

ثم يقول منها

أهوى أنيق الحسن مقتبل الصبا ... وأزور مخضر الجناب أنيقا

راح الغمام به خفيفا ثوبه ... وغذا به ثوب النسيم رقيقا

هي غذرة للدهر غادرت الهوى ... بعد الوفاء مكدرا مطروقا

لا ألحظ الأيام لحظة وامق ... حتى يعيد زماننا المرموقا

وركائب يخرجن من غلس الدجى ... مثل السهام مرقن منه مروقا

والفجر مصقول الرداء كأنه ... جلباب خود أشبعته خلوقا

أغمامة بالشام شمن بروقها ... أم شمن من بشر الأمير بروقا

ملك تسهل بالسماح يمينه ... حزنا وتوسع بالصوارم ضيفا

رحب المنازل ما أقام فإن سرى ... في جحفل ترك الفضاء مضيقا

ما انفك يطلع بالحتوف على العدا ... صبحا ويطرق بالحمام طروقا

فإذا جرى للجد نال صبوحه ... سيفا ونال الناس منه غبوقا

وإذا طمى بحر الكريهة خاضه ... فأمات من عاداه فيه غريقا

مهلا عداة الدين إن لخصمكم ... خلقا بإرغام العدو خليقا

وهكذا تراه وقد انقادت إليه المعاني وشوارد الكلم فيصيره عقد نظيما من الشعر يلبسه جيد الدهر والخلود كأنه المعنى ببيت أبي الطيب.

أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم ثم نراه قبل أن أطغته نعمة سيف الدولة وأبطرته وقد تفرغ من مشاكل خبزه إلى ما نزع إليه المترفون من لين الحياة وبلهية العيش فيتصرف للعبث والمجون وتحن نفسه إلى وسوسة الكؤوس وعزة القيان والغلمان فيقول في غلام يهواه. -

بنفسي من أجود له بنفسي ... ويبخل بالتحية والسلام

ويلقاني بعزة مستطيل ... والقاه بذلة مستهام

وحتفي كامن في مقلتيه ... كمون الموت في حد الحسام

ثم يقول من خمرية له: -

ألا فاسقني الصهباء صرفا فإنني ... لمن لام فيها ما حييت مخالف

ألست ترى وشى الرياض كأنما تنشر في إرجائهن المطارف

ومشمولة شج السقاة كؤوسها ... فأشرق وجه الصبح والليل عاكف

ولاح على الكاسات فاضلها كما ... تلوح على خمر الخدود السوالف

ثن يتناسى أيامه الأولى. - أيام ضيقه وشقاه أيام قال فيها.

هي الأيام أن جمحت عندا ... أذلت كل جبار عنيد

تنام وتترك الإحداق يقظى ... ولوع للطيف بالركب الهجود

ويوم قال فيه. -

الدهر كالنشوان في إصلاحه ... ما راح يصلحه وفي إفساده

راع لنا يجتاح دثر سوامه ... = وأب لنا يسطو على أولاده

ويوم قال. -

سفرت رجوت به النهاية في الغنى ... فبلغت منه نهاية الإملاق

مثل الهلال أغذ شهرا كاملا ... فرماه آخر شهره بمحاق

ويوم قال. -

قوض خيامك من دار ظلمت بها ... وجانب الذل أن الذل يجتنب

وأرحل إذا كانت الأوطان مضيعة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب

كل هذا يتناساه شاعرنا الرفاء ويغمس نفسه باللذة انغماس المترف البطر الذي بسمت له الحياة فأنسته متاعب العيش وأوصاب الحياة لا يعنيه شيء من دنياه غير الغادة والغلام والخمرة وادن فيذهب منغمسا في لذته غير عابئ بالذل ممن جبلت نفوسهم على العذل واللوم وتكدر صفو من صفا له الجو وبسمت له الحياة فيقول: -

إن عن لهو أو سنح ... فأغد إلى اللهو ورح

رضيت أن أحظى بعز ... اليأس والعز منح

وصاحب يقدح لي ... نار السرور بالقدح

فرحت مطوي المنى ... لا أزجر الطير الروح

ولا أقول لامرئ ... ضن بمال أو سمح

ولا أرى من صبوة ... نهج التقى وأن وضع

تصافح الكأس يدي ... ما أرتد خطب أو صفح

في روضة قد لبست ... من لؤلؤ الطل سبح

يألفني حمامها ... مغتبقا ومصطبح

أوقظه بالعزف أو ... يوقظني إذا صدح

والجو في مسك ... طرازه قوس قزح

يبكي بلا حزن كما ... يضحك من غير فرح

كم جامع ممتنع ... خليته لما جمع

وكم عذول ناصح ... قلت له وقد نصح

أقصر فمن رام صلاح ... العيش بالكأس صلح

وكثيرا ما نراه يستلب المثل في شعره ومن شعره يستلب المثل، وهذه إن دلت على شيء فإنما تدل على نضج العقلية والقدرة المسيطرة على غرر المعاني ونوادر الكلم. ولم تتأت مثل هذه الناحية إلا لشاعر مطبوع قال من قصيدة في علة نالته وعاده فيها بعض أعدائه وقد انقاد المثل إليه

أصبر على مترادف الضراء ... فلعل ذلك مؤذن بشفاء

ما حال من لعب السقام بجسمه ... ظلما فعض نفسيه الأعضاء

حظر الطبيب عليه طيب غذائه ... وأباحه مكروه كل غذاء

ويعوده أعداؤه واشد من ... (مرض المريض عيادة الأعداء) إلى غير ذلك من الأمثال الرفيعة التي تتلاءم والنفوس وتنسجم وطبيعة الإنسان مما لا نستطيع ذكره بمثل هذه العجالة التي قد تستوعب من وقتك أكثر مما نعطيك من فائدة ولم نرد بهذه الكلمة غير إعطائك لمحة قصيرة عن حياة هذا الشاعر العبقري. ولم يقف شاعرنا وقد ملأ ذكره فم الدهر ومسمعه وصار أنشودة الزمن والخلود فكان لزاما عليه تحلية ديوان شعره بمديح آل الرسول (ص) فقال من قصيدة. -

الوارثون كتاب الله ينجدهم ... أرث النبي على رغم المعادينا

والسابقون إلى الخيرات ينجدهم ... عنف النجار إذا كل المجارونا

قوم نصلي عليهم حين نذكرهم ... حيا ونلعن أقواما ملاعينا

إذا عددنا قريشا في اباطحها ... كانوا الذوائب منها والعرانينا

أغنتهم عن صفات المادحين لهم ... مدائح الله في طه وياسينا

فلست أمدحهم إلا لأرغم في ... مديحهم أنف شانيهم وشانينا

أقام روح وريحان على جدت ... شلو الحسين به ظمآن آمينا

كأن أحشاءنا من ذكره أبدا ... تطوي على الجمر أو تحشي السكاكينا

مهلا فما نقضوا أوتار والده ... وإنما نقضوا في قتله الدنيا

آل النبي وجدنا حبكم سببا ... يرضي الإله به عنا ويرضينا

فما نخاطبكم إلا بسادتنا ... ولا نناديكم إلا موالينا

زكم لنا من فخار في مودتكم ... يزيدها في سواد القلب تمكينا

ومن عدو لكم مخف عداوته ... والله يرميه عنا وهو يرمينا

أن أجر في حبكم جرى الجواد فقد ... أضحت رحاب عساعيكم ميادينا

وكيف بعدكم شعري وذكركم ... يزيد مستحسن الأشعار تحسينا

ونثبت لنا قصيدته هذه أنه علوي النزعة والمذهب يدين بما يدين به آل الرسول ويذهب مذهبهم: ونراه يخالف معتقده ويمجن في أغلب الأحايين مجون النواسي الخليع أو هو أشد منه مجونا حين يقول. -

ليالي كان لي في كل يوم ... إلى الحانات حج واعتمار

فعن ذكر القيامة بي صدود ... وعن ساح المماجد بي نفار وهذا يناقض قوله سابقا. -

آل النبي وجدنا حبكم سببا ... يرضي الإله عنا ويرضينا

لا يهم من به صدود عن ذكر القيامة ونفار عن ساح المماجد رضي الله عنه أم غضب ولكنها هفوات شاعر لا يؤاخذ عليها في ساعة عبث ومجنون ولهو ولم يقلها عن عقيدة وإيمان كما قال قصيدته تلك المنبعثة عن إيمان راسخ ومعتقد قوي رصين حين يقول

فلست أمدحهم إلا لأرغم في ... مديحهم أنف شانيهم وشانينا

لسنا الآن بصدد هذا كله ولم نرد بحديثنا البحث عن معتقد السرى الرفاء وما يدين به، ولم نصل ببحثنا حتى الآن إلى الغاية التي من أجلها كتبت هذه الكلمة وجرى هذا البحث.

أقول هل يفضل السرى الرفاء عيشه الرضي الناعم هذا على عيشه المهني؟. . وهل عاوده الحنين إلى أيامه الأولى بعد أن قال

رفق الزمان بنا وكان عنيفا ... وغدا لنا بعد القراع حليفا

وهل عاودته ذكريات الماضي السحيق ذكريات أيامه الأول أيام كان يسترزق الإبرة بنفس ملأتها الحسرة؟. . وهل أنساه هذا النعيم الذي يرفل فيه أيام بؤسه وشقاه؟. . ألا يزال يحن إلى تلك الذكريات ذكريات أيامه الأول.؟ هذه أسئلة نطرحها على صفحات ديوانه. فيجيبنا الديوان بهذه القصيدة المملوءة شوقا وحنينا إلى بلد صبوته الموصل فيقول.

شباب المرء ثوب مستعار ... وأيام الصبا أبدا قصار

طوى الدهر الجديد من التصابي ... وليس لما طوى الدهر انتشار

ولم نعط المنى في القرب منها ... فكيف بها وقد شط المزار

صدود في التقارب واجتناب ... وشوق في التباعد وادكار

لحى الله العراق وساكنيه ... فما للحر بينهم قرار

وجاد الموصل الغراء غيث ... يجود وللبرق به اسفرار

ففي أيامها حسن التصابي ... وفي أقبائها خلع العذار

ويقول في قصيدة أخرى. -

أمحل صبوتنا دعاء مشوق ... يرتاح منك إلى الهوى المرموق

هل اقضين العمر بين عصابة ... سلكوا إلى اللذات كل طريق أم هل أرى القصر المينف معمما ... برداء غيم كالرداء رقيق

وتلألؤ الدير التي لولا النوى ... لم أرمها بقلى ولا بعقوق

إلى أن يقول. -

كلف تذكر قبل ناهية النهي ... ظلين ظل هوى وظل حديق

فتفرقت عيدانه في خذه ... إذا لا مجبر له من التفريق

ولم يكتف شاعرنا بهذا القدر من الذكريات. ذكريات الماضي من صباه، بل راح ينشد من صان ماء وجهه من الابتذال وحفظ شوا رد كلمه من سوق الرقيق ومن موقف لا يريده ولا يرتضيه موقف المستجدي الذي يطلب رشح الأكف بما يقول فقال وفي نفسه يحز الألم. -

وكانت الإبرة فيما مضى ... صائنة وجهي وأشعاري

حتى غدا الرزق بها ضيقا ... كأنه من ثقبها جاري

ونختم حديثنا هذا عن السرى الرفاء ببيت قصيده هذا؛ وإلى أبي الحسين الجزار في المقالة القادمة إن اتسع لنا صدر الرسالة الغراء. -

العمارة - العراق

خليل رشيد