مجلة الرسالة/العدد 901/سياسة التعليم. . . .

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 901/سياسة التعليم. . . .

مجلة الرسالة - العدد 901
سياسة التعليم. . . .
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 10 - 1950


للأستاذ أحمد بك رمزي

(إن بث العمران والتقدم في هذا البلد المتخلف عن غيره يمثل رسالة الجيل الناشئ: وإيجاد جيل يؤمن بهذا ويعمل له ويكافح من أجله هو هدف كل سياسة تعليمية).

لست من رجال التعليم والتربية، ولكنني من أهل هذا الوطن، ومن حقي أن أبدي الرأي وأجهر به في كل ما يمس حياة بلادنا. وأهم مشاكل مصر وأبعدها أثراً مشكلة التعليم، وهي مشكلة تسير كل عام نحو التعقيد ولذا لا أجد حرجاً على نفسي أن أكتب فيها وأقول: إذا كان للتعليم سياسة فهي كما قال الأستاذ محمد محمود زيتون (أحق من أي سياسة أخرى بالثبات والاستقرار ولا سيما في جوهرها).

وفي نظري إذا قدر لسياسة تعليمية أن تستقر وتثبت على أسس صالحة واضحة فيجب أن تلائم بين أمرين مهمين:

الأول: حاجة البلاد الاقتصادية.

الثاني: مسايرة الثقافة العامة لروح العصر الحالي.

هذا مع التمسك بأن كل سياسة تعليمية لها هدف أساسي هو نشر الثقافة القومية وغرسها في نفوس النشء لكي تشعر بحيويتها وتعيش في فيضها الأجيال القادمة وتتولى حفظها والسير بها في المستقبل، مع عدم التفريط في توجيه القوى النفسية الدافعة الكامنة في الأمة حتى يخرج الجيل القادم قوياً: يعرف كيف يواجه ضربات الحياة ومشاكلها وبهذا نضمن أن تخرج الأمة من كل عراك سلمى أو تصادم حربي منتصرة رافعة الرأس صابة لا تلين أمام الهزائم ولا النكبات.

ولا شك في أن العمل للوصول إلى هذه الغاية يحتم الإلمام بطائفة من المبادئ التي تبنى عليها قواعد غرس هذه الروح القومية الوطيدة القوية الواعية، وكذلك معرفة العوامل الأساسية المكونة لشخصية الجماعات والدوافع الفكرية وهي مسائل في حاجة للبحث وللدرس ولاستخلاص الحقائق: فإذا وقفنا لدراسة علمية لها للتثبت منها تبين لنا بوضوح طريق الوصول إلى التكوين الروحي والعقلي للامة وسبل إبرار العبقرية الكامنة لدينا واستعدادنا للتطور والنضوج. وهذه في نظري عوامل منبثقة من شخصية الأمة وتاريخه الإسلامي ولا يمكن أن تكون عارية تؤخذ من أنظمة موضوعة أو برامج تعليمية أخذ بها الغير في الغرب أو الشرق. وهذا البحث النظري التجريبي لم نأخذ به للأسف إلى الآن. ولقد قلت مرة: (لما ثقافةواحدة نريد أن تكون صورة حية لنا وهي الثقافة العربية وليدة كفاحنا وجهادنا، لا نسلم بان تطفئ عليها ثقافة أخرى لأنها الأساس الثابت المكون للشخصية المصرية فلا يمكن أن نتنازل عنها أو نقصر في حقها بل يجب أن تبرز الثقافة العربية في كل ركن من نواحي نشاطنا).

ولذلك لا أجد مبرراً للتردد أمام هذه الحقيقة ولا أجد سبباً للمجاهرة (بأننا أمة شرقية للفرعونية والإسلامية في دمائنا كرات حمراء وبيضاء، وللحضارة الحديثة في حياتنا أصداء. .) - كما قال الأستاذ زيتون في الرسالة - فهذا المخرج لا محتل له أمام الأيمان بعروبة مصر) فنحن معاشر المصريين نكون أمة عربية ثقافتنا عربية سامية: ولا يمكن أن نكون غير ذلك وإلا وقعنا في المتناقصات وواجهتنا خطوات التعثر والتفكك التي نعيش فيها الآن ولا نجد لنا منها مخرجاً. . . ولا نستطيع عنها حولا. وعليه فأني أقول بأن الإيمان بعروبة مصر هو الذي يمهد لنا طريق البحث والاستقراء في اكتشاف منابع الحياة الفكرية والعقلية بل والنفسية في الأمة وسبل توجيه اللغة والأدب والفنون الجميلة والصحافة والإذاعة وكل مظاهر الحس والوجدان نحو تقوية أنفسنا وإذكاء هذه الثقافة وغرسها وإنمائها ودفعها وانطلاقها أي جعل اللغة الفصحى الصحيحة حية في كل مكان - في لغة التعكير والكلام والعلم والكتابة والحقل والمصنع - وعليه أضع معلم اللغة العربية في المقام الأول من المسئولية وأعده الدعامة الأولى لمستقبل البلاد، وأرى أن يتفرغ لهذه الناحية بالذات وأن ينظر إلى رسالته نظرة يحوطها التقديس، ولا يتولى عملا غير لغة البلاد وحماية ثقافتها، التي أعتبرها أكبر عناصر الشخصية المصرية وأعلى مظهر لعبقريتها. فإذا اتفقنا على هذا الأساس، ولا بد أن نسلم به تسليما انتقلنا إلى أهداف السياسة التعليمية كما تبدو لي.

وهنا أعود إلى الكلام عن الأمرين الهامين أي حاجة البلاد الاقتصادية ومماشاة أو مسايرة السياسة التعليمية لروح العصر الحاضر. فنحن لا نشك لحظة واحدة في أن كل سياسة للتعليم تستمد قوتها وتوجيهاتها من الروح السائدة الآن في العالم وهي علمية اقتصادية ' ولا أعرف لها مظهراً آخر ولا أخلط بين الحضارة الحديثة والإسلامية والفرعونية.

فنحن نطالب بأن تتجه السياسة التعليمية نحو الملائمة بين مطالب العصر وهي علمية اقتصادية وحاجات هذه الأمة، لكي تعيش في القرن العشرين:

ولقد قرأت لكثيرين ممن تعرضوا لشئون التعليم وخرجت من أبحاثهم بفكرة ثابتة هي أن الديموقراطية تجعل الثقافة والتعليم حقاً للجميع بل هي ترمي إلى جعل تكافؤ الفرص حقيقة سهلة المنال لكل فرد. وعلى هذه الفكرة سار التعليم في مصر هذه الخطوات المباركة متجها إلى زيادة المدارس وفتح الجامعات والإكثار من دور العلم والمعاهد ولكنه انتهى إلى تسعير الشهادات وبدلا من دفع خريجي هذه المعاهد إلى البحث عن عمل لهم ورزق يعيشون منه تحت لواء الأقدام والمغامرة، انتهى إلى حشد صفوف من حملة الشهادات يطالبون باستحقاقات في أوقاف خيرية. ولذا بقى السؤال الدائم الذي يواجه رجال المعارف المصريين هل نجحت سياسية مصر التعليمية بعد أن كف رجال الاستعمار الإنجليزي أيديهم عن التدخل فيها؟ وهل وقفت في سد حاجات البلاد وأخرجت جيلا يقدر أن يقف وحده بإرادة وتصميم ليسير بمصر نحو التطور الصحيح؟

الجواب على هذا يقدمه رجال التعليم في أبحاثهم ومقالاتهم وما يشمل الرأي العام من تبلبل عند ابتداء السنة الدراسية وعند نهايتها في موسم الامتحانات وما يصيب التعليم من هزات كلما نادى المعلمون بتحسين حالهم وأنصافهم وكلما تقدم الطلاب بمطالب تعجز الوزارة عن تنفيذها. . .

أنني أضع أمام القارئ ما أعتقد أنه لا يصلح لإعطاء فكرة أولى لما يجول بخاطري: فأقول (إن الثبات والاستقرار) يحتمان من المبدأ وضع الأسس وهذا يتمثل في نظري: في تنسيق السياسة التعليمية بجعلها كما قلت من المبدأ: (خاضعة لحاجيات الأمة ومصالح البلاد) فإذا كانت النظم الديموقراطية ' ' تحتم رفع ما أمكن من المستوى الجسماني والعقلي والأدبي والمدني لشباب الأمة، وترمي إلى تمكين كل فرد من أفراد الشباب من دخول مدارس الدولة مهما كانت حالته الدينية أو الاجتماعية أو العائلية أو الجنسية للحصول على التثقيف بأهون سبيل، لا فرق بين الفتى والفتاة ولا بين الغني والفقير، بل نذهب إلى أكثر من ذلك فنفرض على وزارة المعارف أن تمهد لكل طالب حق استعمال حريته التامة في اختيار الطريق للدراسة التي تلائم تطور شخصيته وتمكينه من استقلال استعداده الفطري للتقدم والبروز حتى تظهر كفايته لنا وحتى يستفيد المجموع من هذا الفرد الناشئ.

فإن هناك بجانب هذه الأهداف العامة اتجاهات تحتم أن تكون سياسة التعليم سياسة مبنية كما قلت على أسس اقتصادية علمية تستهدف تحقيق غايات معينة وسد النقص في نواحي النشاط التي تظهرها حاجات البلاد ويحتمها تطورها في القرن العشرين. وهذا يحتم أن يتسع نشاط الهيئات التعليمية حتى نخرج كل سنة آلاف العمال المتقنين لعملهم وآلاف ضباط الصف الذين يعرفون عن حق مهنة الزراعة، وآلاف الميكانيكيين وهلم جرا مما لا يمكن حصرهم في حياة أمة حديثة ناشئة:

فألا أستطيع أن أفهم سياسة للتضيع مثلا لا تشترك فيها وزارة المعارف، ولا أسلم بنجاح عمل يقصد به رفع الإنتاج الزراعي في مصر من غير أن تسنده سياسة تعليمية تساعد وتمهد لهذا التطور الإنتاجي في الحقلين الزراعي والصناعي. ولقد رأينا في بعض البلاد الشرقية - وهي في ظروفها تشبهنا تماماً - حينما أرادت أن تغزو الريف في مناطق بعيدة عن المدينة والعمران ولا يمكن أن تقاس بها مسافات مصر، رأينا جل اعتمادها على نشاط المدرسة في القرية، وكان هذا النشاط في المعلمة أولا، ثم في المعلم. ولا يمكن الإقلال من أثر المعلمة في دفع الحياة الريفية، لأن نقل المزارع وأهل بينه من حالة التأخر والفوضى إلى القرن العشرين ألقى على عاتق المعلمة، فهي التي فرضت التقدم في صميم عائلات الريف، وهي التي قادت حركة التثقيف وتحسين الصحة. وكان عمل المعلمة في الريف مستمداً من توجيه المراقبة التعليمية في كل إقليم والتي يتحتم أن تصبح مركزاً للتثقيف ونشر التعليم والتمدين في الدائرة التي تعمل فيها؛ فلا يقتصر عملها على إدارة المدارس الابتدائية والثانوية بل يجب أن يتعدى نشاطها هذه الدائرة فيشمل مجموع السكان: وأن يسند عملها إلى رجال يمثلون مختلف الهيئات سواء كانوا من رجال يمثلون مختلف الهيئات سواء كانوا من رجال المعارف أو المجالس المحلية أو من ممثلي الهيئات الصناعية والزراعية حتى لا يقتصر عملهم على نشر التعليم الشعبي بين الجماعات ومحاربة الأمية بل يشمل النظر في حاجيات كل إقليم لدفع التطور الزراعي والصناعي من هذا الإقليم بالذات إلى الأمام عاما بعد عام.

كل هذا يمكن أداؤه وتنظيمه. وإن غزو الريف يجعل اللامركزية عنصراً من عناصر التقدم بالتعليم والسير به نحو تثقيف أكبر عدد ممكن من الشعب. ولهذا أعد هذه اللامركزية خطوة أولى نستهدف رفع الأعباء وتخفيفها عن وزارة المعارف، ثم أطمع فيما يتعلق بدفع الحياة الاقتصادية للإمام إلى الأخذ بنوع من السياسة التعليمية يقصد به الملائمة بين التعليم وحاجات السكان المحلية. اطمع إلى زيادة المدارس الفنية المتوسطة بحيث تقوم الصناعة والزراعة المصرية على (كادر) وأقصد به (مجموعة) من العمال والرؤساء الذين أتقنوا عملهم. بل في حاجة إلى عشرات من هذه المدارس الصناعية والزراعية قبل أن نكون في حاجة إلى إنشاء جامعة جديدة. واليك بعض ما لاحظته أبان وجودي خارج مصر. لقد مهدت لي خدمتي الاتصال بفئات كثيرة من الشعب المصري. وقد رأيت من أهل شمال الدلتا وخصوصاً (دمياط) رجالا يعملون بالبحار ويواجهون الموت في الحرب الماضية: فقلت لنفسي هؤلاء ثروة لمصر. ألا ترى انهم في حاجة لسياسية تعليمية تتفق مع بيئتهم واستعدادهم؟ فإنشاء مدرسة متوسطة للبحار يفيد هذه المنطقة بدلا من تركهم على الفطرة التي ستنتهي بهم إلى الزوال كقوة بحرية قامت منذ زمن على تجارب ولكنها عتيقة. ثم هؤلاء أكثر ثباتا واستعدادا لصناعة البحر من عناصر تأتي بها. إلى صفوف البحرية من أقاصي البلاد الداخلية بينما نترك الذين خلقوا ليجولوا البحار وكانوا من سلالة شعب بحري لعب دوراً في التاريخ وله وقفات في معارك الحروب الصليبية.

وما يقال عن هؤلاء يمكن أن نقوله عن العمال الزراعيين. إن المدارس الزراعية الأولية والمتوسطة الريفية التي تخرج مختصين لتربية أشجار الفاكهة والعناية الفنية بالماشية أو بالفنون الميكانيكية أهم لدينا من عشرات المدارس الأولية التي لا تعلم شيئاً والتي انتهت إلى أن تكون بابا للرزق ولاستبقاء جزء كبير من الأمة في حال تعطل

إن حاجات البلاد ظاهرة واضحة والشباب المصري من قوة الملاحظة والاستعداد الشخصي ما يمكنه من إتقان الدراسة السهلة التي تلائم البيئة وتدفعه إلى العمل لترقية الصناعة الزراعة ومرافق بلاده والمساهمة في نقلها إلى القرن العشرين

إن السياسة التعليمية التي ترتكز على الاستقرار والثبات هي التي تدفع بالإنتاج المصري إلى أعلى ولا تقف مكتوفة الأيدي فتهبط به إلى أسفل، والتي تجعل من أول أهدافها عظمة البلاد وتقدمها، والتي تخلق جيلا يعمل بيده ولا يخجل من ذلك، لأن العمران والتقدم في هذا البلد المتخلف عن غيره يمثل رسالة الجيل الناشئ.

إننا نواجه كل يوم مشاكل الطوائف وهي مشاكل ترجع إلى أن خريجي المدارس المتوسطة في الهندسة والزراعة ينظرون دائما إلى المسواة مع خريجي المدارس العالية، بدون أن تقدر مسئولية كل طائفة.

فالكونستابل الذي يخرج من المدرسة لا يعتقد أن مهنته شريفة ولا ينظر إلى أنه يؤدي رسالة للوطن إذا وقف وسط الشارع ليشرف بنفسه على تنظيم المرور، انه يلتمس الأعذار لكي تولى عملا إداريا، وأرد كل هذا إلى أسس التعليم في مدارسنا.

وما يقال عنه يصدق عن كل عمل يتولاه فريق منا خصوصا أبناء المدارس المتوسطة. أنهم ينظرون إلى الوظائف وإلى تسعير الشهادات قبل أن ينظروا إلى عظمة ورسالة المهنة التي يمثلونها.

إنني لا أستطيع أن اسلم بنجاح وتقدم أي سياسة إنتاجية سواء في التصنيع الريفي أو الآلي وسواء في تنسيق الزراعة المصرية على الأسس الحديثة وزيادة غلة الأراضي وهي قابلة للزيادة بشكل لا يمكن تحديده. إذا لم تدعم هذه الدفعة الإنشائية الانتقالية - سياسة للتعليم - تلائم الأوضاع القائمة في مصر، وتشمل على مد هذه الدفعة بعناصر البقاء والاستمرار التطور وهي ممثلة: في إيجاد مجموعة من العمال الصناعيين والزراعيين المحنكين - إذا استعرنا الاصطلاح الفاطمي - لا يقلون في تفكيرهم عن أي مجموع أوربي أو أمريكي.

وفي تهيئة مجموعة من الموظفين الإداريين والمهندسين المختصين لهذه الأعمال يعملون بإخلاص.

إن حركة الصناعة لا تزال في دورها التمهيدي والتحضيري، وكذلك الإنتاج الزراعي المصري لا يزال متخلفا عن غيره بل لا نبالغ إذا قلنا أنه لا يزال بدائيا.

وأكبر ما يؤخر نهضة البلاد هو أننا لا نزال نسير على غير هدى في التعليم: والسياسة التعليمية الراسخة الثابتة هي التي تخرج طبقات الأمة العاملة المنتجة التي نعرف كيف نجعل من العلم قوة ثائرة منظمة لتقطع مراحل التخلف التي تركتنا فيها الأجيال التي تقدمتنا. ومن حقنا أن نقول إنها سارت على غير هدى وكانت مقصرة في نهضة البلاد وخلفت تركة محملة بالأثقال.

أحمد رمزي