مجلة الرسالة/العدد 901/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 901/القصص

مجلة الرسالة - العدد 901
القصص
[[مؤلف:|]]
The Cloak بتاريخ: 09 - 10 - 1950


المعطف

مسرحية من كليفورد باكس

للأستاذ علي محمد سرطاوى

(إلى روح الشاعرة المصرية المأسوف على شبابها ناهد طه عبد البر التي خلع عليها الأستاذ أنور المعداوي برثائه البليغ في عدد الرسالة 896 حياة خالدة في الأدب العربي، ستقرأه الأجيال المقبلة على أنه الحان من السماء وألفاظ من اللؤلؤ المنثور، ومعان هي السحر يلين من كل كلمة تنبض بالحياة، وكل حرف يسكب الدموع). .

كاتب المسرحية

كليفورد باكس كاتب إنجليزي معاصر لم تسعفني المصادر التي بين يدي على تعريفه لقراء الرسالة بأكثر من أنه يعتز بهذه المسرحية ويقول أنها جعلت ملحدا يسير على قدميه عشرة أميال ليشاهد تمثيلها في بلدة مجاورة للمرة الثانية وأنها جعلته مؤمنا. .

أشخاص المسرحية: ملك، روح، فتاة ماتت حديثاً.

المكان: عالم الأرواح غير المنظور.

المنظر: ربوة مخضرة عالية، تحدق بها صخور هائلة، يوصل إليها طريقان: طريق إلى اليمين يوصل إلى السماء، وطريق إلى اليسار يؤدي إلى الأرض، وقد جلس الملك بين الطريقين على مقعد من صنع الطبيعة.

يقف الملك ويتلفت يمنة ويسرة، يدخل من اليمين روح في طريقه إلى الدنيا، يتحسس طريقه كالأعمى وكأنه في غرفة مظلمة يشعر الملك بحركته فينظر إليه.

الروح: لقد ضللت طريقي - ما في ذلك شك! إلى أين أمضي؟ أين الطريق؟ أأبقى متخبطاً في هذا الظلام؟ أم أعود أدراجي إلى السماء؟ إلى أين يقودني المسير! لست أرى شيئاً مما حولي. لست أدري هل يبدو الظلام دامسا لعيني على هذا الشكل لقرب عهدي بالسماء؟ ينبغي أن أنتظر قليلا لعل نظري يعتاد تدريجيا هذا النور الشاحب، نعم، لقد صدق ظني، ها أنا ذا أخذت أشعر بكل ما حولي، يخيل إلى إنني في مضيق بين جب شاهقة، تتراءى من فوقها قمم السماء الزرقاء، ومن تحتي هوة رهيبة يبدو عليها عشب أطلت من أوراقه عيون الازاهير. أقطعت مثل هذه المسافة الهائلة في مثل هذا الوقت القصير؟ يخيل إلي إنني لست بعيدا عن الأرض التي سأعود إليها اليوم والتي كنت فيها مرة واحدة في الماضي. وإذا لم تخني الذاكرة، وإذا لم تكن العيون لتنظر إلى الأشياء هناك نظرة تجسم الجمال، فأنني ما زلت أتذكر أو كما يخيل إلي على الأقل، إحراجا كثيفة، وسماء صافية، وفجراً ساحرا، وغروبا بديعاً، والنور ينبعث من الشمس وكأنه شعاع ذائب من الماس؛ وما زلت أتذكر رجالا ونساء ترفرف السعادة عليهم؛ يحملون قلوبا رحيمة وعقولا متزنة. ما أجمل الرجوع مرة أخرى إلى الأرض في صورة فتاة أو شاب! ليتني أستطيع الاهتداء إلى الطريق.

الملك: إن الأرض بعيدة عنك مسيرة يوم واحد.

الروح: من ذا الذي يتحدث؟ أملك؟

الملك: نعم

الروح: تحية السماء إليك! لقد أرسلت إلى الأرض فهل أن تدلني على طريقها؟

الملك: أتريد الحياة في الأرض؟ أو لم تكن سعيدا في السماء؟

الروح: إنني جرة قد ملأتها السماء بالمحبة وفاضت على جوانبها، ولما لم يعد في استطاعتي الاتساع لشيء أكثر من ذلك السيل المتدفق من النعيم الإلهي، فهل يداخلك العجب، والحالة هذه إذا رأيتني أفتش عمن اقاسمهم ما لدي من هذا الكنز النفيس؟ هنالك أشياء لا شك إنني نسيتها عن الأرض التي ما تزال لها آثار حلوة في ذاكرتي، ولكنني كنت استمع من وقت إلى آخر، والدهشة تتملكني، من أولئك الذين رجعوا منها، أن الناس لم يستطيعوا إشاعة والسعادة في جوانبها كما هي في السماء، وهذا ما يدفعني إلى الاعتقاد بان هنالك مجالا متسعاُ للحب ليصنع المعجزة. إذا كنت تسير في اتجاه غير صحيح، أرجوك أن تدلني على الطريق.

إنني أعرف الكثير من الأرواح قد ارتعدت خوفاً وهي تدنو من الأرض، رهبة من شبح اليقظة والنوم هناك: لكنني لا أذكر أن مخاوفاً من هذا النوع دارت بخلدي وأنا العبث إلى الأرض للمرة الأولى.

الملك. في استطاعتك من هذه الفتحة رؤية الكواكب الذي تفتش عته.

الروح: أين؟ أنني أرى نجوماً لا يحصيها العد - وكأنها فقاقيع على بحر من الظلام. لست قادراً على تمييز الأرض من بينها: أهي ذلك النبع الهائل المتدفق من اللهيب؟

الملك: كلا. إنها أقل لمعاناً. إنها دائرة صغيرة، ومكان متواضع لا يكاد يرى من الشموس في الفضاء.

إلا ترى الكثرة الهائلة في الناحية البعيدة من الدب الكبر، والتي ينبعث منها شعاع متعدد الألوان كالبجاد المرجل القشيب؟ من تلك النقطة اتجه ببصرك إلى المشرق واجعل نظرك ينفذ في استمهال إلى ما وراء المجرة.

الروح: ليس في استطاعتي أن أرى شيئا من ذلك الاتجاه الذي تشير إليه؛ إنما أرى ظلاما دامسا وفراغا هائلا.

الملك: أرجع البصر إلى تلك الجهة مرة أخرى

الروح: يخيل إلي إنني أرى نقطة شديدة اللمعان، أهي تلك الأرض؟

الملك: لقد ابتدأت ترى الاتجاه الذي تتحرك فيه الأرض. إن الذي رأيته ليس إلا الشمس التي يبهر نورها نظر الإنسان.

الروح: لكنني الآن أرى أقراصا شاحبة الضوء تدور على نفسها في شكل دائري، أنراها ذرات سابحة في الفضاء فتتحرك أمام عيني المتعبتين؟

الملك: أترى تلك الدائرة الثالثة؟

الروح: نعم. .؟

الملك: تلك هي الأرض ولكم تبدو للعين صغيرة، دامسة الظلام، ولكنها على الرغم من ذلك، مفعمة بكل شيء جميل، وكل شيء لا تقوى الأنفس على احتمال ما فيه من أحزان تطير لها الألباب شعاعاً.

الروح: ألا بربك خبرني كيف تكون الولادة التي يبعث فيها روح من السماء إلى الأرض؟

الملك: إنها أشبه ما تكون بنوم بطئ، وانحلال تدريجي، وجزر تنكمش فيه القوة على نفسها، وغرق في تيار الحياة، ثم يقظة مفاجئة على صراع عنيف في النفس بين الرغبة والحرمان وبين الدموع والابتسامات.

الروح: اقسم بالذي خلق أن سوف لا يقف ما ذكرت عقبة بيني وبين الحب الذي سأتفق منه حتى نهاية الحياة نفسها.

الملك: لقد سبقتك إلى الأرض ملايين وملايين من الأرواح التي كانت تحمل في نفوسها هذا النور. من يدري فلعلك واجد لديك من القوة ما يكفي للثبات على هذه العزيمة، لكنني لا أرى بدا من أن أحذرك حين أقول لك إن الولادة أو البعث إلى الأرض تحمل في طياتها معاني تضائل روحانية السماء.

الروح: أرجوك أن تقودني إلى النقطة التالية لأمضي إلى الأرض؟

الملك: إنك تستعجل الذهاب في الوقت اللحظة التي انتظر فيها مواجهة عمل شاق جداً.

الروح: ماذا تعني!

الملك: إنني في انتظار فتاة ماتت منذ لحظات لأدلها على الطريق إلى السماء. إن الأرواح حينما تخلع اجسادها، أو كما يقول أهل الأرض حين تموت، تمر جميعها من هذا الطريق. إن الأرواح وهي تهبط من السماء إلى الأرض لا ترتدي غير هذا الزي البسيط الذي تبدو فيه أمامي الآن، ولكن مر السنين على الأرض لا يمكن العقل المكدود المرهق من أن يحيك للروح بردا من المثل العليا وإنما ينسج لها معطفا من الكبرياء والغرور والطموح، لا تستطيع عين الإنسان الفانية رؤيته فترتديه النفس، ويصبح ذلك المعطف الموشى بالذهب والدر والجوهر من سخافات الأرض حاجزا قوياً بين الإنسان وجوهره الإلهي الصحيح، كما يختفي لهيب النار والدخان عن العيون، وحين تموت تلك الأنفس لا تخلع هذا الرداء الذي ارتدته على الأرض، ويبقى عليها في طريقها إلى السماء وأنا في هذا المكان الذي يفصل السماء عن الأرض، أقوم بوجوب تعليم الأرواح وإرشادها إلى خلع هذا المعطف قبل دخول السماء لتعود إليه في بساطتها النورانية كما أنت الآن.

الروح: هل لك في جميل تطوق به عنقي؟

الملك: ماذا تريد؟

الروح: أن تتيح لي فرصة إقامة البرهان على إنني لم أتكلم عن الحب إلا كلام المؤمن بما يقول، وذلك عن طريق إنابتي عنك في تخليصها من ذلك المعطف.

الملك: إن الأمر ليس بالسهولة كما يخيل إليك. إنه أمر شاق عسير.

الروح: كيف! أعسير علي أن أقنعها بخلع ذلك الرداء، وإن تعود إلى سابق عهدها؟

الملك: سأتيح لك الفرصة التي تريدها. تلفت إلى تلك الناحية - إنها قادمة، ولما تتخلص من المتاعب الأرضية. ها هي تمشي وهي في حالة متوسطة بين اليقظة والنوم، أشبه ما تكون بإنسان يحلم حلماً لا يستطيع الإنفكاك منه. (تدخل الفتاة من اليسار وقد ارتدت معطفاً طرزت على حواشيه رسوم معقدة زاهية الألوان، رائعة المنظر. يدل صوتها وخطوات سيرها على إنها نائمة).

الفتاة: كلا. . . لا تذهبي! ينبغي أن لا تتركني!. . . يخيل إلى إنني في غير فراشي، وعلى الرغم من أن الألم قد تاء بكلكله على رأسي، وإن الحمى قد استراح منها جسدي، فأنني أحس بأنني أصعد في عالم خيالي من قمة إلى قمة، غير مستطيعة الكف عن ذلك: اشعر بميل شديد للراحة فعلي أن استريح.

(تجلس على الأرض)

الملك مخاطباً الروح: إنها لما تستطع التخلص من أفكارها كما رأيت، ولا تزال مربوطة بتلك الحياة التي كانت فيها.

الفتاة: اقتربي مني، أريد أن أحدثك عن أمور لها خطرها عندي. أتسمعينني؟ أنني مدينة لأختي بمبلغ من المال، والخوف يساورها، وتحدث نفسها عن إمكان عجزي عن دفعه إذا استمر المرض طويلا. أكدي لها إنني سأدفع كل مالها، وأنني لن أموت، وأن هذا المرض سيزول كغمامة الصيف. . ويح نفسي!. . ما الذي حدث! لا أسمع مجيباً. . أتراني في نوم عميق!

الملك للروح: إن هذا الذهول الشديد الذي يعصر كل قوة فيها، اللحظة بعد الاخرى، سيصبح اقل شدة وعمقا.

الفتاة: ما هذه الصور التي تتراءى لي. . .! أتراني في حلم عميق!. . . الصور. . . والشمس المرتفعة. . . وقد دفنت أشعتها في الغيوم، فبدأ نصف السماء وكأنه اللؤلؤ المنشور. . . وتلك السفوح الخضر وقد غطتها الازاهير التي لا تتحرك. . . اقتربي قليلا مني. . . وإذا حدثتك اليوم عن النقود فعديها عني بالدفع حالما تذهب وطأة الحمى. . . أين ذهبت؟. . . يخيل ألي انك بعيدة عني آلاف الأميال. . . إن صخور الأحلام ترتفع أمام عيني مرة ثانية. . . ينبغي أن استمر في المسير. أشعر بضعف شديد وإعياء مفرط. . . حتى هذا المعطف الذي ارتديته قد اصبح يثقل رويدا رويدا فلا أكاد أقوى على حمله.

(تقف بصعوبة شديدة)

الملك للروح: لقد استيقظت الآن. اقترب منها. حل ذلك الطلسم الذي يربطها بالحياة حتى تخلع معطفها. . أسرع في عملك.

(يسير إلى اليمين)

الروح: لقد أتيت لمساعدتك. . . و. . .

الفتاة: وهل أنا في حاجة إلى ذلك! لقد كان كبريائي على الدوام يجعلني احتقر الاعتماد على الآخرين - ولكن - قل لي من أنت؟

الروح: لماذا؟ إنني روح في طريقي إلى الأرض من السماء.

الفتاة: لا يوجد شيء كالذي تتحدث عنه. . .

الروح: لكن. . . كيف؟ ألا تستطيعين تصديق ذلك الآن؟. . . أنظري. . . إنني أمامك!

الفتاة: أرواح بلا أجساد، أشياء غير معقولة. . . أنها أشبه ما تكون بآلة موسيقية لا أوتاد لها. . . ومع ذلك فأنني أرى لك شكر. . .

الروح: إن الشكل الذي تبصرينه إنما هو صورة جسدي هناك.

الفتاة: هنالك؟ أين؟ أتقصد الأرض!

الروح: إنني ذاهب إليها اليوم.

الفتاة: أتعني ما تقول؟ إذا كان ما قلته عن نفسك صحيحاً ففي أية حالة أكون إذن؟

الروح: إن جسدك قد مات، وأنت في طريقك إلى السماء.

الفتاة: أنا ميتة؟ ماذا أسمع؟ إذا كان قولك صحيحا فما أجهل الناس على الأرض بأسرار السماء. . إن البشر قد انصرفوا في السنين الأخيرة عن التفكير في هذه الاجور، واعتقدوا إنها خرافة، وأنها لا حياة أخرى بعد الموت.

الروح: أصحيح ما تقولين؟ ما أغرب ذلك! إن مرد استغرابي إلى عجزي عن تخيل الدنيا التي يعيشون فيها على حقيقتها.

الفتاة: أحسب أن هذه الصخور هي السماء؟ أليست كذلك؟ الروح: وأسفاه! إن السماء بعيدة جدا عن هذا المكان الذي وقف فيه ذلك الملك ليفصل عالم المادة عن عالم الروح.

الفتاة: ما دام الأمر كذلك، فإن أحد الطريقين يوصل إلى السماء وحتما، إن طريقي هذا. .

الروح: أتحسين إن في استطاعتك الانطلاق إلى السماء وأنت على هذه الصورة التي كنت فيها على الأرض؟

الفتاة: لماذا لا يكون ذلك في استطاعتي؟

الروح: إن الأعمال التي كنت تقومين بها على الارض، ليست إلا عتاقيد من التعب قد جف منها الرحيق.

الفتاة: لو كنت ميتة كما يخيل إليك، لفقدت ثروتي وشهرتي - والآن - وأنا في السماء - على زعمك - تقول لي أنني سأجد تلك الإدارة الحديدية التي جعلت اسمي مصدر هلع الناس، وتلك الثقافة العميقة التي صقلت عقلي وجعلته نسيج واحد، تقول لي، أنني سأجد هذين مكنزين النفيسين الذين هما كل ذخيرتي، لا شيء أبدا. ومعنى ذلك أنني أصبحت كسائر الناس. إن رغبة عنيفة لا قدرة لي على الغلبة عليها تدفعني إلى دخول السماء، فماذا يجب أن افعل!

الروح: أول ما يجب عليك عمله أن تخلعي هذا المعطف؟

الفتاة: لكن لا تنس أنني بذلت حياتي وأنا أصنع هذا المعطف، لقدنسجته من آلاف الخيوط، وزينته بالرسوم المعقدة ولونته بألوان قوس السحاب. . إنه صورة صحيحة عن جهادي في الحياة، وقليل من البشر من يستطيع الحصول على مثله، ولا شبيه له عند الناس.

الروح: أقسم لك مؤكدا، بأن ليس في استطاعتك دخول السماء ما لم تخلعي هذا المعطف عنك:

الفتاة: لا أستطيع تصديقك. . . لماذا؟ أنني إذا تجردت عن ذلك لم اصبح شيئا.

الروح: إن هذا الذي يعز عليك خلعه ليس برداء.

الفتاة:. . . كلا. . . إنه أكثر من ذلك. . . إنه الشخصية التي أبدو فيها. . . إنه حياتي الماضية. . . وذكرياتي. . . وما وراء كل ذلك من أحلام وآمان وشعور. . . وإذا قضي علي بنزع هذا المعطف، فما الذي يبقى مني؟ ليت شعري ماذا أصبح إذا فقدت شخصيتي؟ ومن أنا إذا غدوت واحدة من الملايين. . . أو مثل اللهيب المنبعث من الشمس؟ لن أكون في تلك الحالة، ما أنا عليه الآن. . . أبدا. . . إذا كنت ذاهبا إلى الحياة على هذه الصورة فاجعل أمانيك قليلة فيها. .

الروح: ماذا تعنين؟

الفتاة: أعني انك إذا لم تدبر حيلة تؤثر بها على أبناء جنسك فسوف يكون نصيبك البؤس والعذاب في الحياة حتى نهايتها. . . إنك ستكون موضع الازدراء. . . تطرد عن الأبواب وتنبذ كشيء حقير تافه.

الروح: ألا يساعد الناس بعضهم بعضا في الأرض؟

الفتاة: أتبدو علي هذه الصورة من الجهل والغباوة، وتتصدى لبيع النصائح!! إن الأرض بالنسبة إلي حب من طرازك مفروشة بالأشواك، ومفعمة بالآلام والدموع. . . إن الناس سينظرون إليك نظرهم إلى مستواه أو مأقون. . .

الروح: ما أغرب عالم يبدو فيه الخلق الكريم سخافة! أليس من الأنصاف للنور الذي يشع في ضمائرنا في السماء أن يكون الخلق الكريم كالهواء مشاعا للناس جميعاً. . لا يستغني عنه أحد كائنا من كان. . . لكن يريك خبرتي عن الحب. .؟ أليس له مكان في الأرض بين الناس؟

الفتاة: إنه كالنجم البعيد. . يرى وسرعان ما يغيب عن العيون. . .

الروح: أبتحارب الناس في الأرض، في ذلك المكان الذي أكل الدهر عليه وشرب؟

الفتاة: إنهم يقتتلون على ياردات قليلة من التراب، وعلى قليل من مادة براقة يسمونها الذهب. . .

الروح: أولا يزالون على ضلالهم القديم. . . لكن ماذا يفعلون في وقت السلم؟

الفتاة: عندئذ يجاهد كل إنسان في زيادة ما عنده من رزق كثير وأخذ اللقمة من فم الجائع. . .

الروح: أيقاتل الصديق صديقه، والأخ أخاه، على هذه الصورة؟ إذن كيف تتقدم الحياة خطوة واحدة على الأرض؟

الفتاة: كيف؟ إن ما فيها على التقدم، مرده إلى الصدف، لا إلى إرادة الإنسان.

الروح: كنت أظن أن الناس يحملون قلوبا رحيمة، وأن العدالة طريقهم السوي في الحياة. . .

الفتاة: ولماذا تحسبهم كذلك؟ ألا يرون أنفسهم مجرد عابر سابح في فضاء الكون الفسيح. . .

الروح: ولكن كيف غاب عنهم انهم أرواح!

الفتاة: ومع ذلك فأن معظم الناس يبذرون الحياة في الحماقات وفي إثارة المنازعات. . .

الروح: وما أسقاه! إذا كان صحيحا ما أسمه منك، فإن الحياة جحيم. . . لقد ابتدأت أخشى الرجوع إليها.

الفتاة: إذا بقيت سليم الطوية هناك كما أنت هنا، وبقيت تعتقد أن الحب هو السلطان الذي تخضع له نواميس الكون، فإنك ستجد الناس في حقيقتهم. . . جنسا من المخلوقات ممعنا في الخبث واللؤم والقسوة والهمجية لا يحترم غير الأقوياء ولا يبجل غير الظالمين. . . يعذبون الضعفاء ويجيرونهم على تحمل الأذى والعنت والإرهاق. . . أنني أسدي إليك هذه النصيحة. . . فكن عاقلا. . . فكر في نفسك. . . وأنسج لك من الآن معطفا تتقي به الأذى، وتخفي ما فيك من طيبة وراء مظاهر القسوة فيه. . . إنك في الأرض أحد رجلين، رجل يفرض أرادته على الأخريين ويسوقهم كالإنعام أمامه، ورجل لا شأن له بين الناس ولا يقول (لا) يملء فيه، إذا سيم خطة الضيم. . . ولكن إذا اقتلعت جذور الإنسانية والرحمة من قلبك، وتركتها هنا في السماء وأنت في أول طريقك إلى الارض، فانك ستأخذ هناك كل ما تريد، وتدفع الآخرين عن طريق نجاحك وتخطف اللقمة من الجائع، لا لتأكلها ولكن لتحتفظ بها لترفك. . . عندئذ لا أرى مانعا يحول بينك وبين السعادة. . . وليست لديك وسيلة أخرى للنجاح في الحياة.

الروح: كنت أحسب أن في استطاعتي جلب الحب للإنسان على الأرض قبل حديثك هذا.

الفتاة: ليس للحب وطبيعة القلب مكان هناك.

الروح: أهذا هو السبب الذي حملك على عمل هذا المعطف لنفسك؟

الفتاة: الآن والآن فقط. . . أخذت تدرك قيمته بالنسبة لإنسان يعيش في الحياة. . . لكن بربك أخبرني عن الطريق الذي ينبغي أن أسلكه؟ يالها من مسالك مخيفة. . . هائلة الانحدار. . .

الروح: إنك لا تستطيعين التحرك من هذا المكان قبل أن تخلعي عنك هذا المعطف. . .

الفتاة: لقد أضجت مكاراً. . . داهية أيها الروح. . . إنك تسعى الآن. بطريقة خبيثة لتحصل على معطفي هذا لنفسك. . . إنها خطة ظريفة. . . لكن ما دمت لا تريد أن ترشدني إلى الطريق فسوف أسير كيفما تقودني قدماي. . .

(تتحرك سائرة إلى اليمين. . . لكن الملك يسد عليها الطريق)

الملك: إلى أين تريدين الذهاب؟

الفتاة: إلى السماء. . . إلى السماء. . .

الملك يجب أن تخلعي عنك أولاً هذه الكبرياء المتمثلة في نفسك الأمارة بالسوء. . .

الفتاة: وأنت أيضاً تقول لي هذا. . . يبدو بي أن شخصياتنا في السماء. . .

الملك: ليست إلا أحلاماً أرضية

الفتاة: والذكاء الذي كان يحملنا وراء أعقد المشاكل!

الملك: ستجدين في الآفاق العلوية ما لا يخطر لك على بال. . . سوف تتعلمين أصعب الأشياء بأسهل الطرق وأسرعها. .

الفتاة: كيف أيها الملاك!

الملك: إذا أحببنا شيئاً عرفنا كل ما تريد عنه سهولة عجيبة ويسر غريب. . .

الفتاة: لكن ليس معطفي الأنفسي. . . وأنت على الرغم من هذه الحقيقة تقول. . . ولكن لا أجدني قادرة على خلعه أبداً

الملك: تشجعي. . . وألقي بهذه النفس الأرضية بعيداً عنك

الفتاة: لن أفعل ذلك أبداً.

الملك: إذن لا مفر لك من البقاء في هذا المكان وعلى هذه الحالة المتوسطة بين الأرض والسماء، حتى يحين الوقت الذي يهديك الله فيه إلى الصواب فتكرهين هذه النفس وتودين التخلص منها. . .

الفتاة: وا أسفاه! ليست لي القدرة على البقاء لحظة واحدة في هذا المكان. . .

الملك: إذن. . . اخلعي هذا المعطف. . .

الفتاة: أحس أن مخاوفي ورغباتي قد تساوتا. . . كلا. . . لكن يجب أن أخلع هذا المعطف مهما كان العمل مخيفاً. . .

(تخلع معطفها وترميه على المقعد. . . وتبدو في زي بسيط ساذج مثل الروح تماماً)

لقد أصبحت الآن حرة طليقة من القيود. . . ورجعت إلى عالم السعادة المطلقة بعد طول الرحيل في عالم الشقاء. . . وأصبحت جزءاً من الوجود. . . محمولة على أمواج النورانية كما تحمل أمواج البحر الزبد إلى الشاطئ القريب. . .

الملك: (يتلفت نحو الروح) وأنت. . .؟ وداعاً! إلى اللقاء بعد رحلة الحياة. . . إلى اللقاء.!. .

(يسير الملك والفتاة في الطريق المؤدي إلى اليمين. . ويبغي الروح في مكانه ينظر إليهما وهما ينوا ربان عنه. . . يدير وجهه إلى الجهة الأخرى فتقع عيناه على المعطف. .)

الروح: إن طريقي شاق مرهق طويل. . . لقد هزأت الفتاة من بساطتي. . . وأكدت لي بأن سأكون في دنيا البشر موضع التهكم والازدراء. . . ولكن ليت شعري ما الذي يحدث لو أنني أخذت معطفها! أحسب أنني سأكون قوياً، نافذ البصيرة موضع رهبة الناس واحترامهم جميعاً. . ينبغي أن ألبس هذا المعطف. .

(يلبس المعطف)

لن أكون بعد اليوم أحد أولئك الذين يكتفون بالفتات المتساقط من أيدي الآكلين في وليمة الحياة على مائدة الدنيا.

سأضحك من دموع المعذبين، وأغني على أنين المتألمين. . .

سأحكم الناس ولن يحكمني إنسان. . وسأضع الأثقال عن ظهور الآخرين وأسوقهم بسوط الظلم محملين في طريق طويل مفروش بالأشواك والعذاب. . .

سأثير الرعب والهلع في رحاب الأرض

ستعرفني الحياة حين أضع العمامة على رأسي

(يسير في الطريق الأيسر هابطاً إلى الدنيا. .)

الملك: بعد أن أخذ مكانه على المقعد بعد إيصال الفتاة إلى السماء لقد لبس المعطف. . ما في ذلك شك. . . وا أسفاه. . . لقد تبخرت أحلامه برسالة الحب إلى الأرض. . . مضى في الطريق التي رسمها القدر له. . . إلى دنيا البشر. . . إلى المكان الذي تختبر فيه الطبيعة في الطبائع. . .

(ينظر إلى اليمين)

أي روح سيهبط الآن من السماء إلى الأرض؟ ماذا سيكون مصير أحلامه؟ إن بعض الأرواح حين تصل إلى هذا المكان تنحل عزائمها، ويتبخر ما فيها من خير قبل وصول الأرض. . . ولكن بعض الأرواح يشرق فيها الحب إشراقاً قوياً لا تقوى ظلمات الأرض على طمسه فيها

علي محمد سرطاوي

دار المعلمين الريفية