مجلة الرسالة/العدد 892/التربية الأدبية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 892/التربية الأدبية

مجلة الرسالة - العدد 892
التربية الأدبية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 08 - 1950


للأستاذ محمد محمود زيتون

يحكى أن ملكا من ملوك الفرس غضب على وزير له إثر شائعات ودسائس حتى دنت رقبته من حبل المشنقة. وفي ساعة التنفيذ وقع نظر الملك على بنت الوزير وقد رآها سافرة على غير عادة الفرس من الحجاب، فبعث إليها من حاشيته من يقول لها:

مولاي يعجب كيف لم تتقنعي ... قالت له: أتعجبا وسؤالا

ما كان للحسناء تكشف وجهها ... لو أن في هذي الجموع رجالا

في هذا اللون من فن القول ما يكفي للدلالة على أهمية الأدب في الحياة الإنسانية، ذلك بأن الأدب يهتف في دوافعه ونوازعه بمظاهر الشعور، فاللفظ مسموعاً ومقروءاً أول ما يتصل بالإحساس الذي يوصله بدوره إلى الوجدان فتتفاعل فيه العناصر الأولى للعاطفة. فما يلبث الإنسان أن ينزع إلى إتيان أمر أو تجنب آخر

وإذ ذاك يكون الأدب غير دخيل على النفس. لأنه منها يستفرد، ومعها يجري، غير أن (للصورة الأدبية) لا تقف طويلا بباب الشعور، وإنما هي تحمل (جواز المرور) بما تأهلت له من جرس جميل، وخيال هائم ومعنى كريم.

بهذا يكون صاحب هذه الصورة قد وجد أصداء نفسه تتردد في جوانب غيره بطريق (الإيحاء) الذي يقوم بدور كبير في نقل التجارب من المعلم إلى المتعلم.

ولما كانت التربية الكاملة تقوم على علاج البدن والعقل والروح بحيث تتعالى الغرائز عن المستوى الحيواني، فقد بقي على التربية وتنسيق القوى النفسانية بحيث لا ينمو البدن على حساب العقل والروح أو عل العكس.

والأدب كفيل بتحقيق هذه الغاية، إذا هو يتفاعل أولا مع الروح، ومنها تنبثق مؤثراتها على كل من البدن والعقل. وقد أثبتت تقارير (علم النفس الطبي) أن معظم الأمراض التي تنتاب الجسم، مردها إلى انفعالات عنيفة. واستطاع تلاميذ (سيجموند فرويد) أن يعالجوا قلة اللبن في أثداء الأمهات بعزف بعض القطع الموسيقية، كما استكثر بعض الصيادين من السمك باستعمال الحاكي (الفوتوغراف) فتهافت السمك على النغم من كل مكان.

وقديماً قالوا (العقل السليم في الجسم السليم) وهذا خطأ، فقد فطن الأطباء السيكولوجيون إلى علاج الأمراض الجسمانية بالتحليل النفساني والتغلغل في أعماق العقل الباطن للكشف عن العقدة التي هي أصل كل داء وبلاء. وفي الحديث الشريف (من كثر همه سقم بدنه).

ومما يعرف عن (الفارابي) أنه ابتدع آلة موسيقية عزف عليها مرة فأضحك ثم عزف فأبكى، وأخيراً عزف فنام من أضحكهم وأبكاهم.

كما أن (ابن سينا) كان يعالج المرضى بالوهم، بالإيحاء النفساني، وقصته مع الرجل الذي أصيب بالمانخوليا فغلب على ظنه أنه بقرة، معروفة مشهورة.

كذلك الحالة العقلية ينتظم ميزانها غالباً وفق الحالة الوجدانية، فقد أجريت تجارب على أطفال، اصطنعت أمامهم عوامل الخوف ولوحظت نتائجها في إجاباتهم على أسئلة وجهت إليهم.

وقد يعجب الناس من هذه (الطاقة) الأدبية التي تنفذ أشعتها إلى أعماق الشعور وتتردد في جوانبه، والأعجب من ذلك، ما بين الكيمياء والأدب من صلة وثيقة حتى في الصيغة اللغوية: تفاعلات وانفعالات.

ولكن يزول العجب إذ نسمع مثلا الشاعر العربي يقول:

وإني لألقي المرء أعلم أنه ... عدو، وفي أحشائه الضغن كامن

فأمنحه بشرا، فيرتد قلبه ... سليما، وقد ماتت لديه الضغائن

فهنا تفاعل بين بسمة الشاعر، وضغن العدو، يستحيل به القلب سمحاً كريماً، وذلك هو الصدى الذي توحي به الآية (الكريمة) (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ولا شك في أن هذا الإيحاء الصادر عن تلك الطاقة هو السفير الشعوري الذي يقوم بهذا الدور المحمود.

ومن هذا الباب أيضاً ما يروى عن الأعرابية التي ولدت أنثى، فهجرها زوجها وظل وجهه مسوداً وهو كظيم، من سوء ما بشر به كعادة الجاهلية، فلما مر بخيمتها ذات يوم سمعها تقول:

ما لأبي حمزة لا يأتينا

نراه في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا تا لله ما ذلك في أيدينا

فنحن كالأرض لغارسينا

ننبت ما قد غرسوه فينا

وإذا بهذا الأعرابي ينبض قلبه بالحنان، وينبثق بالرحمة - وهو الصخر الأصم - فيقبل صاحبته ويحتضن بنته.

ونحن بهذا لا نقوم بدعاية للأدب - وهو مشروع غير ممنوع - ولكنا بصدد التقريب بين رسالة الأدب، ومؤهلات التربية كوسيلتين للإصلاح، ولاشك أن الذوق السليم، والنفس الراضية المرضية من أعز المواهب التي تستكمل بها فضائل الإنسان، الذي يعرف أن له كرامة يجب أن تصان.

وما أسرع الأدب إلى تحقيق هذه الغاية: فإنه هو الذي يكفل للناشئ حياة مضمونة إذا درج على سماع الكلام الموزون، وإلقائه وتمثله وتمثيله، والاستشهاد به في بعض الأحايين.

وأول الطريق هو (الوجدان) الذي يكاد يشبه الكرة من المطاط إذا لم ينفخ فيها الهواء ركدت وأخلدت إلى الأرض، وكذلك القلب بحاجة إلى غذاء الروح، وهذا هو الغنى وتلك هي العافية للفرد والمجموع معا، والفقر ليس في الجيوب، ولكنه في القلوب، وصدق رسول الله ﷺ (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب)

وما أجدرنا بالبدء من هنا للقضاء على ما يسمونه بالمبادئ الهدامة، ولن يكلفنا الأمر أكثر من تغذية الفرد بتراثه العريق. من أمثال وحكم وتعليقات سلطانية، وقصص وملاحم، وقصائد وخطب، ومسرحيات، ومما يدخل الآذان بلا استئذان فيستقر في الوجدان، ولا سيما إذا كان من صميم البيئة ومن أصول العوائد والتقاليد التي قامت الأيام بتمثيلها على مسرح المجتمع.

وإذا كانت معدة الفرنسي تستسيغ أكل القواقع والفيران مما تتأفف منه نفس المصري وتعافه، فكذلك لكل شعب (معدة أدبية) خاصة وذوق لا يعيبه أنه يطرب للموسيقى الشرقية ولا يهتز للموسيقى الغربية، وتستهويه ألحان سيد درويش دون سيمفونيات بيتهوفن.

وهل ينكر أحد اثر خطبة طارق بن زياد في رجاله (البحر وراءكم والعدو أمامكم) تلك الخطية التي إذا أخذنا الناشئة على إلقائها انطلق عقال ألسنتهم وسلموا من رخاوة الحديث ورطانة الغرب، وأكبروا هذه الفلذة الحية من دماء ماضيهم التي دفعت القائد الجبار إلى إحراق أسطوله ليمضي قدماً إلى البرانس حيث اتصلت حضارة العرب بأوروبا وحتى استمد الشعر البروفنسي عناصر من حضارة العرب كما يقول جوستاف لوبون.

وهذا عقبة بن نافع يخوض بجواده المحيط الأطلسي فيقول: اللهم رب محمد لولا هذا البحر لفتحت الدنيا في سبيل إعلاء كلمة الله. وهذه الأمثال العربية الناضحة بالحكمة، الزاخرة بالروعة مثل: حمى الوطيس، يا خيل الله اركبي، لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، كيف تصاحبني وهذا أثر فأسك، وكذلك التوقيعات السلطانية المحفوظة في سجلات الشرف والعزة مثل (كثر حاسدوك وقل حامدوك فإما اعتدلت وإما اعتزلت) ومثل (دع الضرع يدر لغيرك كما در لك). .

ولا شك أن هذه الروائع الأدبية من ألزم اللزوميات للزعامة الرشيدة والقيادة المستنيرة، فقد كان النبي عليه السلام ينشد لعبد الله بن رواحة رجزاً جميلاً وهو يعمل مع العاملين في حفر الخندق، في غزوة الأحزاب فيشتد أزرهم وتنشط قابليتهم للعمل، فلا يطغي التعب على مجهودهم، كلما رددوا وراءه عجز الرجز:

والله لولا الله ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن نادينا

وإن أرادوا فتنة أبينا

ويكررون الكلمة الأخيرة من رجز الراجز:

سماه من بعد جميل عمرا.

وكان للبائس يوماً ظهرا.

على أن الخيال الذي قد يؤخذ على الأدب إنما هو دعامة العلم الثابت. . لميتدولوجيا (علم مناهج البحث) تحدثنا أن الاختراعات لم تكن قبلا إلا أخيلة في عقول أصحابها، وفروضاً هائمة اقتنصها أرباب الاختراع كما هو معلوم من تفاحة نيوتن، وحمام أرشميدس، حتى جاء الفيلسوف برجسون فأنتصر لعنصر الإلهام في مجال العلوم الخالصة.

ولا حرج في القول إذن بأن أول مخترع للطائرة هو الشاعر العربي الذي تكنفته الجاهلية بأطباقها، ومع ذلك وصف فرسه فقال:

ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر

وما أروع الصور الأدبية ذات الألوان والأنغام إذا عرضت

على السمع الذي لا يألف قول المتنبي وهو يمدح سيف الدولة:

لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا

وكذلك وصف العربي لنفسه وهو يتهدج في لفظه من طول ما أخنت السنون عليه، وأناخت على عوده فيقول:

أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا

والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا

من بعد ما قوة أعزيها ... أصبحت شيخا أعالج الكبرا

وما أنجح تلك المحاولة التي قام بها الأستاذ الدكتور محمد صبري في تقريبه بين معلقة امرئ القيس وبعض اللوحات الفنية الأوربية لمشاهير الرسامين، وإن كنا نعلم أن (الشعر رسم ناطق، والرسم شعر أخرس) وهذا جبران خليل جبران يتصور فكرة الألوهية فيرسمها بيده الصناع فتخيلها في صورة كف مبسوطة وفي وسطها عين مبصرة. ومن حولهما سحاب الزمن تدور فيه الملائكة بأجيال البشر.

ومع هذا فأين هذه الصورة المرسومة من تلك الصور الشعرية التي عرضها جبران الشاعر عن الفجر إذ يقول:

هل شربت الفجر خمرا ... في كؤوس من أثير

وتنشقت بعطر ... وتنشفت بنور

وهل تنصل الخيوط المستطيلة والمستعرضة للأنسجة الجميلة التي اصطنعها شعراء العرب على نول الفنون؟ كلا فإنها لا تبلى على ممر الأيام، بل تظل تبهر العقل والوجدان، وتستثير الحس، وتستهوي الذوق، فقد أحكم صوغها، فاهتزت لها النفس واستجابت لها الإرادة طائعة مختارة فكأنما هي أسراب طائرة في فلك الجمال، تسبح فيه كما تشاء، وتهبط آخر الأمر على أرض الإنسانية فتزودها بنور الفضيلة، ما وسعها الزاد.

هذا العربي الأبي النفس الكريم الخلق، يقول::

وأغض طرفي حين تبدو جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها

وهذا العربي أيضاً يقول:

إذا كنت ربا للقواص فلا تدع ... رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأركبه، فإن حملتكما ... فذاك، وإن كان العقاب فعاقب

والنفس الشرقية لابد مستجيبة لهذا الخلق لأنه من سجيتها وطبعها المغروس فيها المركب في سلوكها.

وهذا عنترة العبسي يدلي بدلوه في التربية الأدبية إذ يذكر عبلة وهو في المعمعة فينفث في قيثارته حب الرجل الذي لا يفقده غرامه معالم رجولته إذ يقول:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... منى وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم

وفي أسطورة بشر بن عوانة حفز للبطولة، وإذكاء للهمة، ولن أنسى قط وقعها في نفوسنا يوم كنا نحفظها وننشدها عن ظهر قلب عندما كنا لا نزال تلاميذ بالمدارس الأولية، تلك القصيدة التي مطلعها:

أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا

وأشهد أن روح القصيدة كان من أهم العوامل على تطلعنا إلى فهم مغلقات ألفاظها الجزلة، التي لم تعد الأذن تنكرها لسلامة الشعر، وعذوبة الروى، ونبالة الهدف.

وكلما تعمقت في الكشف عن سبب ميلي إلى الأدب، وصلت إلى ما كان يدعوني إليه جدي عليه رحمة الله كلما قدمه ضيف كبير فقد كان يطلب إلي وإلى أترابي من بني الأعمام إلى التنافس في إلقاء ما حفظناه من الشعر في المحفوظات، ونحن بعد تلاميذ بالمدرسة الأولية وكان يشجع الفائز بالتصفيق والتشجيع وبما وراء ذلك طبع من القروش والحلوى.

وللأدب مع ذلك كله رسالة خالدة قام بها أصحاب النفوس الكبار من أمثال محيي الدين بن عربي الذي نفض عن وجدان غبار التعصب، واخترق ضباب الحياة ليحلق في أمسى ذلك عرف القلوب إذ يقول:

لقد كنت اليوم أنكر صاحبي ... إذا لم يكن ديني إلى دينه دين فأصبح قلبي قابلا كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أني توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيمان

وما أروع قول من قال في أخذ العدو باللين والسياسة بالعنف والجبروت:

إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصر

وإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فدعه إلى الوقت الذي أنت قادر

وسالم إذا ما لم تكن لك حيلة ... وأقدم إذا أيقنت أنك

على أننا لا نريد بالتربية الأدبية مجرد تلقين الآداب في ألوانها المختلفة وحفظها وتسميعها، ولكن نأمل العمل على توجيه المواطن منا نحو الفنون عامة من مهده إلى لحده. وعليه أن يتخير منها أقربها إلى ميوله ومشاربه؛ فإذا استطاب الأدب دفعناه إلى الإنشاء سواء في نظم القصيد أو ارتجال الخطب أو على الأقل إجادة التحدث إلى الناس، ومراعاة مقتضى الحال، والتزين البيان والبديع في كل ما يقول، وذلك أضعف الآداب.

ونأمل أيضاً العناية بالأدب المعاصر، وتوخي عناصر القدرة فيه، وجعل معظم الدروس الأدبية قائمة على ما يمس حياة العصر وحفز الناشئة على التحليل، ومحاولة الوصول إلى قواعد النقد وأصول الأدب. وذلك هو سبيل التبشير لا التنفير، في وقت سادت في المادية، وأغمضت العيون عن أفلاك الجمال، وجمدت العواطف عن الأدب الرخيص إن جاز أن يوصف بذلك أدب في الوجود.

وإذا أشمخر أصحاب الأبراج العاجية بأنوفهم قائلين (الأديب مطبوع لا مصنوع) فليس يعيب التربية الأدبية أن تعمل جاهدة على تربية الذوق وصقل الوجدان وتزكية العاطفة، وتنمية الملكة فضلا عن شغل الفراغ بما يبعث في النفوس كل شعور بالطموح، متى ساهم الفرد بقلمه ولسانه في أي أثر أدبي يستوجب التقدير والإكبار، وأياما كان فإنه سيظل مخلصا للأدب يتذوقه وينتجه

وما أشبه الإنسان بعربة يجرها جوادان أحدهما أسود والآخر أبيض فلا بد من حذوى ماهر يوفق بينهما، ذلك هو القلب الذي يستجيب للجمال في الموسيقى والغناء، والرواء الباهر، والانسجام الملهم، والتقاسيم الرائعة في بلد كل ما فيه يوحي بالأدب عامة، والشعر خاصة وهو فن الفنون.

وإذا ألمت بالمرء محنة كان لا بد له أن يتنفس وإلا انفجر المرجل، وليس غير الأدب هنا متنفسا يؤمن معه (صمام الأمن) وسرعان ما تستحيل غزيرة المقاتلة إلى أثر أدبي، فتهدأ العاصفة وتصفو الوجوه بعد الوجوم، كما أن الكبت إذا طال تسرب إلى كهوف الظلام، وأوغل في أوكار الفساد، ومن هنا تتداعى الانفعالات الوجدانية في صور رمزية فيها لصاحبها سلوان، وللشركاء ترضية وترفيه، وعلى السنة الطير والحيوان والأفلاك والأسماك متسع للجميع.

محمد محمود زيتون