مجلة الرسالة/العدد 874/نظرات في الأدب والفن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 874/نظرات في الأدب والفن

مجلة الرسالة - العدد 874
نظرات في الأدب والفن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 04 - 1950


بحث مقدم إلى مؤتمر اليونسكو

للأستاذ إبراهيم جمال الدين الرمادي

قبل أن نلقي هذه النظرات الجديدة على الأدب والفن نحب أن نتساءل ما هو الأدب وما هو الفن. أما الحديث عن الأدب من الناحية اللغوية فأكبر الظن أنه حديث معاد قد قتل بحثاً وتمحيصاً كما يقولون، ولكن هذا لا يمنع أن نلم بهذا الحديث إلماماً. فقد قيل إن كلمة أدب أصلها دأب والدأب هو العادة وقد جمعت على آداب على حد قولهم آبار في جمع بئر كما يقول نلينو. وقيل إن كلمة أدب من المأدبة وقيل غير ذلك أما الحديث عن الأدب من الناحية التعريفية فهناك تعريف يكاد يجمع عليه جمهور الأدباء وهو أن الأدب أن تجمع من كل شيء بطرف، فلا يصح للمرء أن يكون أديباً إلا إذا كان ذا معرفة بالمعارف العامة سواء كانت في اللغة وفروعها من نحو وصرف وبلاغة، أو كانت في الدين من قرآن وتفسير وحديث، أو في الفلسفة والسياسة والأخلاق؛ بل لقد تجاوز التعريف في عصر من العصور كل هذه الحدود فشمل المعرفة بألعاب النرد والشطرنج وما إليها. ولست أكتب هذا البحث لأتحدث عن الأدب بهذا المعنى إنما أكتبه لأتحدث عن الأدب من الناحية المعروفة في جميع اللغات وهو أنه الشعر والنثر.

والحديث عن الفن من الناحية اللغوية أكبر الظن أنه حديث معاد أيضاً، ولكن لا بأس من أن نلم به إلماماً ونعرض له عرضاً. فالفن في اللغة النوع، والأفانين الأساليب وهي أجناس الكلام وطرقه. والرجل المتفنن هو الرجل ذو الفنون، وأفتن الرجل في حديثه أو في خطبته بمعنى جاء بالأفانين. والفن في اللغات الأوربية هو المقدرة والبراعة في أداء عمل من الأعمال كالنحت أو الرسم؛ أو هو الملكة التي ترتفع عن الملكات الإنسانية المعتادة في أداء لون من الألوان.

والحديث عن الفن من الناحية التعريفية حديث طويل مستفيض لكن قبل أن نخوض في هذا الحديث نحب أن نفرق بين لونين من ألوان الفن: الأول هو الفن المجرد والثاني هو الفن الجميل. أما الفن المجرد فهو الناحية التطبيقية والمرانية للعلم؛ فالصباغة مثلاً فن لعلم الكيمياء لأنها تطبيق ومران على المواد الكيميائية. والبناء مثلاً فن لعلم الهندسة لأنه تطبيق ومران على الرسوم الهندسية وهلم جرا. ولهذا أطلقت كلمة فن على كثير من الحرف والصنائع كالتجارة والحدادة والتدريس والخطابة. ولكن الفن الجميل هو الترجمة عن الشعور بالجمال أو بالقبيح. وتنقسم الفنون الجميلة إلى الحفر والنحت والتصوير وهي فنون تمتع النظر فهي فنون بصرية، وإلى الموسيقى والشعر وهي فنون تمتع السمع فهي فنون سمعية. وقد جاء في لاروس أن الفن معروف عند العامة من الناس بجمع أو تركيب أشياء محسوسة بوساطة اللمس أو السمع لغرض الانتفاع منها مادياً أو أدبياً؛ فالصائغ مثلاً يجمع حبات الدر النضيد وقطع الذهب البراق كيما يصوغ منها قلائد وأقراطاً ابتغاء الزينة. وقل مثل هذا عن النجار الذي يصنع من قطع الخشب مناضد ومقاعد جميلة ابتغاء الجلوس وابتغاء الزينة بعد ذلك. أما في الموسيقى والشعر والحفر فالأمر يختلف فيها عنه في الصياغة والبناء؛ فالفنان لا يؤدي عمله ليترجم عن عاطفة جاشت في صدره أو لإحساس خلج قلبه، وهذا العمل قد لا يجدي نفعاً للإنسانية مثلما يجدي مقعد النجار أو بيت المهندس. ونعني بالفائدة الفائدة المادية لا الفائدة المعنوية، لأن الشعر والموسيقى فوائد معنوية كبرى لا يمكن أن يتطرق إليها النكران أو يرقى إليها الشك. . .

وأحب هنا أن أسجل ملاحظة لابد منها عن هؤلاء الشعراء أو أولئك الموسيقيين الذين يتكسبون بفنهم والذين يتخذون الفن وسيلة لعيشهم وذريعة إلى قضاء مآربهم؛ فهؤلاء الشعراء الذين يقفون على أعقاب الملوك والخلفاء والأمراء يكيلون لهم المديح كيلا براء من الفن، لأنهم لا يفكرون فيه بقدر ما يفكرون في العطايا والهدايا! حدثني بربك أي فن يتمثل في هذا البيت:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار=فأحكم فأنت الواحد القهار!

حدثني بربك أي فن يتمثل في هذا البيت وفي أمثاله ثم قل لي ألا يهدم هؤلاء الشعراء صرح الفن هدماً ويحطمونه تحطيماً. . .

هل فعلوا كما فعل لودفيج بيتهوفن عندما دعا إلى تأليف لحن موسيقي يصور انتصارات نابليون وعظمته وقوته وجبروته لقاء قدر عظيم من المال فألف هذا اللحن ثم لم يلبث أن لاح أمامه شبح الفن فمزق اللحن تمزيقاً.

العمل الفني إذاً تعبير عن شعور الفنان؛ ولكن ينبغي أن نقرر هذه الحقيقة وهي أن الذوق يلعب في الفن دوره، ولكنه مع هذا يلتقي عند جل الفنانين التقاء جمال وروعة وبهاء. وقد عرف بودلير الذوق أنه تطلع إنساني نحو جمال أسمى. وينبغي أن نقرر هنا حقيقة أخرى وهي أن الفن ليس تقليداً للطبيعة كما كان يظن أرسطو إنما هو إبراز ما هو جميل في الطبيعة وحذف كل ما هو مشوه، فقد يرى الرسام شجرة من الأشجار ويريد أن يرسمها فلا يرسمها بهيئتها التامة وشكلها الكامل إنما يرى من الفن أن يقلم بعض أفنانها ويقطع بعض أوراقها حتى تخرج أكثر ملاءمة للفن الجميل.

فالفن إذاً كدوحة سامقة قد رسخت أسافلها في الطبيعة وامتدت فروعها في الخيال. ولما كان الشعر قسيماً للنثر والشعر، والنثر مكونان للأدب والأدب فن من الفنون فإني أوثر أن نتحدث بعض الشيء عن تعريف الفن عند الفلاسفة والعلماء. قال أفلاطون الفن عبارة عن إظهار ما هو غامض في الطبيعة. وقال أستاذه أرسطو الفن تقليد للطبيعة. وقال فرنسيس بيكون الفن روح الفنان مضافة إلى الطبيعة. وقال ريزنج الفن هو المظهر الخارجي للآلة. وقال أميل زولا الفن هو الطبيعة ترى خلال شعور الفنان. وقال كوزان الفن هو التعبير الحر للطبيعة. وقال تين: الفن إخراج خاصيات الأشياء وإظهارها في شكل بارز. وقال جيته: الفن الجميل كقوس قزح لا يرتسم إلا فوق سطح معتم، ولهذا كان الحزن عنصراً مناسباً للعبقرية.

أما حديث أوسكار وايلد عن الفن فهو حديث ذو شجون: وقد قدم به مجموعة من أقاصيصه الرائعة في الأدب الإنجليزي فقال الفن صانع الأشياء الجميلة. وغاية الفن أن يكشف عن نفسه وأن يخفي شخصية الفنان؛ وما من فنان يشتكي الحدب أبداً. فالفنان يستطيع التعبير عن كل شيء في الحياة. وأرقى الفنون من ناحية القلب الموسيقى، وأرقى الفنون من ناحية الشعور التمثيل، وللفن ظاهر مكشوف ورمز مستور؛ ومن يتجاوز الظاهر يجازف بكل شيء، ومن يفهم الرمز يجازف بكل عزيز والفن ليس صورة الحياة بل صورة المستعرض للحياة وليس للفن نفع على الإطلاق!

ونحن أمام هذه التعاريف المختلفة والتعابير العدة عن الفن نكاد نخرج بنتيجة واحدة، وهي أن الفن ترجمة عن الجمال والقبح سواء اتصل هذا الجمال أو القبح بالعالم الداخلي وهو النفس، أو العالم الخارجي وهو الطبيعة. والفن وأعني به الفن الجميل لا يسعى وراء منفعة ولا يجري وراء غاية سوى اللذة الفنية التي يشعر بها الفنان.

وقد قال جوليان هكسلي رئيس لجنة التربية الثقافية بمؤتمر اليونسكو إن الفن إبداع فردي يقام فيه وزن للكيف والقيمة والفنون جزء من المعنى الثقافي للحياة أما العلم فيهدف إلى وحدة المعرفة وإلى إثراء كمي في العالم. ولكن جوليان فإنه أن يذكر هذا الفن الذي يمكن أن تتذوقه الأمم جميعاً وهو الفن الذي سنتحدث عنه بعد حين. لكن قبل الحديث عن الفن بمعناه الواسع أحب أن أتحدث عن الأدب بوصف الشعر فناً من الفنون.

من الباحثين من ينظر إلى الأدب عندما يؤرخه نظرة زمانية فيقول هذا أدب جاهلي وهذا أدب أموي وهذا أدب عباسي وهلم جرا أو هذا أدب كلاسيكي وهذا أدب رومانتيكي. ومن الباحثين من ينظر إلى الأدب عندما يؤرخه نظرة مكانية فيقول هذا أدب مصري وهذا أدب أندلسي وهذا أدب عراقي أو هذا أدب ريفي وهذا أدب ايرلندي وهلم جرا. . .

ومن الباحثين من ينظر إلى الأدب عندما يؤرخه نظرة تجمع بين الزمانية والمكانية. والفريق الذي ينظر إلى تاريخ الأدب نظرة زمانية إنما يجري الزمان الذي يمر عليه والأحداث التي تحدث له. والفريق الذي ينظر إلى تاريخ الأدب نظرة مكانية ينكر أثر الزمان؛ فالزمان لا وجود له، والمكان هو الاسم للظرف المادي أو الوجودي. والبيئة المادية مؤثرة في الأدب من حيث أنها وعاء محسوس يؤثر تأثيراً حاسياً مادياً عملياً يمكن إحساسه ويمكن قياسه وربما تأثر هذا الفريق بفكرة إلغاء الزمان أو بفكرة الزمان الوجودي إن أردت الدقة في التعبير؛ تلك الفكرة التي دعت بعض الفلاسفة إلى إلغاء الحاضر إلغاء. فالطفل لا يدري متى ينمو ولا كيف ينمو؛ والكلمة التي يتفوه بها الإنسان في الحاضر لا تلبث أن تكون ماضية فلا يمكن أن تجزم بوجود الحاضر. هذا في الفلسفة. أما في الأدب فالزمان اعتبار لا أكثر ولا أقل عند هذا الفريق. والبيئة هي المؤثر الأول في الأدب؛ فبيئة بلاد العرب تختلف عن بيئة مصر، ومن ثم كان أدب بلاد العرب يختلف عن أدب مصر: أما الفريق الثالث كما قلت فهو الفريق الذي يقف وسطاً بين المذهبين فتارة يميل إلى جهة اليمين وتارة يجنح إلى جهة اليسار!

وعندي نظرة جديدة إلى الأدب والفن بل إلى تاريخ الأدب والفن أيضاً، وهذه النظرة لا تعبأ بالزمان ولا تعبأ بالمكان ولا تعبأ لشيء مطلقاً قدر ما تعبأ بذاتية الأدب وذاتية الفن.

والشيء الذي أدعو إليه هو أن أوجد أدباً عالمياً يمكن أن يقرأه المصري ويقرأه الفرنسي ويقرأه الإنجليزي ويقرأه الأمريكي فيعجب كل منهم به، وأن أوجد أدباً عالمياً أيضاً فيقرأ رجل القرن العشرين نتاج أدب القرن الأول أو ما قبل القرن الأول فيعجب به أيضاً وأنا عندما أُريد أن أوجد هذا الأدب لا أوجده من العدم لأنه موجود فعلاً. فلا يزال كتاب التراجيديا يأكلون من فتات مائدة هوميروس كما يقولون. وما زلنا نقرأ الإلياذة والأوديسة فتعجبنا هذه العواطف المتطاحنة وهذه الانفعالات الصاخبة في شعرهما. ولا زلنا نقرأ شعر الغزل المصري القديم فنجد فيه رقة وعذوبة وجمالاً. ويكفي أن أذكر قطعة غزلية مصرية قديمة لتكون دليلاً على هذا القول ومن احتاج إلى أكثر من ذلك فليرجع إلى كتابي شعراء الحب في العالم. اسمع قول الشاعر

(إذا قدمت خفق قلبي وطوقتها بذراعي فشعرت بالسعادة في أعماق قلبي. وإذا دنت مني وفتحت ذراعيها إلي شعرت كأن أزكى روائح العطور تغمرني. فإذا أدنت شفتها من شفتي ولثمتني فهناك السكر ولا خمر!)

ومن الشعراء العرب من تحدث عن سقيا الخمر بالنظرات وعن رضاب حسناه برود وما شابه هذا مما لا داعي لتفصيله في هذه العجالة.

بل من منا من لم يقرأ قصيدة لامارتين البحيرة التي صور فيها أوقات الهوى مع حبيبته جوليا فوق صفحة البحيرة الرقراقة وتحت أضواء النجوم! المتألقة في السماء الزرقاء وبين إيقاع لمجاديف وهمسات الأمواج فلم يعجب بلامارتين وقصيدته قدر أو أكثر من إعجابه ببركة البحتري ووصف معالمها وأركانها!

بل من منا من لم يقرأ قصائد أدجار ألن يو المترجمة أو ماشوز الشاعر الأمريكي الرائع ولاسيما في الغزل فلم تنضح عيناه بدمعة ولم يتأوه قلبه بحسرة ولم يتحرك لسانه بآهة!

بل من منا لم يقرأ شكسبير ومسرحياته الروائع التي اقتحمت البلاد جميعاً ووجد فيها الشرقي والغربي أشخاصاً يشعرون بشعوره ويحسون بأحاسيسه؟! بل من منا من يسمع أقوال لقمان الحكيم منذ فجر الزمان وحكم الفرس فلم يعجب بالحنكة والخبرة ودرس الزمان! بل من منا من لم يقرأ حكم طرفة وزهد المعري وأبي العتاهية الذي يصدق على كل آن ومكان؟ إن الناس مهما اختلفت أذواقهم وطباعهم فإنهم لابد ملتقون سواء رضوا أم لم يرضوا في الإنسانية. فغرائزهم واحدة وتفكيرهم في منشأه واحد. ولهذا كان أقرب أبواب الأدب الذاتي إلى ذوق العالم بابا الغزل والحكمة، لأن الأول يختص بالعاطفة والثاني يختص بالعقل. أما الأبواب الأخرى في الشعر فتتأثر بعوامل أخرى أكثر وضوحاً وبياناً. . . وكان أقرب أبواب الأدب الموضوعي إلى ذوق العالم أدب القصة والمسرحيات.

بينت حتى الآن أن هنالك أدباً عالمياً نعجب به جميعاً، ولكني أحب أن أقرر شيئاً وهو أنني لا ألقى بهذه لنظرة لتكون قضية مسلماً بها فهذا لا يكون في الأدب. لأن الأدب لا ينتهي عند قرار كما هو الحال في العلم، فنحن عندما نقول مثلاً إن قيس ليلى زعيم مدرسة شعر الحب العنيف، وعمر بن أبي ربيعة زعيم مدرسة شعر الحب الصريح، لا نعني من لفظة مدرسة المعنى المعروف في الفلسفة مثلاً. فأنا أعرف شعراً لقيس ليلى يدخله في دور الفاحشين، وأنا أعرف شعراً لعمر بن أبي ربيعة يدخله في دور المتورعين. فالمسألة في الأدب ميل غالب بدلاً من أن نترك الأدب كالبحر الخضم الذي ليس له شاطئ وليس له قرار. فعندما أقول إذن إن هناك أدباً عالمياً لا أعني أن هذا الأدب يجب أن يعجب جميع أفراد العالم، إنما أعني أن الإعجاب يكاد يكون الميل الغالب بين الأمم نحو هذا الأدب. وهذه الفكرة موجودة في الطبيعة أيضاً فعندما نقول منطقة الغابات المدارية تليها منطقة السافانا لا نعني أن النباتات تأتي عند حد فتختلف اختلافاً عظيماً وهو الاختلاف بين الغابات المدارية والسافانا، إنما تتدرج النباتات المدارية حتى تصبح من نباتات السفانا. فليس الخط الفاصل بين المنطقتين إذن إلا خطاً وهمياً يعصم من الالتباس، وهكذا الحال في الأدب فالقضايا ليست إلا قضايا تقريبية إن صح هذا الضرب من التعبير عند المناطقة.

إذن فهنالك أدب عالمي لا يدرس بالزمان ولا بالمكان؛ وإذن هنالك شعراء عالميون لا يدرسون بالزمان ولا بالمكان؛ بل هنالك شعر عالمي إن أردت أن تكون أكثر دقة، فالشاعر قد يبدع حيناً؛ وقد يسف حيناً آخر، وقد يرتفع تارة إلى آفاق البلاغة وينحدر تارة إلى أعماق الركاكة لاختلاف مزاجه وتباين عاطفته. ومهمة الأديب في العصر الحديث بل مهمة اليونسكو في العصر الحديث يجب أن تكون البحث عن هذا الأدب وهذا الشعر لنشره بين الناس جميعاً وترجمته بجميع اللغات. فأوديب الملك مثلاً استمرت تغزو الأدب الأوربي زمناً طويلاً فتأثر بها كورني وفولتير وفيكتور هيجو، ومسرحية فاوست لكرستوف مارلو تأثر بها جيته فيما بعد ولازالت تمثل حتى اليوم على المسرح فيعجب بها الجمهور إعجاباً شديداً ويتعجب منها ومن الشياطين العابثة بالأرواح عجباً عظيماً. بل لم نذهب بعيداً ونحن نجد إقبال الجمهور المصري على السينما الغربية وهي فن من الفنون يزداد على إقباله على السينما العربية بأضعاف وأضعاف.

وكما أدعو إلى أدب عالمي أدعو إلى موسيقى عالمية يحاول الموسيقار الحديث بل تحاول هيئة اليونسكو إبرازها إلى الوجود. ولست أعني بالموسيقى العالمية هي تلك الموسيقى الصاخبة الداوية في المراقص أو الفالس والتانجو والرومبا والفوكس تروت إنما أعني الموسيقى التي تطمئن إليها النفوس جميعاً سواء ارتفعت إلى تصوير شوبان وشوبير وتشيوفسكي أو انحدرت إلى صفير الصافر أو زفير الزافر أو عزيف العازف على الناي على ضفاف البحيرة أو حافة الغدير! فقد يصفر الفلاح الرقيق الحال في نايه فيخرج منه نغم حلو طروب يهز أوتار القلوب يعجب الفلاحين في مصر والمثقفين في مصر كما يعجب الفلاحين والمثقفين من القوزاق في روسيا أو غير روسيا. ومهمة اليونسكو إذن هي البحث عن هذا النغم ومهمة الموسيقيين من وراء اليونسكو البدء في العمل.

وحينئذ يمكن أن تتفاهم الشعوب وحينئذ يمكن أن تتآلف الأرواح بين الشعوب ويتجنب العالم قدر الاستطاعة الحروب لا لشيء إلا لأن الأمم استطاعت أن يفهم بعضها بعضاً عن طريق الأدب والفن.

إبراهيم جمال الدين الرمادي