مجلة الرسالة/العدد 865/صور من الحياة:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 865/صور من الحياة:

مجلة الرسالة - العدد 865
صور من الحياة:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 01 - 1950


خيانة امرأة

- 1 -

للأستاذ كامل محمود حبيب

يا قارئي:

هذا صاحبي انضم على أشجانه حيناً من الزمان، يكتم الأسى بين جوانحه ويدفن الضني بين ضلوعه حتى أثقله الهم وأرهقه الوجد، فجاء ينثر عبرات قلبه بين يديك علك تسمع فيها أنات روحه الحزينة أو تحس وجيب فؤاده الكسير، فتلفحك حرقة اللوعة أو تهزك سفعات الضيق، فتهديه إلى الرأي الذي عذب عن فكره وتبصره بالصواب الذي ند عن عقله. فهل تعينه برأي منك فيه العقل والصواب؟

كامل

يا عجباً! ما للطبيعة الوادعة تثور على حين فجأة فيضطرم لظى الغيظ في جوانبها ويحتدم أوار الغضب في نواحيها، فلا تسكن غائلتها إلا أن تنثر معاني الموت والدماء في ثنايا الحياة الوثابة، وإلا أن تنفث آثار الخيبة والضياع في زوايا الأمل الباسم، وإلا أن تبذر غراس الأسى والكمد في أضعاف القلوب الهادئة المطمئنة؟

يا لقلب الإنسان حين تتناوحه ثورات الطبيعة الجارفة فلا يجد مفزعاً من الرياح الهوج وهي تعصف حواليه زقرافة تريد أن تلفه في إعصار من الهم، ولا من الموج العاتي وهو يهدر مهتاجاً يحاول أن يبتلعه في يم من الوجد، ولا من الصواعق القاسية وهي تنحط عليه لتنفضه بين شحنتين من الضيق والملل، ولا من البركان وهو يقذفه بالحمم لظى يتوقد وهيجه يبتغي أن يحرقه بنار الشجن!

يا لقلب الإنسان حين تتعاوره ثورات الطبيعة الجارفة فلا يجد مفزعاً إلا أن يسمو عن النزعات الترابية، وإلا أن تعلو روحه عن المعاني الأرضية، فيقبس من نور السماء الهدي والراحة والسكينة حين يطمئن قلبه بالايمان وتهدأ خواطره بالعقيدة

جلس إلي صاحبي بعد أن حجبته نوازع العيش عني سنوات، فعز عليّ أن أراه خاشع الطرف كاسف البال مطأطئ الرأس مضطرب الخاطرة، وهو كان فتى طروباً يتنزى مرحاً وبهجة، ويتوثب سروراً وفرحاً. وعز عليّ أن ألمس سمات الأسى تضطرم في أغوار قلبه بشبابه وتغض من نضارته؛ وأن أحس لفحات الحزن تتأجج بين طيات ضلوعه فتذره ضعيفاً واهياً يتعبد

للجزع فتنحط قوته ويستذل للهم فيضوى عوده، وهو رجل فيه القوة والفتوة لا يعجزه أن يجد أسباب المتعة، وفيه العقل والثراء لا يؤوده أن يسري عن نفسه بعض أشجانها، وفيه الرأي والنشاط لا يهن عن أن يتلمس مسالك المرح

وجلست أنا إليه أنفضه بنظراتي وقد انعقد لساني عن الكلام لأنني شعرت بأن روحه غريبة عن روحي، وأن نوازعه لا توائم طبعي، وانطوت ساعة من زمان

وتكلم صاحبي بعد صمت فبدا لي كأن كلماته تصاعد من أعماق نفسه، أنات ينتفض بها قلبه الواهي، وهو يئن تحت وقر من الأسى يطحنه في غير شفقة ولا ورحمة، فقال: أما قصتي فهي:

لقد كانت هي فتاة قاهرية تتألق في ريق الشباب وتتألق في بهجة العمر، لم تسم إلى أوج الجمال ولا انحطت إلى قرار الدمامة شذبتها المدينة فنزعت عنها حماقات الجهل والغلظة، وصاغتها الحضارة على نسق من الرقة واللين؛ ووسمتها المدرسة بطابع من الدهاء والمكر، وصبغتها السبما بفنون من الأنوثة والدلال، فبدت كالزهرة الفواحة لا يحجبها الورق ولا يمنعها الشوك. أما أنا فكنت فتى بدوي الطبع ريفي الشمائل مدني العقل، أترفع عن خداع المدينة وأتنزه عن لؤم الحضارة وأسّمو على دنس الحيوانية

وتلاقينا على ميعاد، فراقني منها. . . أول ما راقني. . . أن أراها تشاركني الرأي في غير خضوع وتجاذبني الحديث في غير جهل. وعهدي بالمرأة في الريف تمعن في الحجاب فلا تجلس إلا إلى محرم ولا تتزين إلا لزوج، تعيش في زاوية من الدار هملا كأنها بعض المتاع، لا رأى لها ولا عقل. وأعجبني أن أحس في فتات الأنس والسكينة فعقدت العزم على أمر

وانطلقت إلىأبيفي القرية أنشر أمامه طوايا نفسي المشرقة وأحدثه بأمل قلبي الغض، فرمقني بنظرات فيها الشفقة والحنان غير أنها كانت تنطوي على معاني جياشة من الازدراء والمقت، ثم قال في استسلام (أنت وما تريد، يا بني!) فأحسست في صوته نبرات الكراهية والبغض واستشعرت في كلمات رنات الرفض والآباء. وحز في نفسي أن أرى أبي يكتم عني الرأي ويضن بالنضيحة؛ فقلت له. يا أبي، إنني ألمس من وراء كلامك دوافع نفسك وخلجات فؤادك، فلماذا تمسك عني الرأي وتبخل بالمشورة؟) قال (يا بني؛ إن في الشباب جماحاً يدفعه عن أن يستسيغ الرأي، وإن به شماساً ينزعه عن أن يسمع حديث العقل. فهو عبد الرأي الفطير والفكرة الفجة) قلت (ولكنني أوقن بأن في الشباب زلات لا تقيمها إلا تجارب الشيوخ، وأن فيه عجزاً لا يكمله إلا عقل الشيوخ، وأن فيه نزوات لا يقيدها إلا رأي الشيوخ) قال (وفي الشباب بريق يخطف البصر، بريق يتألق في حديثهم وهو يتسم - دائماً - بسمات المنطق المصنوع والفلسفة الخاوية، بريق يتألق في الحديث ويخبو في العمل) قلت (وماذا يصيرك إن أنت أسديت النصح لأبنك؟ لعلك تخشى أن لا تجد أذناً تسمع ولا قلباً يعي؛ أو لعلك تضن بتجاربك على بعد أن يلفت مبلغ الرجال وأصبحت موظفاً في الحكومة، خيفة أن أسخر من رأي أو أن أهزأ بفكرة) قال (يا بني، لست أخشى رأي الشباب في عقل الشيوخ) ثم أخذأبييناقشني في عنف ويجادلني في شدة لا بني عن أن يصرفني عن نوازع نفسي ويدفعني عن رغبات قلبي فقال (إن القروي، يا بني؛ لا يحس في الزوجة إلا المتعة والمتاع ولا يطلب إليها إلا الطاعة والاستسلام، أما أنتم فتلمسون فيها الرفيقة والصاحبة. والرفيق. . . في رأيي - هو عون رفيقه وساعده، وهو هدي صاحبه إن ضل ونبراسه إن تاه وموثله إن سدت في وجهه السبل، فهل تستشعر في فتاتك معاني الرفيقة؟) قلت (نعم، فأنا أرى فيها العقل والرأي معاً) قال وهو يبسم في سخرية (إن المرأة لا تجد العقل إلا في الشارع) قلت (وهي تجده في العلم وفي المدرسة وفي الجامعة) قال في جد (وبين البيت والمدرسة أفانين من الحياة وصنوفاً من العقل تتنقفها الفتاة في غدوها ورواحها فتتقنها قبل أن تتقن الدرس، وتجيدها قبل أن تجيد العلم، وتعيها قبل أن تعي المطالعة) قلت (ولكن الفتاة العاقلة المهذبة تثور معاني الشرف والكرامة في دمها فتسمو بها عن الزلل وترفعها عن السقوط) قال (وهل تستطيع المرأة البرزة أن تحبس دم الشباب الفوار عن أن يصرخ في عروقها صرخات شيطانية وضيعة حين تجلس إلى الرجل في غير رقبة ولا حذر؟) قلت (يا أبي! إنك تتجنى على المرأة المتعلمة) قال (وفي رأيي، إن المرأة المتعلمة لا تتورع عن أن تسلك إلى قلب، زوجها مسالك فيها الخديعة والمكر، ولا تترفع عن أن تنفذ إلى مال زوجها في مسارب فيها الإغراق في التبديد والإفراط في البذل؛ فلا تبقى على عهد ولا تبقى على مال) قلت (هذا غلو، يا أبي) قال (وإذا تفلسفت الفتاة في الدار جمحت بها نزوات الطيش فأنكرت وظيفتها وجحدت مكانتها فتستحيل طمأنينة الزوج إلى فزع ما ينتهي ويحور هدوء الدار إلى ثورة ما تنقضي. أن المرأة التي تلد الفلسفة تلد الهم والأسى والضيق في نفس الرجل. . .) قل (يا أبي. . .) فقال هو مقاطعاً (فإذا لم تصلك بزوجك صلات من القربى ووشائج من الدم عبثت بشرفك وفرطت في كرامتك وبددت ثمار كدك) قلت في لهفة (ولكني. . .) قال (ولكنك تحب فتاتك. لا عجب، فهي قد اغترتك عن نفسك وخدعتك عن عقلك وسحرتك عن صوابك، لأنالمرأة المتعلمة كالثعلب تمكر بصاحبها حتى يقع في شباكها ثم لا تلبث أن تذيقه وبال غفلته وحمقه) قلت (يا أبي، لا ريب فنزوات الشباب تطم - دائماً - على العقل وتعصف بالرأي، وسأفكر فيما قلت)

وخرجت من لدن أبيبعد أن عزني في الخطاب، وإن كلماته ترن في أذني وأن حديثه يدوي في عقلي فعزمت على أن أنبذ فتاتي إلى فتاة من ذوي قرابتي

وانطوت الأيام فإذا أنا إلى جانب فتاتي القاهرية أبثها لواعج الهوى وأشكو إليها حرقة الغرام، ثم لبثت أن سميت على خطبتها فتزوجها. ووقف أبي إلى جواري ليلة الزفاف وقف كارهاً وهو ينفضي بنظرات فيها الألم والحسرة، فاضطرب قلبي وتزعزعت سكينتي

وتزوجتها فإذا كان منها وماذا كان. . . يا قلبي؟

(يتبع)

كامل محمود حبيب