مجلة الرسالة/العدد 865/الققص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 865/الققص

مجلة الرسالة - العدد 865 الققص
المؤلف: أنطون تشيخوف
المترجم: أحمد بدران
القبلة Поцелуй هي قصة قصيرة بقلم أنطون تشيخوف نشرت عام 1887. نشرت هذه الترجمة في العدد 865 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 30 يناير 1950



القبلة

بقلم الأديب أحمد بدران

(قصة ملخصة عن أنطوان تشيكوف)

في الساعة الثانية من مساء العشرين من مايو، كانت ست فرق من المدفعية في طريقها إلى معسكراتها، فتوقفت لقضاء الليل في قرية (مستشكو) وبينما كان بعض الضباط منشغلين ببنادقهم وآخرون قد تفرقوا في الميدان يستمعون لأوامر القيادة العليا. أقبل فارس بملابس مدنية من وراء الكنيسة واقترب من بعض الضباط وقال وهو يرفع قبعته (إن صاحب السعادة الجنرال فون رابك المقيم هنا يسره أن يدعوكم لتناول الشاي

) ثم رفع قبعته مرة ثانية ومضى وراء الكنيسة.

وزمجر بعض الضباط (عندما يرغب المرء أن يأوي إلى فراشه يأتي هذا الفون رابك ودعوته. إننا نعرف معنى ذلك) وتذكر كل ضابط من الفرق الست حادثة وقعت لهم في العام الماضي أثناء المناورات عندما دعوا هم وضباط إحدى فرق القوساق لتناول الشاي وكيف قابلهم الكونت بحفاوة فائقة وأصر على أن يقضوا الليل في منزله. وكان هذا منه جميلا. ولم يكونوا يرغبون في أكثر من ذلك. لولا أن الكونت كان شديد الاغتباط بصحبة هؤلاء الشبان فظل حتى مطلع الصبح وهو يثقل عليهم بحوادث ماضيه السعيد ويقودهم من حجرة لأخرى ليريهم صوره الثمينة ولوحاته النادرة، ويقرأ عليهم خطابات تقلها من مشاهير الرجال. وكان الضباط المنهكين يشاهدون ويستمعون وهم في شوق إلى مضاجعهم. وظلوا يخفون تثاؤبهم وراء أكفهم وعندما تركهم مضيفهم في النهاية كان الوقت متأخراً جداً للنوم.

هل يختلف فون رابك عن ذلك؟ على أي حال لم يكن بد أن يغتسل الضباط ويرتدوا ملابسهم ويذهبوا إلى منزل الجنرال وكان في المقدمة لوبنكو الملازم وهو طويل القامة عريض المنكبين حليق الشارب في الخامسة والعشرين رغم أنه يبدو أصغر من ذلك له شهرة في كل السلاح أنه يحس وجود المرأة في أي مكان عن بعد، وتلفت حوله ثم (نعم إني واثق أن هناك بعض النساء، إنني أحس ذلك بالسليقة) وعلى باب المنزل قابل فون رابك الضباط بنفسه وكان رجلا وجيهاً في الستين يرتدي ملابس مدنية، وقال وهو يصافح ضيوفه أنه يسره ويسعده أن يلقاهم وسألهم المعذرة إذ لهم يدعهم لقضاء الليل إذ حضرت أختاه وأولاهما وأخواه وبعض الجيران ولذا فليس هناك حجرة واحدة خالية، وقد لاحظ الضباط أن الرجل ليس شديد الاغتباط بوجودهم ويبدو أنه ما دعاهم إلا مراعاة لآداب اللياقة. وفي حجرة الاستقبال قابلتهم سيدة طويلة بوجه بيضاوي وحواجب كثيفة تشبه (الإمبراطورة أوجيني!) ورحبت بهم بابتسامة أنيقة. ولما دخل الضباط حجرة المائدة وجدوا مجموعة من الرجال والسيدات مختلفي الأعمار جالسين في ناحية من المائدة يتناولون الشاي. ومن خلف مقاعدهم كانت مجموعة من الرجال تحيطهم هالة من دخان السجاير ومن وراء هذه المجموعة كانت تبدو خلال الباب غرفة أخرى ناصعة الإضاءة مؤثثة بأثاث أزرق فاتح، وقال الجنرال بصوت مرتفع متكلفاً المرح (أيها السادة إنكم من الكثرة بحيث يستحيل أن أتولى تقديمكم فلتقدموا أنفسكم بطريقة عائلية). وانحنى الضباط وبعضهم يتكلف الرزانة والبعض يغتصب ابتسامته وكلهم يشعر بعدم الراحة، وجلسوا إلى المائدة. وكان أشدهم قلقاً الضابط ريابومتش وهو رجل قمحي بوجه يشبه وجه القط وشواربه مهدِّلة ويضع على عينيه نظارات، وكان لا يستطيع أن يركز اهتمامه في شيء معين. فقد كانت الوجوه والملابس وزجاجات الخمر كلها تختلط في إحساس واحد مضطرب كأنه محاضر يواجه المستمعين لأول مرة، وكان يرى الأشياء أمام عينيه لكن لا يدرك منها شيئاً (تلك حالة تعرف في الفسيولوجيا باسم العمى النفساني!). ثم عاد إلى نفسه وأخذ ينظر فيما حوله. ولما كان خجولاً ولم يعتد ارتياد المجتمعات فقد أدهشته جرأة معارفه الجدد، فون رابك وزوجه وسيدتين كبيرتين وفتاة في ثوب بنفسجي وشاب في بذلة حمراء تبين أنه ابن رابك الأكبر، هؤلاء وزعوا أنفسهم بمهارة بين المدعوين وبدءوا نقاشاً لا يستطيع الضيوف إلا أن يشتركوا فيه، بينا تراقب عيونهم الأطباق والأكواب ليروا أن الضيوف يأكلون ويشربون، وأزداد ربايوفتش تقديراً لهذه الأسرة.

وبعد تناول الشاي انتقل الضباط إلى حجرة الجلوس، ولم تخب فراسة الملازم لوبنكو فقد كان هناك الكثير من الفتيات والسيدات والشابات في الحجرة، وكان الملازم الجسور يقف بجانب فتاة في رداء أسود منحنياً نحوها وهو يبتسم ويحرك كتفه في رشاقة، ولا بد أنه كان يتحدث إليها في تفاهة مسلية لاشك فإن الفتاة الجميلة كانت تنظر إلى وجهه المستدير وتجيب دائماً (حقيقة!؟) وبدأ بعضهم يدق على البيانو وكانوا في مايو والجو جميل ومنظر أشجار الخور والورد وأزهار البنفسج يبدو رائعا.

ودعا فون رابك فتاة طويلة نحيلة على الرقص ودار دورتين أو ثلاثا في الحجرة فبدأ الرقص وتقدم لوبنكو على الفتاة ذات الثوب البنفسجي وقادها خلال الغرفة. ووقف ريابوفتش بجانب الباب مع الرجال الذين لا يرقصون، يراقب، فجاء فون رابك الابن ودعا اثنين من الواقفين إلى لعب البلياردو، ويتبعه بعض الضباط ولما كان ريابوفتش بحاجة إلى شيء يعمله وكان يرغب أن يشترك بأي طريقة في المهرج العام فقد ذهب ورائهم. ومروا من حجرة إلى أخرى إلى أن دخلوا في النهاية قاعة البلياردو وبدأ اللعب ووقف ريابوفتش يراقب اللعب وأنه لم يلعب في حياته كما لم يرقص، ولم يعره اللاعبون اهتماماً، فقط عند ما يصطدم به أحدهم يقول له بأدب (معذرة) ولما انتهت الجولة الأولى بدا له بقاؤه غير مرغوب فيه فغادر القاعة.

وفي منتصف الطريق في عودته لاحظ أنه ضل السبيل فقد وجد نفسه في غرفة معتمة لا يذكر أنه مر بها في قدومه فمضى عائداً ثم انحرف إلى اليمين وفتح أول باب صادفه فوجد نفسه في غرفة مظلمة وإن كان يبدو من خلال بابها حجرة أخرى وضئية وكانت النافذة مفتوحة تطل منها أفرع أشجار الحور ويفوح فيها عبق الورد والبنفسج، ووقف رباموفتش مرتبكا وفي هذه اللحظة سمع وقع أقدام تقترب بسرعة ثم حفيف ثوب وصوت امرأة ينبض بالعاطفة فهمس (أخيراً) ثم أحس بذراعين بيضتين جميلتين تحيطان عنقه، ووجنة دافئة على خده ثم صوت قبلة، لكن في الحال صرخت المرأة صرخة مكتومة وبدت لريانوفتش أنها فزعت ولقد أوشك هو أن يصيح لكنه مضى مسرعاً ولما عاد إلى قاعة الجلوس كان قلبه يدق بسرعة ويداه ترتجفان حتى أنه أخفاهما وراء ظهره وتملكه أول الأمر شعور بالخجل والعار وبدا له أن كل واحد في الحجرة لابد يعلم أن امرأة قبلته وعانقته منذ لحظة ونظر حوله لكن لم يجد أحداً يلتفت إليه وكان كل من حوله يرقص ويغني؛ لذا لذ له أن يستعرض ما مر به، كان عنقه الذي أحاطت به الذراعين الناعمتين يبدو كأنه بل بزيت وعلى خده بجانب أذنه اليسرى حيث قبلته الفاتنة المجهولة شعور جميل بالبرودة كتبخر النعناع؛ وقد ملئ من قمة رأسه إلى أخمص قدمه بشعور غريب أخذ ينمو ويزداد كان يريد أن يرقص ويتكلم ويجري في الحديقة ويضحك بصوت عال، ونسى شعوره بالنقص ولما مرت به زوجة فون رابك تلمحها ابتسامة عريضة جعلتها تقف وتنظر إليه في دهشة فقال لها وهو يثبت نظارته، إني أحب منزلكم حقيقة!) فابتسمت السيدة وقالت إن المنزل كان لوالدها ثم مضت تسأله إن كان والداه على قيد الحياة، وكم مضى عليه في الخدمة وما إلى ذلك؛ ولما مضت شعر ريانوفتش بالسرور وبأنه محاط بقوم كرام وابتسم، وفي العشاء أكل وشرب كل ما وضع أمامه، ولم يسمع شيئاً مما كان يقال بل كان يفكر دائماً في مغادرته المدينة، لا ريب أن فتاة أو سيدة قد واعدت شخصاً في الحجرة المظلمة، ولما كانت مضطربة لأنها أطالت الانتظار فإنها أخطأت وحسبته فارسها خاصة وإنه وقف مرتبكاً لدى دخوله كأنما ينتظر شخصاً. على هذا الأساس فسر ريانوفتش القبلة التي نالها، لكن من تكون هي! وأخذ يدقق في ملامح الموجودات لابد أنها شابة فالعجائز لا يواعدن الرجال في الظلام!) ووقع نظره على الفتاة ذات الثوب البنفسجي بدت له جد جذابة لها كتفان وذراعان جميلان ووجه زكي وصوت جميل وقرر ريانوفتش أنها هي ولا يمكن أن تكون سواها، لكنه وجد ابتسامتها متكلفة وكانت تحك أنفها الطويل الذي يجعلها تبدو كبيرة السن، فنقل بصره إلى الفتاة ذات الثوب الأسود وكانت أصغر سناً وألذ بساطة ولها خدود جميلة وأراد أن تكون هي لكنه وجد ملامحها مستوية، ونقل اهتمامه إلى جارتهم ثم قال. لا يستطيع المرء أن يعرف! فلو أخذنا الذارعين والكتفين من فتاة الثوب البنفسجي والوجنات من هذه الفتاة والعينين من تلك التي تجلس إلى شمال لوبتكو. . . وفي خياله وضع نموذجاً للفتاة التي قبلته.

وبعد العشاء، وقد امتلأ لبيوت بالطعام والشراب. شكروا مضيفهم وأستاذنوا في العودة وقال الجنرال بحرارة هذه المرة (لقد سعدت بلقياكم يا سادة (الضيوف الراحلين يعاملون بكرم أكثر من العاديين!) وارجوا أن تعيدوا الزيارة في رجوعكم وخرج الضباط وكل منهم يفكر هل يملك يوماً مثل هذا البيت وتكون له عائلة وحديقة ويباح له أن يدعو ضيوفاً ولو من قبيل المجاملة وتجعلهم يخرجون راضين مغتبطين، ولما وصلوا إلى خيامهم خلع ريانوفتش ملابسه بسرعة وذهب إلى سريره وأخذ يفكر وهو ينظر إلى السقف غني لأعجب من تكون! كان شعور الزيت مازال على عنقه والإحساس بالرطوبة حول فمه وخيال فتاة، لها كتفان ذات الرداء البنفسجي ووجنات ذات الثوب الأسود وخدها وملابس تلك ومجوهراتها تلوح أبداً في مخيلته وحين يغمض عينيه يسمع الخطوات المسرعة وحفيف الثوب وصوت اقبله وشعور عميق بالسرور يتملكه لم يفارقه حتى وهو نائم.

وفي الصباح غادرت الفرقة القرية، ولما مروا بمنزل فون رابك نظر يابوفتش إلى المنزل وكانت الستائر مسدلة فلا ريب أنهم ما زالوا نائمين. وهي أيضاً نائمة. . . وتخيلها على فراشها وغرفة نومها ذات النافذة المفتوحة تطل منها غضون الحور وهواء الصبح المنعش ومنظر الورود والبنفسج، والسرير، وكرسي إلى جانبه على ثوبها الذي كانت ترتديه بالأمس وخفيها إلى جانيه. وساعتها على منضدة كل هذه الأشياء رآها بالأمس بوضوح لكن الوجه! كانت صورته تنزلق من خياله كالزئبق من بين الأصابع. ولما أوشكت القرية أن تختفي عن ناظريه شعر رياوفتش بالأسى كأنه خلف فيها شخصاً قريباً إليه عزيزاً لديه ولما وصلت الفرق إلى مقصدها واستقر الضباط في خيامهم جلس ريابوفتش مع لوسكو ومرسليكوف يتناولن العشاء وكان مرسليكوف يأكل ببطيء وهو يطالع جريدة على ركبتيه ولوتكو يتكلم دون انقطاع ويمضي في ملأ كأسه بالخمر أما ربايوفتش فكان مازال غارقاً في أحلامه يأكل في سكون بعد أن شرب ثلاثة كؤوس أمضه الصمت وشعر برغبة ملحة في أ، يقضي إلى زميليه بعواطفه الجديدة فقال وهو يحاول أن يخفي تأثره ويجعل الصوت عادياً. . . حدثت لي حداثة مضحكة عند آل رابك ذهبت إلى غرفة البليارد كما تعلمون. . .

وابتدأ يقص الحادثة بتفاصيلها ودهش إذ لم يستغرق سردها إلا وقتاً قصيراً - أقل من دقيقة - وكان يظنها تستغرق الليل بأكمله. ولما كان لوبتكو كذاباً جريئاً فلم يكن يصدق أحداً لذلك ابتسم ابتسامة الشك. أما مرسليا كوف فقد رفع حاجبين دون أن يرفع نظره من الجريدة وقال. . . حادثة غريبة ولا ريب. أن ترمي بنفسها في أحضان رجل دون كلمة. لابد أن الفتاة عصبية على ما أعتقد!. فوافق ريابوفتش قائلاً. لا ريب في ذلك. . . عندئذ بدأ ريابوفتش يقول. حدثت لي ذات مرة حادثة مماثلة كنت مسافراً إلى كوفنا في العام الماضي وكنت في الدرجة الثانية والعربة مزدحمة فاستحال علي النوم. وناديت فراش القطار وأعطيته نصف روبل فحمل متاعي وأخذني إلى عربة النوم. واستلقيت وتغطيت بملاءة، وكان الظلام كثيفاً، وفجاءة شعرت بشخص يمس كتفي ويتنفس في وجهي وأخرجت ذراعي وتحسست ذراعا، وفتحت عيني فلم أكد أصدق فقد كانت سيدة بعينين سوداوين وشفتين قرمزيتين وأنف يتنفس بالجنان وصدر ناهد. . . وهنا قاطعه مرسليا كوف رأيت لون شفتيها وعينيها في الظلام؟! فأخذ لوبتكو يسخر من افتقار مرسليا كوف إلى الخيال، وتضايق ريابوفتس وتركهما واستلقى على فراشه وعاهد نفسه ألا يكون فضفاضاً بعد الآن.

وابتدأت حياة المعسكر، وتتابعت الأيام متماثلة وكاريابوفتش يفكر ويشعر ويتصرف كرجل يحب، وحين يتحدث زملاؤه عن الحب والنساء كان يقترب ويستمع ويأخذ وجهه هيئة الجندي الذي يسمع قصة معركة خاض غمارها. وفي المساء إذا ما انتابه الأرق، وفي ساعات الفراغ كان يستعيد منظر قرية مستشكو والمنزل العجيب درابك وزوجته التي تشبه الإمبراطورة أوجيني والحجرة المظلة وما جرى فيها.

وفي الواحد والثلاثين من أغسطس صدرت الأوامر لفرقتين فقط بالعودة، وكان من العائدين وفي الطريق كان مهتاجاً كأنه عائد إلى مسقط رأسه، ومرة أخرى اشتاق إلى منزل رابك، وكان صوت داخلي (كثيراً ما يخدع المحبين) يؤكد له أنه سيلقاها وبدأ يعجب كيف يحييها وماذا يقول لها، هل نسيت كل شيء عن القبلة، ولو حدث أسوأ ما يتوقع ولم يرها فإنه على الأقل سيمر بالغرفة المظلمة ويتذكر.

وعند الغروب بدت الكنيسة المعهودة في الأفق، ودق قلب ريابوفتش بسرعة، ولم يعد يسمع حديث الضابط الراكب بجانبه، وبشوق عظيم نظر إلى النهر يتدفق، وإلى سطح المنزل ثم وصلوا إلى الكنيسة، ونزلوا بالساحة وسمع أوامر القيادة وهو يتوقع من لحظة لأخرى أن يرى الفارس قادماً ليدعوهم إلى بيت الجنرال، ولكن مضى الوقت ولم يأت الفارس. . . سيعلم رابك بعد قليل من الفلاحين بوصولنا وحينئذ يرسل ألينا. هكذا قال لنفسه، وشعر بالأسى واستقلي على سريره ثم قام ونظر من النافذة ليرى الفارس في طريقه ولكنه لم ير شيئاً ثم لم يستطع كبح جماح قلقه فمضى في الطريق متجهاً نحو الكنيسة ثم إلى منزل الجنرال واقترب من الحديقة وكان الظلام يلف المنزل والسكون مخيماً، وبعد انتظار نصف ساعة دون أن يسمع صوتاً أو يرى شيئاً استدار عائداً، وتوقف عند النهر، وحدق فيه، وكان القمر يرسل أشعة على صفحة الماء والأمواج تداعب صورة القمر كأنما تريد لتحملها إلى بعيد، وفكر ريابوفتش (ما أحمقني!) ولم يعد الآن ينتظر شيئاً، وبدت له حكاية القبلة، وقلة صبره، وآماله الغامضة وخداعه لنفسه، بدا له كل هذا على حقيقته؛ ولم يبد له غريباً أن الفارس لم يأت لدعوتهم، وأنه لن يقابل الفتاة التي قبلته خطأ بدل شخص آخر، بل على العكس يكون من الغريب أن يلقاها مرة أخرى! وبدت له الحياة كلها مزحة كبيرة طائشة، ورفع عينه عن الماء ونظر إلى السماء وتذكر مرة أخرى كيف أن القدر في صورة امرأة مجهولة قد داعبه على غير انتظار؛ واستعاد أحلام الصيف وبدت له حياته تافهة تعسة لا طعم بها.

ولما عاد إلى حيث وضعوا خيامهم لم يجد أحد من الضباط هناك وأخبره جندي أنهم ذهبوا إلى منزل الجنرال فون رابك الذي أرسل لهم فارساً يدعوهم، وأحس بالفرح لحظة لكنه خنق هذا الإحساس في الحال، وكأنما ليعاند القدر الذي أساء معاملته هكذا لم يذهب إلى منزل الجنرال بل مضى لينام.

أحمد بدران

[