مجلة الرسالة/العدد 852/من وحي الهجرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 852/من وحي الهجرة

مجلة الرسالة - العدد 852
من وحي الهجرة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 10 - 1949


بعث الله النبي الكريم على فترة من الرسل، في عصر غير ذي دين، وجيل غير ذي خلق، وبلد غير ذي زرع. فلقي صلوات الله عليه من سفه الجاهليةوكلَب المادية وكيد العصبية وحرمان الفقر وخذلان القلة ما لا يسعه طوق بشر إلا بروْح من الله وسند من الإيمان وعون من الخلق.

حمل محمد رسالة الله وهو فقير ضعيف، وحمل أبو جهل رسالة الشيطان وهو غني مسلَّط، فحوّل مكة المشركة جبلا من السعير سدَّ على الرسول طريق الدعوة، فكان يخطو في طرقها وشعابها على أرض تمور بالفتون وتفور بالعذاب. وتفجرت عليه من كل مكان سفاهة أبي لهب بالأذى والهون والمعاياة والمعارضة. وكل قرشي كان يومئذ أبا جهل أو أبا لهب إلا من حفظ الله. وافتن كفار مكة ومشركو الطائف في أذى الرسول، فعذبوه في نفسه وفي أهله وفي صحبه ليحملوه على ترك هذا الأمر فما استكان ولا لأن ولا تردد. وحينئذ تدخل الشيطان بنفسه في (دار الندوة) فقرَّر القتل، وتدخل الله بروْحه في (غار ثور) فقدَّر النجاة. وانطلق محمد هو وصاحبه ودليله وخادمه على عيون المؤتمرين في الطريق الموحش الوعر حتى بلغوا طيبة. وهنالك بالصبر والصدق والإيمان والرجولة أثمر غرس الدعوة وتم نور الله.

كان يوم الهجرة الذي جعله عمر الحكيم العظيم تاريخاً للمسلمين يحسبون منه أيامهم، ويؤرخون به أحداثهم، خاتمة وفاتحة: كان خاتمة لثلاثة عشر عاماً من المحن الشداد والآلام القواتل تظاهرت على الإيمان والصبر حتى قال الرسول وهو يلوذ بحائط من حوائط ثقيف: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس؛ وكان فاتحة لثلاثة عشر قرناً من النصر المؤزر والفتح المبين، أعلن العرب فيها كلمة الله، وبلغوا رسالة الحق، وحملوا أمانة العلم، وأرشدوا الضال فاهتدى، وحموا الذليل فعز، وعلموا الجاهل فتعلم، ومكنوا في أرضهم الفسيحة ودنياهم العريضة لعناصر الجمال والخير فقويت في كل نفس، وازدهرت في كل جنس، وانبعثت من كل مذهب، وانتشرت في كل أفق؛ وحققوا لهذا الإنسان طريد العدوان وعبد الطغيان أحاديث أحلامه وهواجس أمانيه، من الأخوَّة التي يعم بها النعيم، والمساواة التي يقوم عليها العدل، والحرية التي تخصب بها المدارك؛ لأن رسالة محمد لم يوحها الجوع ولا الطمع، وإنما أوحاها الذي خلق الموت والحياة، وجع الظلام والنور، وأوجد الفساد والصلاح، ليدرأ قوة بقوة، وينقذ إنساناً بإنسان.

كان يوم الهجرة إلى المدينة وما قبله تشريعاً من الله في حياة الرسول للفرد المستضعف إذا بغي على حقه الباطل، وطغى على دينه الكفر، ليعرف كيف يصبر ويصابر، وكيف يجاهد ويهاجر، حتى يبلغ بحقه ودينه دار الأمان فيقوى ويعز.

وكان يوم العودة إلى مكة وما بعده تشريعاً من الله على لسان الرسول ويده للأمة إذا اتسعت رقعتها، واتحدت كلمتها، واستحصدت قواها، لتعلم كيف تنسى الضغائن إذا ظفرت، وتحتقر الصغائر إذا كبرت، ثم لا تحارب إلا في الله، ولا تسالم إلا في الحق.

كانت المدينة وحدها بعد يوم الهجرة مجالا لسياسة الرسول يضم شتات الجماعة، ويوثق عقدة الأمة، ويجمع أهبة الحرب، فألف بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وعاهد بين المسلمين واليهود، حتى تكتَّب في يثرب جيش الله الذي فتح الدنيا بفتح مكة.

ثم كان العالم كله بعد يوم الفتح مشرقاً لوحي الله وهدى الرسول، فطهره الإسلام من الأرستقراطية بالمساواة، ومن الرأسمالية بالزكاة، ثم علم الناس حكم الشورى، وألزمهم قضاء العدل، حتى أخرجهم من الوطنية المحدودة إلى الإنسانية المطلقة.

إن هجرة الرسول ملحمة من ملاحم البطولة القدسية لا يفتر عن إنشادها الدهر! استمدت إلهامها من وحي الله، وروحها من خلق الرسول، وعملها من صدق العرب، واستقرت في مسامع الأجيال والقرون مثلا مضروباً لقواد الإنسانية، يعلمهم الصبر على مكاره الرأي، والاستمساك في مزالق الفتنة، والاستبسال في مواقف المحنة، والاستشهاد في سبيل المبدأ.

فاذكروا يا ساسة العرب وأنتم تجتمعون اليوم لتوثقوا روابط الجامعة العربية أن الرسالة المحمدية التي هاجرت مغلوبة من مكة إلى المدينة، سافرت غالبة من الشرق إلى الغرب، بفضل مبدئها الإلهي الذي قامت عليه ودعت إليه وفازت به، وهو توحيد الله، وتوحيد الكلمة، وتوحيد الخطة، وتوحيد الغاية.

اذكروا لماذا نذكر صاحب الهجرة في كل أذان وفي كل صلاة من كل يوم. هل نذكر اسمه مع اسم الله تعبداً به؟ معاذ الله فما يكون الشرك غير هذا. إنما نذكر الله ونذكر بعده محمداً كما نذكر القاعدة ومعها المثل، أو النظرية وبعدها العمل؛ لأن الله يوحي والرسول يبلغ، ويأمر وهو ينفذ، ويشرع وهو يطبق؛ فذكر الله استحضار لأوامره ونواهيه وتلك هي القدرة، وذكر الرسول استحضار لأفعاله وأقواله وتلك هي القدوة.

اذكروا ذلك وقولوا للمعوقين منكم إن العصبية التي توسوس في بعض الصدور بالرياسة والسيادة، إنما كانت في تاريخنا الحافل بالأحداث والعبر علة العلل في انشقاق العصا، وانقسام الرأي، وانتشار الأمر، وتعدد الدول، حتى كان لنا في الأرض ثلاثة خلفاء في وقت واحد: عباسي على عرش بغداد، وأموي على عرش قرطبة، وفاطمي على عرش القاهرة، ولكل خليفة منهم شأن يغنيه، وعدوان مع الباغين على أخيه.

اذكروا ذلك يا ساسة العرب واستاروا بسيرة نبيكم في السياسة، واستنوا بسنته في الحكم، فإن محمد بن عبد الله الذي آثر أن يكون نبياً عبداً على أن يكون نبياً ملكاً، قد ساس الناس في عهده سياسة دينية لا وطنية ولا قومية؛ لأن الوطن محدود والدين لا حد له، ولأن القوم جماعة متميزة والدين إنسانية شاملة. أما وقد استشْرت العصبية ففرقت شعبنا فرقاً لكل فرقة طرُزٌ ورسوم، ومزقت وطننا مزَقاً تفصل بينها مكوس وتخوم، فإنا أحرياء بأن نصلح الأمر بما صلح عليه أوله: تخفت في نفوسنا صوت الأثرة، ونسكن في رءوسنا عصف الهوى، ونجدد في أذهاننا ما انطمس من معاني الإيثار والإخاء والفداء والمروءة، ونوضح في أفهامنا ما انبهم من هذه المبادئ الإسلامية الصريحة: إنما المؤمنون أخوة. وأمرهم شورى بينهم. وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. . . وتلك هي المثل العليا للسلام والنظام والحكم، تطلبها الشعوب المكروبة المسخَّرة بالثورة بعد الثورة، وبالحرب بعد الحرب، فيحول بينها وبينها تصادم القوة وتعارض المنافع.

لا نطمع في أن نجعل من الوطن العربي الذي قطَّعه الغاصبون دويلات ليسهل ازدرادها، وحدة كاملة. ذلك فوق الطاقة الآن، لأنه عمل لم يقو عليه من قبل غير محمد، ولن يقوى عليه من بعد غير رجل من رجال محمد، هو الرجل الذي ينتظره العرب انتظار الأرض رجعة الربيع. وبحسبنا أن نمهد أمامه الطريق بهذه الجامعة العربية التي توافدتم اليوم إلى توكيد ميثاقها وتثبيت أركانها في القاهرة. فإذا أقمتموها يا ساسة العرب على الإيمان الصادق والنية الخالصة، كانت إرهاصاً لظهور ذلك الزعيم المنتظر الذي يجمع الله لكم فيه الراعي الذي يطرد الذئب، والخيط الذي يجمع الحب، والدليل الذي يحمل المصباح، والقائد الذي يرفع العلم، والأستاذ الذي يعلمكم أن تصنعوا الإبرة والمدفع، وتشقوا المنجم والحقل، وتوفقوا بين الدين والدنيا، وتلائموا بين المنفعة الخاصة والمنفعة العامة. ويومئذ تعودون إلى منزلتكم من صدر الحياة، ومكانتكم من قيادة الناس.

أحمد حسن الزيات