مجلة الرسالة/العدد 852/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 852/القصص

مجلة الرسالة - العدد 852 القصص
المؤلف: غي دو موباسان
المترجم: يوسف يعقوب حداد
الصورة Un portrait هي قصة قصيرة بقلم غي دو موباسان نشرت عام 1888. نشرت هذه الترجمة في العدد 852 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 31 أكتوبر 1949



الصورة. . .

للكاتب الفرنسي جي دي موباسان

بقلم الأديب يوسف يعقوب حداد

سمعت من يقول لصديقه، وهما على مقربة من مجلسي. . . أنظر. . . ها هو ذا ميليال!

واتجهت إلى هذا الذي يشيرون إليه بإعجاب ودهشة، إذ أنني كنت في شوق للتعرف على هذا الرجل الذي تعبده النساء. . . هذا الرجل الغريب، الذي تتهالك عليه بنات حواء!

كان قد تجاوز سن الشباب بقليل، يبدو للعين في هيئة غريبة، غير مألوفة، فشعره غزير، ينسدل حتى كتفيه، ويغطي رأسه حتى ليبدو وكأنه قبعة جلدية كتلك القبعات التي يلبسها أهل الشمال! ولحيته ناعمة، طويلة، تداعب صدره، وكأنها قطعة منتزعة من فرو معطف نسائي جميل!

رأيته يتحدث لامرأة، وفي حديثه كثير من اللطف والرقة، قد أحنى جذعه في احترام، وهو يوجه إليها نظرات لطيفة إذا استطعت أن تدرك منها شيئاً، فإنما أنت تدرك، عاطفة فيها مزيج من الحنان والعطف والاحترام!

كنت قد سمعت طرفاً من حياة هذا الرجل. . . وعرفت أن يضع نساء قد أحببنه حتى العبادة، وتفانين في حبه إلى حد لا يتصوره العقل، وسمعت اسمه يتردد في كثير من قصص الحب، فكنت إذا ما سألت أولئك النسوة اللوائي كن يطنبن في مدحه، ويندفعن في التحدث عن سجاياه، وعن سر سحره الذي يسحرهن وجاذبيته التي تجذبهن، كن يجبنني بعد تفكير عميق، وتأمل طويل، بأنهن لا يعرفن هذا السحر. ولا يدركن لهذه الجاذبية سراً. . كل ما يعرفن، أنهن ينجذبن له لأول نظرة، وينسحرن بسحره لأول لقاء!

وأستطيع الآن، وبعد أن رأيته، أو أؤكد أنه لم يكن جميلاً، كما أنني أستطيع أن أقول، وأنا لا أتجنى عليه، أنني لم أجد فيه شيئاً من تلك الخصال التي يتصف بها عادة، أولئك الرجال الذين يجتذبون إليهم قلوب النساء، لذلك رحت أتساءل في دهشة عن سر هذه الجاذبية. أهو كامن في ذكاء الرجل؟. . . ولكني لم أسمع من يمتدح فيه الذكاء!. . . أهو مختف في مظهره؟. . . ربما!. . . ألا يمكن أن يكون مكمن السر في صوته؟. . . وإنما هنالك غيره من يمثلك مثل هذا الصوت، المشحون بالرقة، والحنان، والعذوبة!

ومر أحد معارفي، فاستوقفته، وسألته - أتعرف السيد ميليال؟

قال في دهشة - نعم!

قلت في رغبة واندفاع - أرجوك. . . قدمني إليه.

وبعد دقيقة. . . دقيقة واحدة فقط، كنا نتصافح، ونتجاذب أطراف الحديث!

كان حديثه مرحاً، هادئاً، متزناً. وكان صوته جميلاً، رقيقاً ناعماً. إلا أنني سمعت من قبل أصواتاً أكثر تأثيراً في أذن السامع، وأشد وقعاً في نفسه. . . سمعت أصواتاً تبعث السرور، وتنشر في النفس الحبور. . . سمعت أصواتاً لا تجهد في تتبع معانيها، تنساب من الشفاه سهلة، لينة، غير معقدة ولا متشابكة.

وبدا لي حديثة طبيعياً. لا ينبه الشعور بالملل. والمتحدث إليه يشعر بأنه يبادله الحديث في سهولة وبساطة. وأن الألفاظ تنساب من فمه بسهولة، ومن غير تفكير أو عناء!

ومع أن المدة التي مضت لتعرفي عليه لم تزد على الربع ساعة، إلا أنني وجدت نفسي، وكأنني أعرفه منذ ربع قرن!. . . شعرت نحوه كما أشعر نحو صديق قديم. أفكاره، وحركاته ونزعاته، لم تكن غريبة عني. في هذه الفترة القصيرة من الزمن، شعرت وكأن كل ذلك التكلف والتحفظ، وكل تلك الحواجز والعادات التي تقف عادة بين الناس، قد انهارت كلها مرة واحدة، وتداعت من أساسها!. . . والمعروف أن تلك الحواجز والعادات، وذلك التكلف والتحفظ لا تسقط بين الناس مرة واحدة، وإنما تسقط تدريجياً الواحدة بعد الأخرى. تسقط مع مرور الزمن. وتوطد أركان المعرفة، وتوثق عرى الصداقة.

وافترقنا بعد أن أعطاني عنوان بيته، ودعاني لتناول الغذاء عنده في اليوم التالي. إلا أنني نسيت الموعد بالضبط حين ذهبت إليه في اليوم التالي، ووصلت قبل الموعد فلم أجده هنالك. فاستقبلني خادم صموت، قادني إلى غرفة الاستقبال، حيث جلست على مقعد وثير وكأنني في بيتي!

إن مشاعر المرء لتختلف بالنسبة للغرف التي يدخلها. . . بعضها يشعرك بالضيق. وبعضها يشعرك بالكآبة، والبعض الآخر منها يشعرك بالبلادة!. . . أن عيوننا كقلوبنا ترتاح لأشياء وتشمئز من أشياء أخرى!

وأخذت أنظر إلى ما يحيطني. وأتأمل فيما يدور حولي. فلم أجد ثمة شيئاً غير مألوف، فالأثاث بسيط يغلب عليه القدم. والستائر من حرير شرقي ناعم. وفي صدر الغرفة، في مواجهتي صورة لامرأة متوسطة الحجم، يظهر منها الرأس والقسم الأعلى من الجسد. . . وبيدها كتاب.

كانت المرأة في مقتبل العمر حاسرة الرأس. وكان شعرها الناعم مرتباً في بساطة، يبدو على شفتيها طيف ابتسامة حزينة كئيبة. والصورة طبيعية لا أثر للتكلف والتصنع فيها.

إن ما رأيته من صور قبل الآن، كانت البهرجة تغلب عليها بوضوح، حلى، وجواهر، ولباس أنيق، وشعر مضفور في عناية. فكانت تلك الصور تشعرني لأول وهلة، أن صاحب الصورة قد تصنع كل ذلك التصنع لأنه كان يعلم سلفاً بأنه جالس أمام المصور. . . وإنه يريد أن يرضي أحبابه وأصدقاءه الذين سيرون صورته. لذلك كرهت تلك الصور البعيدة عن الواقع، الشديدة التكلف والتصنع. . . أما هذه الصورة، فإنا أعجز عن وصفها. ولا أحس بالخجل إذا قلت بأنني أعجز عن التعبير شعوري تجاهها.

كانت مثبتة في مكان بارز، منعزلة، تبتسم ابتسامة باهتة يشوبها الحزن، ويخالطها الأسى. تماماً كما يبتسم بعض الناس حين يختلون بأنفسهم، ويتذكرون ما مضى من حياتهم. فيبتسمون، يبتسمون لأنفسهم حتى إذا كانت تلك الذكريات مرة وحزينة!

كانت منفردة في مكانها، غير شاعرة بهذه الأشياء التي تحيط بها. وهذه الصورة قد خلقت في الغرفة جواً ساكناً، يشيع فيه الهدوء. . . هذه الصورة هي الشيء الوحيد الذي يبعن الحياة في هذه الغرفة!

من الممكن أن يقتحم هذه الغرفة جمع غفير من الناس يضحكون فيها ويعبثون، يشربون ويفنون، ولكنهم لن يستطيعوا أن يبعثوا هذه الحياة التي بعثتها الصورة نفسها!

وبدت لي نظراتها غريبة. . . بدت لي مصوبة نحوي. إن كل الصور تقابلك نظراتها، أما هذه الصورة فإنها لا تراني وإن كانت مصوبة نحوي بالضبط كما أنها لا تستطيع أن ترى شيئاً آخر أبداً. هي نظرات شاردة، تنظر ولا ترى، مما ذكرني بقول الشاعر يودكيرز (آه من نظراتك. . . إنهن يجذبنني كما تجذبنني نظرات الصور!).

نعم. . . إن هذه الأعين المرسومة بالدهان على الورق الجامد لتبدو لي، وكأنها حية، وإنها ستحيى إلى الأبد.

آه. . . يا له من سحر، يخدر الأعصاب، ناعم كمرور النسيم كصوت القبلات، محرك للعواطف كلون السماء عند الغروب. . . آه. . . إن هاتين العينين لتشبهان الليل الذي يعقب الغروب. . . وما أجمل الليل، وما أجمل الغروب!

من هذا الإطار العابس، تنظر إليك هذه العيون في رقة وحنان. . . نعم، إن هذه العيون التي أبدعتها يد الفنان على الورق بعدة حركات من ريشته، لتبدو لي هي الأخرى، مفعمة بالأسرار. . . أسرار المرأة، الكامنة أو الظاهرة. إن هذه العيون لتحمل كل ما تستطيع المرأة التعبير عنه بنظراتها. هذه النظرات التي تنبه في قلوبنا الإحساس الأول للحب!

وأخيراً، انفتح الباب، ودخل منه السيد ميليال، فاعتذر لي عن تأخره، فصافحته وأنا أعتذر إليه بدوري عن تبكيري في الحضور. ثم سألته أن يغفر لي تطفلي، ويجيبني عن سؤالي عن صاحبة الصورة، ومن عساها تكون، فقال (إنها والدتي. . . ماتت في ريعان الصبا وميعة الشباب!).

وعندئذ. . . عندئذ فقط انكشفت لي كل الأقنعة عن سر جاذبية هذا الرجل، وتأثيره على النساء!

(البصرة: عراق)

يوسف يعقوب حداد

ص. ب. رقم 15