مجلة الرسالة/العدد 851/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 851/القصص

مجلة الرسالة - العدد 851
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 10 - 1949


حيوان أليف

للكاتب الياباني شيما زاكي توسون

بقلم الأستاذ محمد فتحي عبد الوهاب

لازمها سوء حظها منذ ولادتها. لقد أقبلت إلى العالم بشعر قصير أشهب، وأذنين واقفتين، وعينان تشبهان عيني الثعلب. إن كل ما يدعي حيواناً أليفاً يتحلى بصفات تجذب شعور الصداقة بينه وبين الناس. بيد أنها لم تكن حائزة أية صفة منها. ولم يكن يبدو على ملامحها ما يحببها إلى البشر. كانت تعوزها خواص الحيوان الأليف. وبطبيعة الحال، أهملوا أمرها.

ومع ذلك، كانت كلبة: حيواناً لا يستطيع أن يعيش منفرداً. وكان من المستحيل عليها أن تنبذ عادتها الموروثة في أن يجود عليها الناس بالطعام. ولذلك أخذت تبحث عن دار تلائمها.

وهام ذلك الكائن المجهد في ضيعة كن سان المزارع، وكان قد انتهى من إنشاء الدار الجديدة ذات السقف الخشبي، المقامة بجوار طريق قرية إكويو بحيث يستطيع أي إنسان أن يقصد الطريق الرئيسي من خلال فنائها الخلفي. وكانت أرضيتها مرتفعة وتربتها جافة، فضلا عن أنه كان بها فناء ضيق حالك ذو فرجة بين مدخله والحاجز القائم بين هذه الدار وتلك التي تليها، تستطيع فيها أن تخفي نفسها في الحال عندما يقضي الأمر ذلك. ولم تتوان لحظة في احتلال هذا المخبأ الكائن تحت الأرض.

ثم دعتها الحاجة الملحة إلى الحصول على الطعام. وأرشدها أنفها الحساس إلى الطريق صوب المطبخ. ولم يكن لديها وقت للاختيار، فقد كانت جائعة. فأخذت تأكل ما يصادفها: قشور الفاكهة، وحساء بارد نتن الرائحة، وأوعية من الطعام الفاسد. فإذا لم يكفها كل هذا، قامت تتشمم ما حولها، حتى كومة الغبار، وتصيد أقصى ما تستطيع صيده. ووجدت هناك جوارب قذرة مشربة بماء الغسيل بجوار الحائط، فجعلت تشرب الماء المتساقط منها في سرور.

كانت هناك في الحديقة شجرة قديمة، فعزمت على أن تجعل من ظلالها موضعاً لراحتها، فتمدد أقدامها الأربع على الأرض الدافئة من حرارة الشمس الساطعة خلال الأفنان. وتتثاءب أو تحك مواضع في جسمها. وعندما يأتي المساء تدلف إلى ملجأها تحت الأرض وترقد على أجولة الفحم. وهكذا بدأت حياتها.

كانت عائلة كن سان تحتفظ في ذلك الوقت بكلب أسمر اللون يدعى بوتشي. وكان الحيوان الوحيد الذي يقابل بالترحاب. وكان يبدو أنه ذو طبيعة اجتماعية، فقد كان يتقرب إليها في أدب وهو يحفر الأرض، فترد عليه تحيته بهز ذنبها القذر.

بيد أن كن سان وغيره من أولئك الذين يعيشون في ضيعته، لم يرحبوا بها كما رحبوا ببوتشي. وصاح أحدهم (أليس من الخسارة الكبرى أن يكون الفرد قبيحاً حتى بين الحيوانات؟) فيرد آخر (لو كانت ذات مسحة من الجمال لاحتفظت بها!) بيد أن كل هذا لم يكن له معنى عندها.

ودعاها هؤلاء الناس (بب). وكانت لكل دار (عمة): لقب يضفى على ربة الدار. وكانت العمات والأولاد يشتركن في كراهيتهم لها ويصرخون فيها. أما الأعمام فقد كانوا فظعاء. إن أقل إهمال أو انتباه تجعلها طريدتهم. وكثيراً ما ألقوا عليها الأحجار وكرات الطين وأسياخ المدفأة. وفي ذات يوم أصابها مقبض باب، فسبب لها جرحاً في إحدى مؤخرتيها.

وشيئاً فشيئاً، أخذت تفهم العقلية البشرية: معنى زم الفم، والقيام بالتقاط شيء، وهز الأكتاف، وعض الشفاه. كانت كل هذه الانفعالات الثائرة ضدها، قد بينت لها مدى كراهية مطارديها. وكادت في ذات يوم أن تساق لتغرق في الخليج. ولا يستطيع أحد أن يعرف كيف وجدت سبيلها إلى الهرب! كان الناس يصيحون (استحضروا الحبل. الحبل!) وكانت يائسة، فجعلت تعدو خلال الحديقة، بين الشجيرات. وذهبت صوب الفرن ثم استدارت حول مخزن الغلال، وأخيراً فرت إلى الحقول حيث تنمو الزهور التي تباع في الأعياد.

وصاح أحد الأعمام: (لقد فرَّت أخيراً!) فرد كن سان وهو يضحك ضحكة رجل طيب (أليست شيئاً متعباً؟)

وتكررت مثل هذه التجربة القاسية. ولكنها لم تكن بالتي تقهر من مثل هذه الأعمال. ينبغي لها أن تبحث عن طعامها في هدوء وفي مظهر من يقول (إن هذه أرضي). وكانت تتقدم إلى المطبخ الجديد في شجاعة، أو تذهب إلى الشرفة بأقدامها القذرة، فتمزق الستائر، وتلهو بما تغسله العمات من ملبوسات وتلطخها بالطمي والغبار. ولم يكن لها اعتبار عند الأطفال. كان لهذه العائلة فتاة تدعى شوكان. وكانت تميل إلى اللعب في الفناء، فكانت الكلبة تطاردها مداعبة. وكانت الفتاة أحياناً ما تستحضر معها قطعة من الكعك، وتظهرها لها قائلة: (انظري! انظري يا بب!)

وسرعان ما تقفز على كوشان، فيتعالى صراخ الفتاة (أوه، ما ما، إن بب شريرة!) وكانت هذه دائماً صرخة كوشان في طلب المعونة. فتقبل عندئذ العمات مسرعات وينادين كوشان: (اهربي يا كوشان! في سرعة!) فتفر الفتاة باكية ولم يبق معها شيء من الكعك. لقد أخذته الكلبة منها، وبذلك حصلت على الحلوى التي تأكلها الناس، وبعدما تنتهي من أكلها، تلعق طرف أنفها بلسانها الأحمر

ومهما يكن من الأمر، فقد كانت لا تتعمد ما تقوم به من حركات، طيبة كانت أو شريرة. وكانت هذه الكلمات التي تسمعها من أفواه الأعمام والعمات لا تفهم لها معنى. فلم يكن لها طبيعة فهم تقاليد الناس المتمدينين وأحوالهم، لم تكن سوى كلبة سواء أكانت أفعالها مؤدبة أو خالية من الأدب. إنها حيوان مسكين يعمل كما توحي إليه طبيعته

ومر الشتاء القارس البائس، ولم تزل تتألم من هذه المعاملة، معاملة طردها، وكان من العجيب ألا تموت جوعاً في ذلك الشتاء لقد كانت المخلوقات البشرية في حالة محزنة، فكيف إذا يستغنون عن حفنات من أرزهم البارد لهذا الحيوان الجاهل، تلك الكلبة المتعبة التي لا تنفع في شيء؟ وكانت تهيم في الأماكن النائية، فتتبلغ بما تجده من أشياء، حتى قشور البرتقال

ثم أقبل الربيع، وأخذ الجليد في الذوبان، وبدت الكلبة كأنما نما عودها، وكانت كل الكلاب تتجمع حولها: بوتشي الذي يقطن دار كن سو، كورو الذي يعيش بدار الاستحمام، وآكا الذي يحرس مسكن تاجر الخشب، وذلك الكلب الضخم الذي يخض الجيران. وكان يتبعها ثلاثة أو أربعة منها أينما ذهبت وكان الموضع المريح في ظلال الشجرة الكائنة بالفناء مرتعاً لصدى هريرها وكأنها تود أن تهمس إليها بكلمات الغزل

ولاحظت ذلك المشهد عمة مقبلة نحو البئر الجانبية، وقد حملت معها دلواً، فقالت: (يا إلهي إن بب كلبة أنثى! إني لم ألاحظ ذلك من قبل!

فردَّت عمة من الدَّار الجديدة شاهدت أيضاً ما يحدث (ولا أنا)

وضحكت العمتان وجعلتا تنظران إلى ذلك المشهد في اهتمام

(يجب أن تنفى). كان هذا منشأ الجدال الذي استمر في ضيعة كن سان بين أعضاء عائلتين من العائلات الأربع. ثم انقسموا إلى حزبين: حزب الأعمام، وحزب العمات. كانت العمات يصرحن أن الأمر قد أصبح مختلفاً. أن حالتها الآن مغايرة لما كانت عليه في الماضي. وكن في جدلهن كأنما يقارن أنفسهن بها (وقد يكون هناك وجه للمقارنة). وكان الأعمام يعارضون في إنجابها ذرية. أنه من الفظاعة أن تلد أولاداً على شاكلتها. وفي الحق، لم يكن هناك من يهتم بمستقبلها. ولم تكن الكلبة تعرف شيئاً عن كل ذلك.

وما إن مر يوم حتى وقفت مركبة بجوار دار كن سان، يعلوها صندوق بلا غطاء، مغطى بقطعة قذرة من الحصير. وتشمم أنفها في سرعة ما الذي في المركبة.

وأقبل شرطي يتبعه رجل ذو نظرات مريبة. ودلفا إلى الدار. بيد أنها لم تكن تحوم في مثل هذه الأماكن الخطرة. وأخذ بوتشي وكورو وغيرهما من الكلاب في النباح. وأقبل الأعمام والعمات وكل سكان القرية. وصاحت كوشان (صياد الكلاب يا ما ما!) ثم اختبأت خلف والدتها.

وجرى الناس حول الحديقة. وشاركهم في العدو صبي من مدرسة متوسطة كان يرسم صورة بالألوان المائية، وقد أمسك بحامل الرسم، وابنة كن سان وكانت تقوم بري الزهور.

(لقد هربت من هنا! لقد ولت من هناك!).

وارتبك القوم في عجب. ثم قالت كوشان وهي ترجف (من المؤكد أن بب قد قتلت).

وأخيراً استطاعت الهرب. وهز رجل ممسك في يده هراوة غليظة في غيظ. وقال الشرطي (لا فائدة، لا فائدة) وضحك وهو يسير صوب الباب. ثم انسحب هو ورفيقه إلى المركبة الفارغة يجران وراءهما ذيول الخيبة.

لقد هربت على أية حال، ونجت بجلدها. ومرت الأيام وتضخمت بطنها، وأخذت عيناها تتلونان بلون غير ثابت من القلق. إنها لن تحافظ على نفسها فحسب، بل يجب عليها أيضاً أن تحمي أولادها في بطنها. إن ظلال الشجرة لم تعد مأمونة، وحتى عندما كانت ترقد على الأرض الندية، وهي تلهث مما اعتراها من ألم. سرعان ما كانت تهب واقفة عندما تشاهد خيال إنسان ما، يجب ألاّ تتهاون ولو لحظة واحدة، وكان يلوح في عينيها أنه ليس هناك من أشد قسوة وأقل رحمة من الكائن البشري.

بيد أنه على الرغم من خوفها، كانت لا تستطيع الابتعاد عن الدار. وقد يبدو في عين الرائي، أنها قد تكون في راحة تامة، كغيرها من الحيوانات، لو ذهبت إلى الغابة النائية، ورقدت هناك بين الأشجار والحشائش! ولكن ذلك لم يبد في عينيها، إنها لا تستطيع أن تغير من طبيعتها الموروثة

وفي أوائل شهر يونيو، انتهت من القيام بواجبات الأمومة وظهرت أربعة جراء في فرن كن سان، اثنان منها جميلان يشبهان بوتشي في لونه، وواحد أسود فاحم، والرابع يشبهها كثيراً.

وفي صباح يوم ولادتها، تراءت لها للمرة الأولى ابتسامة البشر تهش بها، وفي ذلك الصباح أيضاً قدموا إليها لأول مرة الطعام

وأخذت عمة كن سان تناديها (بب، تعالي، تعالي) ثم أصبحت تناديها دائماً منذ ذلك اليوم. . .

محمد فتحي عبد الوهاب