مجلة الرسالة/العدد 84/إلى الأستاذ توفيق الحكيم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 84/إلى الأستاذ توفيق الحكيم

مجلة الرسالة - العدد 84
إلى الأستاذ توفيق الحكيم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 02 - 1935


سياحة في نهر (الجنون)

هل هناك اقتباس. . . .؟!

بقلم جورج وغريس

ليعذرني الأستاذ توفيق الحكيم إن أردت أن أقوم بسياحة قصيرة في (نهر الجنون) ذلك النهر الرهيب الذي شاء الأستاذ أن يتدفق ماؤه من قطرات قلمه على صحائف إحدى عشرة من (مجلتي) الغراء في العدد الرابع منها الصادر في منتصف شهر يناير الماضي. والحق إنني لا أخشى أن أصاب بالجنون إن قمت بسياحة قصيرة في ذلك النهر أو انتهل جرعة من مائه، فليس أحب الى نفسي من أن ترشف من فيض ذلك القلم العذب الذي يذكرنا بصاحب (أهل الكهف) و (شهرزاد) و (عودة الروح). . . .

ونهر الجنون الذي خطر لي أن أكتب عنه هو عنوان لقصة تمثيلية طريفة من فصل واحد تناولها الأستاذ الحكيم في حوار لطيف، وتتلخص وقائع تلك القصة في أنه في قديم الزمان كان يجري في بلاد نائية نهر يشرب منه سكان تلك الجهة، ففي إحدى الليالي نقمت الآلهة على ذلك النهر، فأرسلت أفاعيها تهبط من السماء ثم تسكب سمومها في مائه فإذا به في لون الليل، ويرى الملك كل ذلك في رؤيا هائلة، ويسمع من يهتف به: (حذار أن تشرب بعد الآن من نهر الجنون. . . .) فيمتنع الملك هو ووزيره عن الشرب من ماء النهر، ويكتفيان بنبيذ الكروم فإذا بهما في تمام قواهما العقلية. أما الملكة وسائر أفراد الشعب فانهم يتهافتون على الماء ويستقون منه فيصيب عقولهم مس من الجنون.

فإذا كان أول هذا الفصل يظهر الملك منفرداً مع وزيره في القصر، ويتحادث معه في تل الرؤيا الهائلة التي رآها، ويبدي جزعه الشديد أن تشرب الملكة مع الشاربين من النهر برغم تحذيره إياها فيصيبها الجنون كما أصاب جمع الناس الذي شربوا معها، ثم يُظهر حزنه لعظيم على عقلها الراجح وذهنها اللامع في سماء تلك المملكة، ويتمنى لو أن وزيره أمكنه أن يجد لها الدواء الناجع، أو لو أنه استطاع أن يحضر لها رأس الأطباء، فيخبره وزيره أن رأس الأطباء أيضاً قد أصابه الجنون، فيسأله أن يأتي لها بكبير الكهان فيعلمه أنه أيضاً مجنون لأنه شرب مع الشاربين، ولا يوجد في المملكة من لم يشرب من ماء النهر سواهما، فيحزن الملك لذلك أشد الحزن، ويذهب، ويذهب مع وزيره الى معبد القصر يسألان السماء الغوث والرحمة. . . .

يخرج الملك والوزير من باب فتدخل من باب آخر الملكة ورأس الأطباء وكبير الكهان، ويبدو الجزع على وجوههم، ويتحدثون عن الملك ووزيره اللذين أصيبا بالجنون لامتناعهم عن الشرب من النهر دون جميع الناس، وتسأل الملكة رأس الأطباء وكبير الكهان أن يستخدما الطب ويستنزلا المعجزات لإنقاذ الملك من هذا الجنون المفرط فلما يُظهر كل منهما عجزه عن رده الى صوابه تحزن الملكة لذلك أشد الحزن وتشير عليهما ألا يذيعا الخبر لأن المصيبة سوف تكون فادحة لو علم الناس أن الملك والوزير قد جنا. وتبكي المكلة زوجها الذي أصبح معتوهاً لا يذكر النهر إلا في فزع، ويزعم ن ماءه مسموم ولا يشرب إلا نبيذ الكروم، وبينما هي تدير الرأي معهما تلمح الملك آتيا عن بعدن فتطلب منهما أن يتركاها منفردة معه، لعلها تستطيع أن تقنعه بأن يشرب من ماء النهر، ثم يقبل عليها الملك، فيتفرس كل منهما في صاحبه وفي قلب كل منهما إشفاق على الآخر لما أصابه من الجنون، فتسأله الملكة عن السر في هذه النظرات العميقة، فيجيبها أنه يسأل السماء أن تستجيب دعاءه، فتفرح الملكة لهذه الرغبة في الشفاء وتخبره أنها عثرت على الدواء المطلوب، وأن هذا الدواء هو أن يشرب من ماء النهر، فيغتم الملك ويعود الى حزنه ويأسه، لأنه كان قد ظن أن الملكة قد اهتدت الى دواء لشفاء جنونها، ويخرج صارخاً بوزيره ينجده.

أما الوزير الذي كان في خارج القصر فيدخل على الملك في تلك اللحظة وهو يرتجف من الخوف ويخبره أن جميع الناس أصبحوا يعتقدون أن الملك ووزيره قد أصيبا بجنون، أما هم فعقلاء؛ فيدهش املك لذلك أشد الدهش ويدور بينه وبين وزيره الحوار الآتي:

الملك: صه! من قال هذا الهراء. . . . . .؟

الوزير: تلك عقيدتهم الآن

الملك: (في تهكم حزين) نحن المصابان وهم العقلاء. . . .!

أيتها السماء رحماك! إنهم لا يشعرون أنهم قد جنوا الوزير: صدقت

الملك: يخيل إلي أن المجنون لا يشعر أنه مجنون

الوزير: هذا ما أرى

الملك: إن الملكة وا حسرتاه كانت تحادثني الآن وكأنها تعقل ما تقول، بل لقد كانت تبدي لي الحزن وتسدي إلي النصح

الوزير: نعم نعم. . كذلك صنع بي كل من قابلت من رجال القصر وأهل المدينة

الملك: أيتها السماء رفقاً بهم!

الوزير: (في ترد) وبنا. . . .؟!

الملك: (متسائلاً في دهش) وبنا. . . . .؟!

الوزير: مولاي. . . إني. . . . أريد أن أقول شيئاً

الملك: (في خوف) تقول ماذا؟

الوزير: إني كدت أرى

الملك: (في خوف) ترى ماذا.

الوزير: انهم. . . كل شيء

الملك: من هم؟

الوزير: الناس المجانين. إنهم يرموننا بالجنون ويتهامسون علينا ويتآمرون بنا، ومهما يكن من أمرهم وأمر عقلهم فان الغلبة لهم، بل انهم هم وحدهم الذين يملكون الفصل بين العقل والجنون. لأنهم هم البحر وما نحن الاثنان إلا حبتان من رمل. . أتسمع مني نصحاً يا مولاي. . .؟

الملك: أعرف ما تريد أن تقول

الوزير: نعم هلم نضع مثلهم ونشرب من ماء النهر!

الملك: (ينظر إلى وجه الوزير ملياً) أيها المسكين! إنك قد شربت. أرى شعاعاً من الجنون يلمع في عينك

الوزير: كلا لم أفعل بعد

الملك: أصدقني القول الوزير: (في قوة) أصدقك القول أني سأشرب. وقد أزمعت أن أصير مجنواً مثل بقية الناس: إني أضيق ذرعاً بهذا العقل بينهم

الملك: تطفئ من رأسك نور العقل بيدك!

الوزير: نور العقل! ما قيمة نور العقل في وسط مملكة من المجانين؟ ثق أنا لو أصررنا على ما نحن فيه لا نأمن أن يثب علينا هؤلاء القوم. إني لأرى في عيونهم فتنة تضطرم، وأرى أنهم لن يلبثوا حتى يصيحوا في الطرقات (الملك والزير) قد جنا. فلنخلع المجنونين)

الملك: ولكن لسنا بمجنونين

الوزير: كيف نعلم؟

الملك: ويحك. . . أتقول حقاً؟

الوزير: إنك قد قلتها الساعة يا مولاي: إن المجنون لا يشعر أنه مجنون

الملك: (صائحاً) ولكني عاقل وهؤلاء الناس مجانين!

الوزير: هم أيضاً يزعمون هذا الزعم

الملك: وأنت ألا تعتقد في صحة عقلي؟

الوزير: عقيدتي فيك وحدها ما نفعها؟ إن شهادة مجنون لمجنون لا تغنى شيئاً

الملك: ولكنك تعرف أني لم أشرب قط من ماء النهر

الوزير: أعرف

الملك: وأن الناس كلهم قد شربوا منه

الوزير: أعرف

الملك: وإني قد سلمت من الجنون لأني لم أشرب وأصيب الناس لأنهم شربوا

الوزير: هم يقولون إنهم إنما سلموا من الجنون لأنهم شربوا وأن الملك إنما جن لأنه لم يشرب

الملك: عجباً! إنها لصفاقة وجه

الوزير: هذا قولهم وهم المصدقون. أما أنت فلن تجد واحداً يصدقك

الملك: أهكذا يستطيعون أيضاً أن يجترئوا على الحق؟

الوزير: الحق؟ (يخفي ضحكه) الملك: أتضحك؟

الوزير: إن هذه الكلمة منا في هذا الموقف غريبة

الملك: (في رجفة) لماذا؟

الوزير: الحق والعقل والفضيلة كلمات أصبحت ملكاً لهؤلاء الناس أيضاً. هم وحدهم أصحابها الآن

الملك: وأنا. . .؟

الوزير: أنت بمفردك لا تملك منها شيئاً (الملك يطرق في تفكيره وصمت)

الملك: (يرفع رأسه أخيراً) صدقت إني أرى حياتي لا يمكن أن تدوم على هذا النحو

الوزير: أجل يا مولاي. وإنه لمن الخير لم أن تعيش مع الملكة والناس في تفاهم وصفاء ولو منحت عقلك من أجل هذا ثمناً

الملك: (في تفكير) نعم إن في هذا كل الخير لي. إن الجنون يعطيني رغد العيش مع الملكة كما تقول. وأما العقل فماذا يعطيني. . .؟

الوزير: لا شيء. . . أنه يجعلك منبوذاً من الجميع مجنوناً في نظر الجميع

الملك: إذن فمن الجنون إلا أختار الجنون

الوزير: هذا عين ما أقول

الملك: بل إنه لمن العقل أن أوثر الجنون

الوزير: هذا لا ريب بين العقل والجنون

الملك: ما الفرق إذن بين العقل والجنون

الوزير: (وقد بوغت) انتظر. . . . (يفكر لحظة) لسن أتبين فرقاً

الملك: (في عجلة) على بكأس من ماء النهر

هذا مجمل القصة والجزء المهم من الحوار الذي دار بين الملك ووزيره، وانتهيا منه بأن العقل لا يغنيهما شيئاً في ملكة من المجانين، لذلك آثر أن يكونا منهم. وموضوع القصة - كما ترى - لطيف طريف، وليس في هذا مجال لشك أو موضع لغرابة، ولكن مما استرعى نظري إنني كنت أقرأ بدايتها قراءة الشاعر بما سيحدث في نهايتها، فما أتيت على آخرها حتى ظللت أفكر فيمن سمعت أو قرأت عنه تل القصة حتى هداني التفكير الى كتاب (المجنون) للمرحوم جبران خليل جبران فعثرت فيه على قصة قصيرة تحت عنوان (الملك الحكيم) وقبل أن أقول عنها شيئاً أورد نصها فيما يلي:

(كان في إحدى المدن النائية ملك جبار حكيم، وكان مخوفا لجبروته محبوباً لحكمته - وكان في وسط تلك المدينة بئر ماء نقي عذب يشرب منه جميع سكان المدينة من الملك وأعوانه فما دون، لأنه لم يكن في المدينة سواه. وفيما الناس نيام في إحدى الليالي جاءت ساحرة إلى المدينة خلسة، وألقت في البئر سبع نقط من سائل غريب، وقالت: (كل من يشرب من هذا الماء فيما بعد يصير مجنوناً)

وفي الصباح التالي شرب كل سكان المدينة ماء البئر وجنوا على نحو ما قالت الساحرة، ولكن الملك والوزير لم يشربا من ذلك الماء

وعندما بلغ الخبر آذان المدينة طاف سكانها من حي الى حي، ومن زقاق الى زقاق، وهم يتسارّون قائلين (قد جن ملكنا ووزيره. . إن ملكنا ووزيره أضاعا رشدهما. إننا نأبى أن يملك عليك مليك مجنون. هيا بنا نخلعه من عرشه!)

وفي ذلك المساء سمع الملك بما جرى، فأمر على الفور بأن يملأ حق ذهبي (كان قد ورثه عن أجداده) من مياه البئر. فملأوه في الحال وأحضروه إليه. فأخذ الملك بيده وأداره إلى فمه.

وبعد أن ارتوى من مائه دفعه إلى وزيره فأتي الوزير على ثمالته

فعرف سكان المدينة بذلك وفرحوا فرحاً عظيماً جداً، لأن ملكهم ووزيره ثابا إلى رشدهما)

فما رأي القارئ اللبيب في هذا. . . . . .؟ وما رأي الأستاذ الفاضل فيما كتب. . .؟ أليس هناك تشابه تام بين القصتين في الفكرة والمعنى والأشخاص بل وفي بعض الألفاظ. . . . . . . . . .؟

إني مع احترامي الشديد وتقديري العظيم للكاتب الفنان، أرى في ذلك أحد أمرين: إما أن تكون الفكرة مأخوذة مما كتبه المرحوم جبران خليل جبران، وليس في هذا حرج، ولكن كان الأجدر بالكاتب في هذه الحالة أن يذكر اسم المؤلف الذي اخذ عنه تلك الفكرة، وله بعد ذلك الفضل في تقربها إلى الأذهان بصوغها في قالبه الخاص الرائع، وفي تحويرها من حكاية قصصية إلى قصة تمثيلية وإما أن يكون ذلك من قبيل توارد الخواطر وتشابه الأفكار بين كاتبين مختلقين في زمنين متقاربين، وليس في هذا أيضاً من حرج. . . ولكن دعني ألا أعتقد به هنا قبل أن تأتيني بجرعة من ماء ذلك النهر في حق من ذهب أو إناء من خزف

إسكندرية

جورج وغديس

(الرسالة) هناك فرض ثالث وهو ان يكون مصدر الكاتبين

واحداً