مجلة الرسالة/العدد 834/رثاء الفنان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 834/رثاء الفنان

مجلة الرسالة - العدد 834
رثاء الفنان
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 27 - 06 - 1949


للأستاذ الشاعر علي محمود طه

أسألكم: ويح من يُجيب! ... ما خطبكم؟ لم يَمتْ نجيب

ما مات من أضحك المآسي ... من قَدَرٍ صُنعُهُ عجيب

وصير الدمع في المآقي ... على ابتساماته يذوب

وجمَّل العيش للحزاني ... فكل حال به تطيب

وأنصف الدهر من حظوظ ... تُخطئ في الناس أو تُصيب

ومثَّل الزَّيْف من حياة ... مُرَقعٍ ثوبُها القشيب

كادتْ لتمثيله الليالي ... تبكي، وتستعبر الخطوب

وكاد منه الزمان يُغضى ... خِزياً، وتستغفر الذنوب

مُعلِّمٌ ماله ضريبُ ... معهدُهُ المسرحُ الحبيب

فتىً كطير الربيع روحاً ... موهوبةٌ نفسُه وهوب

البارعُ اللفظ في بيانٍ ... يحار في صوغه الأديب

كأنه ما ثلٌ لعيني ... وعهده بالنوى قريب

حلوُ الأشارات في سِماتٍ ... له بتصويرها ضروبُ

وصوته ملء كل سمع ... تهفو لأيقاعه القلوب

أستاذ جيل إلى نِداهُ ... عواطفُ الجيل تستجيب

يعلمُ الشعبَ أو يُسلي ... من شفَّهُ الهمُ واللغوبُ

في قصةٍ مُرَّةٍ حوَتها ... ملهاته الحلوةُ الطروب

أو مُلحةٍ عذبة جلاها ... أسلوبُه الساخر اللعوبُ

يُلقى بها ضاحكاً ويمشي ... وقلبه ساهم كئيب

حياتنا مثلما رآها ... صورها ناقد لبيب

مصرية الذوق لم يشبها ... تصنع لفظه مشوب

ولم تلفق ولم تنمق ... بها الأباطيل والعيوب

حقائق لم يوار منها ... مجامل هازل هيوب مدرسة ما بها كتابٌ ... ومنبرٌ ماله خطيب

لا سِنَّ للدارسين فيها ... طُلاَّبُها فتيةٌ وشيب

ويستوي جاهل لديها ... وعالمٌ فاهم أريب

ألكل فيها لهم متاع ... وفْرٌ ومن علمه نصيب

يا لهفة الفن حين أودى ... وما اعترى نجمه شحوب

ولا روى أفقه ظلام ... له على موجه وثوب

في لحظةٍ لم يجُلْ يذهن ... قضاؤها الفاجع الرهيب

حيث يُنادي وحيث يُرجى ... مشيبه الرائع الخصيب

قم يا نجيب انفُضِ المنايا ... واسمعْ تجد أُمَّةً تُجيب

صَحَتْ على موكب هلوع ... بخنقه الحزنُ والنحيب

مصر التي قدَّرتك حياً ... يا أيها النابغ الغريبُ

بمثل ما شيعتك يوم ال ... وداع لم تسمع الشعوب

وأنت بالعهد من هواها ... ربيبها وابنها النجيب

لم يَنس (فاروقُ) من إليها ... انتمى، ومن باسمها يُهيب

ومن رعاها، ومن حماها ... هواهُ أو صدرهُ الرحيب

مْلكٌ تلوذ الفنون منه ... بسُدَّة حصنها القلوبُ

في مفرق الفنِّ في يديه ... لؤلؤة حُرَّةٌ خلوبُ

تود منها الشموس قبساً ... وتصعد الشهبُ أو تصوب

أشعةُ المجد من سناها ... عن ملكه الضخم لا تغيب!

علي محمود طه