مجلة الرسالة/العدد 810/مسابقة الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية (1)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 810/مسابقة الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية (1)

مجلة الرسالة - العدد 810
مسابقة الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية (1)
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 01 - 1949


(1) النفس عند ابن سينا (1)

للأستاذ كمال دسوقي

لعل حظ طلاب المسابقة في كتاب النجاة لابن سينا هذا العام أوفر من حظ زملائهم في كتاب (الإشارات) بالعام الماضي لجملة أسباب:

فليس (النجاة) أولاً كتاب ألغاز ورموز وأحاجي كالإشارات ولم يقصد به ابن سينا إلى التعمية والإبهام والغموض الذي قصد بالآخر؛ لأنه لم يعرض فيه للحكمة المشرقية التي تناولها في الإشارات، بل أجمل فيه ذكر مسائل من الفلسفة اليونانية - والأرسطية خصوصاً - كان قد فصل القول فيها في كتابه (الشفاء) ومن قبل في كتابه (الحاوي للعلوم الحكمية)؛ حيث كان لا يزال لأر سطو على تفكيره سلطان كبير. فأنتم هنا بصدد فلسفة عقلية خالصة - بل كما سأبين لكم - بصدد علم نفس فلسفي.

ثم إن طبعة هذا الكتاب التي بين أيديكم (طبعة الكردي 1938) هي أحسن حالاً بكثير من طبعة غيرها من الكتب في الفلسفة الإسلامية؛ من حيث عناية الناشر بمظهرها وتصحيحها وإمدادها بين الحين والحين بشذرات تفسيرية موجزة، وإن كانت قليلة الفائدة، وتبويب فصول الكتاب ومقالاته، ثم التقديم بين نشرته هذه بكلمة عن حياة الفيلسوف وآثاره؛ رجع فيها - كما يرجع غيره من ناشري كتب ابن سينا - إلى ما دونه الشيخ الرئيس من تاريخ حياته، ورواه عنه تلميذه الجورجاني. وتجدون نصه الكامل في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة (ج 2ص1 - 16) وفي مقدمة كتاب منطق المشرقيين لابن سينا وفي غير ذلك نقل عن ابن أبي أصيبعة المذكور.

واختيار مقالة النفس بالذات من بين مقالاته هذا الكتاب اختيار موفق؛ فإن ابن سينا - فيما أرى - عالم نفس مغمور، ولولا أن علم النفس الحديث قد أصبح لا يقيم لتاريخ تطوره كبير وزن بعد أن أتخذ لنفسه أخيراً صبغة العلم التجريبي؛ لوجب أن يكون لابن سينا فيه شأن كبير. بل لعلكم تلاحظون اتجاهه النفسي هذا حتى في تسميته كتبه: الشفاء، النجاة، الإشارات والتنبيهات. . . الخ.

وقد كتب ابن سينا في النفس وهو ابن ثماني عشرة سنة، فصنف (رسالة في النفس) للأمير نوح بن منصور الساماني الذي ألحقه بخدمته وأطلق يده في مكتبته منذ أن نجح - دون أطباء عصره - في علاجه وشفائه من مرضه، فنحا فيها النحو الأرسطي الكامل تقريباً في كتابه سواء في إثبات وجود النفس، وفي تعريفها وتصنيف ملكاتها، وقد نشر هذه الرسالة إدوارد فنديك في مصر سنة 135 هجرية (وتجدون نسخة منها بقاعة المطالعة بمكتبة الجامعة). كما أنه كتب رسائل أخرى مستقلة عن النفس باسم رسالة النفس الناطقة وأحوالها، ورسالة في أقسام العلوم العقلية؛ هذا عدا قصصه الرمزية الكثيرة التي كتبها أخيراً، والتي لا تعنيكم كثيراً لأنه حين كتبها كان قد تشرب الروح الصوفي المشرقي الذي قلت إن كتاب النجاة يعفيكم منه بما لم يعف (الإشارات) إخوانكم من قبل.

وتناول ابن سينا النفس في كتبه الكبيرة كذلك، وجعل لها في كل منها موضعا ثابتاً من قسم خاص لا تتغير مهما تجددت تواليفه وكتاباته، فإن طريقة ابن سينا في التأليف - كما يظهركم عليه تاريخ حياته وأقوال تلاميذه - كانت أن يحدد أولاً رءوس موضوعاته، ثم يتولى كلاً منها بالشرح والإفاضة؛ لأن مادته كانت حاضرة في ذهنه أبداً منذ أن استوعب حكمة القدماء وفلسفة اليونان حدثاً، مما يجعلك تلمس نفس الروح في مختلف كتبه؛ قبل أن يمزج فلسفة اليونان بالتصوف الشرقي والحكمة المشرقية.

فما هو إذن موضع الحديث عن النفس في كتب ابن سينا؟

تشغل النفس من غالبية كتابات ابن سينا القسم الأخير من الطبعات على حد تقسيمه هو والفارابي من قبله العلوم العقلية إلى نظري وعملي، والنظري إلى علم طبيعي أولي، وعلم رياضي متوسط، وعلم إلهي أعلى (وإن كان هو في كتبه لا يتعرض للرياضيات - العلم الأوسط - بل يضع محلها العلم الطبيعي، ويسبقه بالمنطق كمقدمة. فتصنيفه شيء، وخطته في كتبه شيء آخر) فلن تجد كتاباً لابن سينا لا يبدأ بالمنطق ولا يثنى بالطبيعيات، ولا يختتم بالإلهيات - حتى أن كتابه الإشارات قد سار على هذا النمط، وحتى قال المؤرخون إن القسم المنطقي الذي سقط من كتاب الشفاء هو الذي نشر منفرداً في (منطق المشرقيين).

والحكمة الطبيعية ذاتها تنقسم عنده قسمين: فمنها ما يقوم مقام الأصل، ومنها ما يقوم مقام الفرع، ومنها المبادئ الثابتة والأعراض اللاحقة كالحركة والسكون، والزمان والمكان، والخلاء، والتناهي واللا تناهي، والتماس والالتحام والاتصال، والتتالي. أما ما يقوم مقام الأصل فالنفس آخره، ويسبقها دائماً:

(1) البحث في الأمور العامة لجميع الطبيعيات كالمادة، والصورة، والحركة والمحرك الأول. . . الخ مما هو موضوع (سمع الكيان) عند أر سطو.

(2) والبحث في أحوال الأجسام التي هي أركان العالم، كالسماوات والعوالم المختلفة، مما ورد (في السماء والعالم).

(3) والبحث في الكون والفساد، والنشوء والبلى والاستحالة، والأجسام التي لكل منها والقابلة لها. . . الخ مما جاء في (الكون والفساد) لأر سطو.

(4) والبحث بعد ذلك في العناصر الأربعة وما يعرض لها من حركات التخلخل والتكاتف، ويتناول الشهب والغيوم والأمطار والرعد والبرق والصواعق والرياح والزلازل والجبال والبحار. . . الخ

هذه أربع أقسام رئيسية كبرى من مباحث الطبيعيات الأولى، تتلوها أربعة أخرى تتناول تفصيل القول في الكائنات المعدنية (كما في الآثار العلوية وكتاب المعادن لأر سطو) ثم الكائنات النباتية (كتاب النبات) فالكائنات الحيوانية (كتاب طبائع الحيوان) وأخيراً القول في معرفة النفس والقوى الدراكة (الإدراكية) التي في الحيوانات، وخصوصاً التي في الإنسان وبيان أن التي في الإنسان لا تموت بموت البدن، وأنها جوهر روحاني إلهي مفارق (مما يشتمل عليه كتاباً (الحس والمحسوس) و (النفس) لأر سطو).

وهذا القسم الأخير هو موضوعكم، وإن كان يلزم وضعه في موضعه من الإطار الذي أوجزت لكم للعلوم عند ابن سينا. كما سيلزمكم معرفة موضع النفس ذاتها من سلسلة الموجودات في مذهبه - مما سأشرح لكم في مقال تال. والحديث عن النفس يتناول جزءاً كبيراً من طبيعيات النجاة، ويعرض لموضوعات متشعبة كثيرة، ويذكر تعريفات وتقسيمات مختلفة للنفس وقواها وملكاتها وأفاعيلها ووظائفها - مما هو سمة عامة من سمات البحوث النفسية في العصور الوسطى المسيحية والإسلامية؛ أعني كثرة تفريع الملكات والقوى والنفسية؛ مما كان محل سخط الفلاسفة النفسيين منذ عصر النهضة في العصر الحديث، ومما سيجعل مهمتكم في دراسة هذا الباب شاقة عسيرة شيئاً.

ولعلكم تستطيعون أن تتبينوا معي - من خلال هذه الكثرة المختلطة من الموضوعات - أنه يمكن تصنيفها تحت الرءوس الآتية:

(1) التقسيم الأرستطالي للنفس إلى نباتية وحيوانية وناطقة مع تعريف كل منها وذكر قواها وأفاعيلها، ويلحق ذلك القول في الحواس الظاهرة والباطنة (ص 157 - 163)

(2) الحديث عن النفس الناطقة، وتقسيمها إلى نظرية وعملية، أو عالمة وعاملة، ومراتب كل منهما، وطرق اكتساب النفس الناطقة النظرية للعلوم، والتفرقة بين قواها المختلفة وترتيبها بحسب رياستها (ص 163 - 171)

(3) البحث في النفس من حيث وجودها، أو إثبات وجودها؛ ويشمل الحديث عن جوهرية النفس وتجردها عن البدن ومفارقتها له، والأدلة على ذلك، وأنها حادثة وخالدة؛ لا تقبل الفساد ولا التحلل أو التناسخ، ثم الاستدلال بوحدتها على صلتها بما يسميه العقل الفعال - مما يمهد به للانتقال إلى قسم الإلهيات - كما سترون في ترتيبه للموجودات، فالموضوعات عند أبن سينا متصلة الحلقات، يلحق بعضها ببعض، ويمهد بعضها لبعض. وبتعمل وصناعة غير قليلين سنستطيع اقتطاع النفس من موكب موضوعاته هذه المتدفق، لنلقى عليها نظرة تحليلية في مقالاتنا التالية.

كمال دسوقي