مجلة الرسالة/العدد 789/الأدب والفن في أسبوع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 789/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 789
الأدب والفن في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 16 - 08 - 1948


للأستاذ العباس خضر

محاضرات المصريين بالسودان:

تهتم الآن وزارة المعارف بتنظيم المحاضرات الثقافية التي يلقيها الأساتذة المصريون بالسودان، وأدرجت في الميزانية لهذا الغرض ألفي جنيه؛ وذلك بعد أن رأت إقبال الجمهور المثقف بالخرطوم على المحاضرات التي نظمتها في العام الماضي مدرسة الملك فاروق الثانوية بالخرطوم، فرأت تدعيم محاضرات المدرسة بمحاضرات أخرى في نوادي الخرطوم يلقيها المفتشون الذين يعملون بالمراقبة العامة في السودان.

وليست محاضرات مدرسة الملك فاروق في العام الماضي، أول تجربة في هذا السبيل، ففي سنة 1943 أوفدت وزارة المعارف بعثتين من كبار أساتذتها، فألقوا محاضرات بأندية الخرطوم وأم درمان، كان لها طرب في نفوس إخواننا بأعلى النيل، وأقول (طرب) وأنا أقصد معنى الكلمة. . فقد كنت هناك في ذلك الوقت، ولا أزال أذكر كيف امتلأ نادي الخريجين بأم درمان - امتلأ ذلك النادي الرحيب واحتشدت فيه الجماهير لسماع محاضرة الأستاذ السباعي بيومي في (إعجاز الفاصلة في القرآن) وشاع الطرب في الحاضرين حتى كانوا يهتفون عند الفواصل: الله! كأنهم - لشدة تأثرهم وعمق تذوقهم - في حفل غناء ويوم ذلك أبقيت هذه الثقافة العربية الإسلامية هي الغذاء الروحي المشترك بين أهل الوادي في الشمال وفي الجنوب، كما يشتركون في الغذاء المادي من ماء النيل.

وأريد أن أفرغ من ذلك لأبنه على أمر آخر في هذا الموضوع، ذلك أن الوزارة تقصر بعثات المحاضرين المصريين إلى السودان على أساتذتهم والمفتشين بها. ولكني أقترح عليها أن تدعو بعض الكتاب والمؤلفين، من غير رجالها، الذي يعرفهم السودانيون بالقراءة لهم، وهم ولا شك يودون رؤيتهم وسماعهم؛ فتخرج بذلك هذه المحاضرات الثقافية عن النطاق الرسمي. ولا أخفي أن اكثر محاضرات المفتشين والمدرسين ذات طابع مدرسي، وقد أشارت إلى ذلك بعض صحف الخرطوم التعليق على بعض محاضرات سنة 1943.

مؤتمر اللغويين والمستشرقين: عقد بباريس في أواخر يوليه الماضي وأوائل أغسطس الحالي، مؤتمران كان لمصر فيهما نشاط ملحوظ، وكان للغة العربية في أحدهما ظفر يغتبط به، وهما مؤتمر اللغويين ومؤتمر المستشرقين، وقدانعقد على التعاقب، كان أولهما مؤتمر اللغويين وقد اختم أعماله يوم 27 يوليه، وكان مما قرره تمثيل مصر في لجنته الدولية الدائمة.

وكان بعد ذلك مؤتمر المستشرقين، وكان من الرغبات التي أبداها أن تعنى دول العالم أجمع بإدخال معلومات عامة عن المدينة الشرقية في برامج التعليم مع العناية بالمدينة الإسلامية وما تبقى من المدينتين الهندية والصينية، فإنه لا يجوز لأهل الغرب أن يجهلوا ما كانت عليه مدينة أهل الشرق الذين يؤلفون نصف سكان العالم.

وظفر اللغة العربية الذي يدعو إلى الاغتباط، كان في الجلسة الختامية المؤتمر المستشرقين، إذ اقترح الدكتور محمد يوسف موسى الأستاذ بالأزهر أن يوافق المؤتمر على قبول التباحث باللغة العربية في المؤتمر القادم ولا سيما عند بحث المسائل الإسلامية. ونوقش الاقتراح ثم تقرر قبوله.

وقد بدا نشاط ممثلي مصر في المؤتمرين، إذ ألقوا بحوثا، وقدموا تقارير واقتراحات، كانت موضع التقدير، واسترعى الانتباه ما أبداه العلماء المصريون في علم الآثار القديمة مما يدل على بلوغهم فيه درجة عالية، وقال بعض الأعضاء إنهم اصبحوا فيه مساوين لسائر علماء الآثار في العالم.

الدكتور طه حسين:

ويمثل الدكتور طه حسين بك في هذين المؤتمرين، مجمع فؤاد الأول للغة العربية، وتدل الأنباء الواردة على وفرة نشاطه فيهما، وقد كتب للأهرام مقالاً - من المقالات التي يوافيها به من باريس - نشرته بعنوان (بين مؤتمرين) أبدى فيه شغفه بمتابعة أعمال لجانهما فتمنى أن يظفر ب (تعدد الأجسام) فيستطيع، كما يقال عن أهل الخطوة، أن يحضر الاجتماعات المتعددة المنعقدة في وقت واحد. . . أي يحضرها كلها في وقت واحد أيضا! (ولكن هيهات، إذا أتيح لك أن تستمع لحديث يلقى في هذه الساعة من ساعات الضحى فقد قضى عليك أن تحرم أحاديث كثيرة جدا تلقى في نفس هذه الساعة في الغرفات المجاورة أو في الغرفات البعيدة أو في الدور النائية من هذه الدار التي أنت فيها) ومما تضمنه مقال الدكتور طه أن المصريين كانوا قلة في مؤتمر اللغويين، وكانوا كثرة في مؤتمر المستشرقين ومع ذلك فانهم اكثر ما ألقى فيه من حديث (فلم يشهد المصريون إلا ثلاثة أقسام من عشرة أقسام، لا لأن أجسامهم لم تطاوعهم ولا لأن عددهم لم يطاوعهم، بل لأنهم مع الأسف الشديد لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، فهم قد استطاعوا أن يشاركوا فيما يتصل بالدراسات الإسلامية وبالدراسات السامية وبالآثار المصرية القديمة والقبطية والإسلامية، فأما عدا ذلك من شؤون الترك والفرس والهند والصين ومن شؤون الدراسات اليونانية الرومانية في الشرق القريب والبعيد فلم يشارك المصريون فيه لأنهم لا يحسونه ولأنه لا يدرس في بلادهم، ولأن بلادهم لم تفكر بعد في أن تهيئ أبناءها للتخصص في فنون العلم على اختلافها).

الدكتور طه بين مصر وفرنسا:

وعلى ذكر المقالات التي يوالى الدكتور طه كتابتها للأهرام من باريس - أقول إنه لوحظ في بعض عباراتها ما يدل على أنه عاتب على مصر، أو غير راض عما يتعلق بشخصه فيها، أو كما نقول بلغة الحديث العامية (واخد على خاطره) فقد قال في أولى هذه المقالات إنه سيعود إلى مصر يوم تدعوه إليها. . . وفي المقال (بين مؤتمرين) المتقدم ذكره، ختم الحديث عن وفد مصر غير المستكمل للدراسات المختلفة بتوجيه الكلام إلى الهيئات التي أوفدته، فقال (وأول هذه الهيئات المختصة مجلس الوزراء الذي أوفد إلى المؤتمر وفدا مصريا أستثنى نفسه منه، ثم أقول بعد ذلك إنه شرف مصر حقا) وجاء في بعض الأنباء أن الدكتور طه سيسافر إلى إحدى القرى الفرنسية للاستجمام، ثم يسافر إلى إسبانيا لإلقاء محاضرات أدبية ببعض معاهدها وجامعاتها، تلبية لدعوة حكومتها، ولم يرد في النبأ ذكر لعودته إلى مصر.

ويدل استثناؤه من الوفد الذي أوفد مجلس الوزراء على أن الأمر إنما هو بينه وبين الدولة، ولكن ألم يوفده مجمع فؤاد الأول للغة العربية وهو من الدولة؟ ولنفرض أن الدولة جافته في بعض الأمور، فهل هذا يؤدى إلى التدلل على مصر وهجرانها وهي تقدره حق قدره؟ وماذا صنعت فرنسا للدكتور طه مما لم تحققه له مصر، فرضى عنها واخذ أمورها مأخذ المحب، كما تدل على ذلك مقالاته الأخيرة بالأهرام؟

على أننا لم نسمع قبل اليوم أن أحداً من كبارنا أمثال الدكتور طه، ممن نالهم بعض العنت في عهود غير أوليائهم، قد غضب من مصر وهجرها إلى غيرها من البلاد. ولعل ذلك لأنهم ليس لهم (فرنسا) يهيمون بها. . . وهل تحتضن الدولة كل كبار الأدباء؟ وهل هذا لازم لعيشهم في البلاد ورضائهم عنها؟

أكتب هذه وأنا آسف لحرمان مصر في هذه الآونة المضطربة قلم طه حسين الفياض، وهي أحوج إلى صولاته في صميم شؤونها المعقدة المختلفة، منها إلى ما يلقى في حجرات المؤتمرات القريبة والنائية. . . وإن ذلك لأجدى عليها من دراسة شؤون البلاد التي تركب الأفيال!

الكبراء والكتب:

قرأت في مقال للأستاذ المازني بالعدد الأخير من أخبار اليوم، أنه كان في مجلس جاء فيه ذكر بعض الذين يعدون أنفسهم من القادة أو الزعماء، فقال (إني أراهن بما تشاءون - وأنا واثق أني لن أخسر - أنه ليس في بيت (فلان) - ولا داعي لذكر اسمه - كتاب واحد حتى ولا رواية بوليسية وقال هذا مثل واحد أكتفي به لأنه يغنى عن غيره.

وقد ذكرني هذا بما قصه على صديقي س قال: عهد إلى أن أقدم إلى بعض الكبار هدايا: نسخا من كتاب أخرجته لجنة إحياء آثار أبي العلاء المعري، تنفيذا لقرار وزارة المعارف القاضي بهذا الإهداء فقدمت له الكتاب، فتناوله ونظر إلى غلافه ثم قال متلطفا أو متظاهرا بالمعرفة: نعم. أبو العلاء المعري! بضم الميم.

وهذا الذي جرى لميم المعري ليس أمرا هينا. . فأقل ما يدل عليه عدم استحقاق الهدية! وكم هناك ممن يستحقونها ولا تهدى إليهم، لأن الوزارة تهدى هذه الكتب إلى الكبراء وأصحاب المناصب العالية، وأكثرهم لا يقرءونها ولا يعرفون قيمتها، ولا تنظر إلى غيرهم من الأدباء والمتعلمين الذي يلاقون العنت في استعارتها من دار الكتب المصرية.

احتلال الأوبرا:

يظهر أن المهزلة التي تمثل سنويا على مسرح الأوبرا - ستتابع فصولها في الموسم القادم.

أعنى الفرق الأجنبية التي تجلب من أوربا كل عام لتسلية (الخواجات) والترفيه عن أبناء الذوات. . . فتحتل المسرح القومي أكثر الموسم بعد أن تجلو عنه الفرقة المصرية وهي أحق به.

فقد قال مراسل الأهرام من باريس أن الأستاذ سليمان نجيب بك مدير دار الأوبرا الملكية وصل إلى باريس وصرح له بأنه سيدعو إلى مصر بين شهري يناير ومارس القادمين، فرقة مونت كارلو لمدة 15 يوما، وفرقة الأوبرا الإيطالية لمدة أربعين يوما، كما أنه سيدعو إليها ببار بيار بلا نشان لمدة شهر مع فرقة تمثل خمسا من رواياته. ويضيف إلى ذلك أنه يرجو أن يوفق لإرسال فرقة الكوميدية المصرية إلى فرنسا وانجلتا في مقابل الفرق الأجنبية التي تستقبلها مصر.

وأنا أسال أولا: ما هي فرقة الكوميديا المصرية التي يرجو أن يبادل بها. . .؟ هل عندنا فرقة بهذا الاسم؟ إن كل ما لدينا هي الفرقة المصرية التي تشرف عليها وزارة الشئون الاجتماعية وهي ليست كوميدية، والفرق الأخرى معطلة هذه السياسة التي منها استجلاب الفرق الأجنبية.

المسألة ليست إلا ستراً للموقف بتسميتها (تبادل فرق) فقد استنكر الرأي العام في السنة الماضية الاستمرار في استيراد الفرق الأجنبية، وحمل عليه النقاد حملات موقفة، وكان لنا في ذلك مشاركة. فأريد اتقاء الشعور العام بهذا (الرجاء) وقد تطورت ظروف البلاد بعد ذلك حتى صرنا إلى حال لم يكن يصح فيها أبدا مجرد التفكير في شيء من هذا الذي يزمعه مدير دار الأوبرا. وقد قال النقاد وقلنا في العام الماضي، والجديد الآن أننا نحارب في فلسطين - نقاتل ونهادن وندفع العدوان ونستأنف القتال - وهذا يقتضي تجديد الجهود والأموال لمواجهة الجهاد، ولماذا نلغي الحفلات الرسمية وتستغني عما يماثلها من الكماليات. وقد وقفت دول الغرب ضج قضية العروبة، وهذا يقتضي أن نقف منهم موقف الحازم لا يتفق معه أن ندعو فرقهم لاحتلال مسرحنا القومي، ولا يكفى اختصار المدة المعتادة، لأن الذي يدعو إلى هذا الاختصار هو الذي يدعو إلى الاستغناء التام

أراني أخذت في بيان ما هو ظاهر بالبداهة. . . وإني والله لأخجل أن أرى في بلادنا وفي هذه الظروف التي نحن فيها، تلك الفرق التي يراد قيادتها إلى مصر في الموسم القادم.

من طرف المجالس:

كان الحديث في قضية فلسطين وموقف هيئة الأمم المتحدة منها، وهو حديث المجالس الغالب في هذا الظرف. قال قائل: عجبا لهذه الهيئة. . . كونتها الأمم الكبيرة، لتحل - فيما تحل - المشاكل التي تنشأ بينها، وهذه - مثلا - مسألة برلين، لم تعرض عليها ولم تنظر فيها، بل عمدت الدول المؤلفة لها إلى المباحثة فيها، خارج الهيئة، بالمؤتمرات الثلاثية والرباعية، أما فلسطين فما أسرع ما تبت في شؤونها، لا لتحمي السلام وإنما لتحمي دولة إسرائيل المزعومة من بطش العرب، فهل تكونت الأمم المتحدة لتكون (هيئة شرف) بالنسبة لمسائل الأمم الكبيرة، ثم لتكون أداة فعالة في خدمة الأغراض الاستعمارية الصهيونية؟

قال آخر: ألا ترون أن هيئة الأمم المتحدة هي أيضا هيئة مزعومة

العباس خضر