مجلة الرسالة/العدد 784/من سجايا اليهود، نقض العهود

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 784/من سجايا اليهود، نقض العهود

مجلة الرسالة - العدد 784
من سجايا اليهود، نقض العهود
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 07 - 1948


للأستاذ علي العماري

كان موقف الصهيونيين من الهدنة مثيراً للعجب عند الخبيرين ببواطن الأمور، والجاهلين بها، فالعالم كله يعلم أن الدول الغربية إنما أرادت من الهدنة أن تحمي ظهور اليهود، وأن تبقى على البقية الباقية من قواتهم التي مزقتها الجيوش العربية، وأن تهيئ لهم الفرصة للاستجمام والراحة لعلهم يستطيعون أن يثبتوا وجودهم، وأن يمحوا العار الذي لحقهم، ويزيلوا الخجل من الدول التي ناصرتهم، وتساءل الناس، ما بالهم - وهذه حالهم - لم يصبروا على الهدنة ساعة من نهار؟ وما بال عصاباتهم ترتكب كل يوم حادثا جديداً؟ وربما اختلف الناس في الإجابة عن هذا السؤال الذي يبدو غريباً، وربما ذهبوا مذاهب شتى في التعليل والاستنتاج، ولكن الذي أؤكده أن مرجع ذلك ومرده إلى أن الغدر ونقض العهد من طبائع اليهود المتأصلة فيهم.

يؤيد ذلك تاريخهم الطويل المملوء بالمضحكات والمبكيات، مذ أذاقوا كليم الله موسى عليه السلام الأمرين، إلى أن لفظتهم جميع الدول من أرضها في العصر الحديث. ويؤيده ما سجله القرآن الكريم عليهم. ولهذه الطبيعة في نفوسهم لا أظن أن أحداً يرضى أن يركن إليهم، أو يثق بمواثيقهم وعهودهم، ولا أظن (برنادوت) بالغاً شيئاً مما يريد. وكيف، وقد أعيوا جميع الأنبياء والمصلحين الذين أرادوا لهم الخير؟! فما كان منهم إلا أن التووا على الجميع، وأصموا آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا، واستكبروا استكبارا. شكا منهم موسى عليه السلام فقال فيما حكاه القرآن عنه: (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الظالمين). وشكا منهم هرون عليه السلام: (قال يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء، ولا تجعلني مع القوم الظالمين). وشكا منهم أنبياء الله يوشع بن نون، وصمويل، وزكريا، ويحيى، وفي القرآن الكريم (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ليئس ما كانوا يفعلون).

ولقد عنى القرآن الكريم عناية ظاهرة بأخبارهم، والحديث عن سوء أخلاقهم، وكشف مطويات ضمائرهم، حتى كانت السورة بأكملها تنزل في حادثة من حوادثهم، كما نرى ف سورة الحشر التي سجلت مخزاة بني النضير. ومن مظاهر هذا الاهتمام أن أول سورة نزلت بالمدينة وهي سورة البقرة جاء في صدرها نحو الثمانين آية مما يتعلق باليهود وآبائهم، وأن الدارس ليستطيع أن يستخلص أهم المظاهر الأخلاقية التي كانت فاشية فيهم من بخل، وجهل، وعناد، وخيانة، وغدر، ودعاوي طويلة عريضة، ونفاق ورياء إلى آخر ما حفلت به الآيات الكريمة، ولكني هنا أريد أن أتحدث عن صفة واحدة من صفاتهم تلك هي (نقض العهود).

وقد ذكر جار الله الزمخشري في كشافه عند تفسير قول الله تعالى (أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم) قال: (واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود. وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله ﷺ فلم يفوا). . .

نعم قد أخذ الله منهم مواثيق كثيرة، ذكرت في القرآن، ولكنهم نقضوا جميع هذه المواثيق، وقد عاهدهم النبي غير مرة، ولكنهم كانوا ينقضون عهدهم في كل مرة.

فإنه ﷺ حين دخل المدينة وجد نفسه بين نارين: نار اليهود في المدينة، ونار المشركين في مكة، لذلك كان حريصاً على أن تحسن العلائق بينه وبين اليهود، فعقد معهم عهدا سياسيا خطيراً، بين فيه حقوق الطوائف كلها من مهاجرين وأنصار ويهود، ونص فيه على شروط الدفاع والهجوم، فقد كان يفكر في مهاجمة مكة، كما كان يتوقع أن تهاجمه يوماً ما، وقد أمن اليهود على كيانهم الاجتماعي، وترك لهم حرية الديانة. ومما جاء في هذا العهد (وأنه من تبعنا من يهود فإن له النضرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين).

وعاشوا في ظل هذا العهد آمنين مطمئنين حتى تكشف نواياهم، ونزلوا عند حكم طبائعهم، فقد كانوا يريدون أن يستميلوا النبي ﷺ إلى جانبهم، وكانوا يجدون رَوحا واطمئنانا في استقبال المسلمين بين المقدس في الصلاة، فلما رأوا أن بعض أحكام القرآن لا تتفق وأحكام التوراة، وجاء للنبي الأمر بالتوجه - في صلاته - إلى الكعبة بدرت منهم السوءة السوءاء، وقالوا: لو كان نبياً حقاً ما ترك ملة إبراهيم، وهم يزعمون أن بيت المقدس كان قبلة إبراهيم، فنزل قول الله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وقد حاول النبي أن يفهمهم أن لله المشرق والمغرب، ولكنهم سفهاء، فما يهتدون (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض). ثم كان انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى، فدخل الحق والحسد إلى قلوبهم، وقال كبراؤهم: (بطن الأرض اليوم خير من ظهرها) ثم نقضوا العهد.

ثم عاد النبي بني قريظة ألا يمالئوا عليه فنكثوا وأعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم فنكثوا، ومالوا مع المشركين يوم الخندق، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم، فأنزل الله فيهم قواصم الظهور (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون) وهكذا يدمغهم في وضوح وقوة، فهم كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، وهم ينقضون عهدهم في كل مرة، فليس على النبي ولا على المؤمنين من حرج إذا مزقوهم كل ممزق (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون، وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين).

وكيف يرجى من هؤلاء اليهود الخير، أو يوثق لهم بعهد، وهم يتنكرون لدينهم ويفضلون الوثنية على التوحيد في سبيل مطامعهم الدنيئة، ومآربهم الخسيسة، حتى وقعوا فيما لا يقع فيه ذو عقل وخلق. ذكروا أن وفداً من قريش جاء إلى اليهود وحادثهم في شأن الدين (وقالت قريش لليهود: يا معشر يهود! أنتم أهل الكتاب الأول، وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قال اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه!) وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا).

ولم يرض مؤرخ يهودي عن هذا الموقف المخزي من اليهود، ذلك هو الدكتور ولفنسون مؤلف كتاب (تاريخ اليهود في بلاد العرب) فقد علق على ذلك بقوله: (كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذه الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم. . . هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة إلى توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، والوقوف معهم موقف الخصومة).

(وبعد) فإن نقض اليهود للعهود موضوع طويل الذيول، ولست أريد - هنا - أن أستوفيه، وإنما هي إشارة عابرة.

ولا أختم هذه الكلمة حتى أروي النفس بهذه الآية الكريمة: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب).

وعد الله لا يخلف الله وعده.

علي العماري

مبعوث الأزهر إلى المعهد العلمي بأم درمان