مجلة الرسالة/العدد 781/رسَالة النقد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 781/رسَالة النقد

مجلة الرسالة - العدد 781
رسَالة النقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 06 - 1948


على هامش كتاب:

سعد زغلول من أقضيته

(إلى القانوني الأديب الأستاذ عبده حسن الزيات تحية شكري

وإعجابي)

للأستاذ عدنان الخطيب

(تتمة ما نشر في العددين السابقين)

9 المعيار الخلقي:

(كان معيار سعد الخلقي صارما) فقد كان يصدر أحكاماً تدل على هذا المعيار الصارم، وتدل على رغبته في سيادة مكارم الأخلاق على علاقات الناس ببعضهم، ولم يكن القانون عنده إلا في المنزلة الثانية بعد الأخلاق، وهو القائل، (إن كل شريعة تؤسس على فساد الأحلام فهي شريعة باطلة).

أسمع قوله في حكم من أحكامه (. . . إن هذا يعد من قبيل خيانة الأمانة، الممقوتة ذمة، المعاقب عليها قانونا) ولاشك أن (الإحساس الخلقي والالتفات الاجتماعي هما اللذان يوجهان سعداً إلى ناحية (الذمة) وقد كان غنياً عن الاجتماع بها اكتفاء بكون العمل (معاقباً عليه قانونا) وسعد في أحكامه جميعها (لا يصور لنا الناحية الخلقية - فحسب - ولكه يجمع بينها وبين المنفعة الاجتماعية) لا بل هو يريد (أن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون).

إن سعداً كان الرجل الفذ، الذي لا يعرف إلا الحق، والذي لا يخاف فيه لومة لائم، هو الرجل الذي يقدم الحق ويتبعه بقوله (هذا اعتقادي، وقد عاهدت الله أن أقول ما في ضميري، وهذه لذتي في حياتي).

سعد الأديب:

لقد كان سعد أديباً من الطراز الأول، أديباً يحمل بين جوانحه نفسية الأديب، ثم أضاف إليه ثقافة وميزات أدبية عظيمة، تلمح الإشارة إليها، وتعداد بعضها في كتاب الأستاذ الزيات، منثورة هنا وهناك، خلال دراسته لأحكام صدرت عن الفضاء الأهلي في مصر، يوم كان سعد قاضياً من قضاته؛ إن قرأتها فسوف (تقطع في غير تردد أو تحفظ بأنها أحكام سعد لحمة وسدى، ودماً ولحماً، وفكراً وأداء، المنطق الجبار الآسر، والحجة الوثابة تقفز - كجند يلتف - لتقطع الطريق على المناظر؛ واللفظ المشرف في تركيب مصقول، والأداء المحكم لا يشتكي قصر منه ولا طول. . وهذه التعبيرات المقبوسة من علم المنطق. . وهذا الجمال البياني الذي يستقيم على الطبع، فلا تشعر فيه بالآم النحت والسجع، وعناء (الفاعل) المتصبب تحت نير الصخور، يحمل نفسه فوق ما يطيق، ليزهو بحمله ويسعد أذنيه المفرورتين بكلمة من النظارة قد تكون غباء، وقد تكون رياء، أو قد تساق تهكما، أو قد تساق رثاء).

أما من يحب سماع صوت سعد فليقرأ أحكامه ليسمع (صوت الكاتب صاحب الأسلوب القوي الآسر) وأنا زعيم أنه، وإن جهل صاحبها، سيحكم، إن كان يعرف سعداً، إنها من بناته (فإن شمائله ظاهرة فيها ظهوراً قوياً: منطق قوي يعتمد على قياس المشابهة وقياس الأولوية. . . وصياغة عربية تضامنت أجزاؤها)، لينظر في هذه الأحكام من يجب أن يعرف سعداً ليرى (أسلوبه المتأنق، وبلاغته المخزونة) بل ليرى (ذوقه السليم) ليرى (وضوح الديباجة ونصاعة الأراء) (الأداء العربي. . . والأسلوب المحكم الدقيق) ليقرأ تلك الحيثيات التي خط الأستاذ الزيات تحتها فإنها (تكشف عن قوة العارضة في الجدال) حيناً، وتكشف عن (روح سعد المتهكمة وسخريته الحلوة حين تطمئن نفسه) أحياناً أخرى؛ إنها حيثيات (حكم مسهب، قوي التسبيب، محكم التقسيم).

ليقرأ معي، من يحب أن يعرف سعداً الأديب، هذه الفقرة (إنهن وارثات ضعيفات، وإنها ابنية حقير أشتات، والدائنون تجار أخشاب، يخيل الثراء في أوصافهم) ولاشك أنك أيها القارئ لها ألممت منها، ومنها وحدها، بموضوع الدعوى، وأهم الدفوع فيها، وتجلت لك فيها روح الحاكم وقناعته، بل ما سيحكم به عقبها إنها فقرة كتبها أديب عظيم، لقد صور لنا في كلماتها القليلة العدد قضية لا يستهان بعدد صفحاتها وأهميتها، ألا تعتقد معي، أيها القارئ الكريم، إن كاتبها (مخرج بارع دقيق)؟! عد إى قراءتها، واقرأ ما قبلها وما بعدها من فقرات (فسترى فكراً واحداً ينتظمها كلها، ونظراً واحداً يشيع بينها طمأنينة الانسجمام. إنها نغمة تضطر في غير نشاز، نغمة بغيضة إلى أولئك الذين يأكلون في بطونهم ناراً وسعيراً، جيبة إلى أولئك الصبية الضعاف وإلى الشادين بالعدل والراعين للحقوق)

إن الأديب عند سعد غير غريب عن معدنه، إنه ماء عذب يسيل من منبع صاف فياض، إن سعداً إن كتب أو خطب يكتب ويخطب (وكأنه يتمثل (النهج) الذي طالما نهل من بلاغته) وليس بعد بلاغة (النهج) من بلاغة!!

إعجاب ونقد:

كنت أفكر وأنا أقرأ كتاب (سعد) في التعليق على بعض ما أعجبني فيه، وعلى ما استلفت نظري من (تعليقات) الأستاذ الزيات الطريفة، ولكن إعجابي بالكتاب وبجهد مؤلفه الجبار، جعلني أترك ما أزمعت عليه، أتقدم من قراء (الرسالة) بهذه الخلاصة، فإن وجدوا فيها متعة فهي قبس من بيان صدقي الأستاذ الزيات وشل من فيض أدبه الرفيع، وإن أنكروا منها شيئاً، فهي لآلئ حاولت جمعها من كتاب سعد، وعليَّ وحدي تبعة سوء صياغتها الصياغة التي تعجب المتفرجين والناقدين.

وإني لا أود أن أنهي هذه الكلمة قبل إبداء بعض الملاحظات التي مرت بخاطري وأنا أقرأ الكتاب؛ فالكتاب ينقصه (فهرس) لا للأعلام، ولا للأحكام التي فيه لمعرفة دوائرها وتواريخ صدورها، بل (فهرس) يدلنا، على الأقل، على صفحات الفصول التسعة المقسم إليها الكتاب؛ وفي الكتاب نقص آخر وإنه لنقص في نظري عظيم، فقد خلا من موجز لسيرة سعد، إذ لو وجدت فيه لكانت عوناً كبيراً يرسم صورة سعد في مخيلة كل قارئ، بل لكانت رشداً يعين القارئ على تتبع حياة سعد في القضاء، وتواريخ تنقله بين دوائره العديدة، وعلى معرفة زمن دراسته للقانون، وتاريخ أجازته ومدة تعاطيه المحاماة، وتاريخ تركه للقضاء وسببه، وهذه أمور لها قيمتها، في تاريخ سعد بتتبع أحكامه القضائية، ورسم مناهج لدراستها دراسة لا تختلط اختلاط بعضها في بعض فصول الكتاب!

وليست هذه الملاحظات بمؤثرة على إعجابي وتقديري، ولا يعيب الحكم - كما يقول سعد - إلا يتضمن الإشارة إلى ما كان يحسن به أن يشير إليه، والثوب المتقن البديع لا يعيب لابسه، إن نقصته جيوب، ولو اتفق على أن الجيوب تزيد في كماله وجماله على من فيه.

(حمص)

عدنان الخطيب