مجلة الرسالة/العدد 780/من تاريخ الطب الإسلامي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 780/من تاريخ الطب الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 780
من تاريخ الطب الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 06 - 1948


لصاحب السعادة الدكتور قاسم غني

سفير إيران بمصر

- 5 -

يقول ابن سينا في المقدمة المذكورة:

(وبعد) فقد نزعت الهمة بنا إلى أن نجمع كلاماً فيما اختلف أهل البحث فيه لا نلتفت فيه لفت عصبية أو هوى أو عادة أو ألف، ولا نبالي من مفارقة تظهر منا لما ألفه متعلموا كتب اليونانيين إلفاً عن غفلة وقلة فهم، ولما سمع منا في كتب ألفناها للعاميين من المتفلسفة المشغوفين بالمشائين الظانين أن الله لم يهد إلا إياهم، ولم ينل رحمته سواهم، مع اعتراف منا بفضل أفضل سلفهم (يعني أرسطو) في تنبيهه لما نام عنه ذووه وأستاذوه، وفي تمييزه أقسام العلوم بعضها عن بعض، وفي ترتيبه العلوم خيراً مما رتبوه، وفي إدراكه الحق في كثير من الأشياء، وفي تفطنه لأصول صحيحة سرية في أكثر العلوم وفي إطلاعه الناس على ما بينها فيه السلف وأهل بلاده، وذلك أقصى ما يقدر عليه إنسان يكون أول من مدَّ يديه إلى تمييز مخلوط وتهذيب مفسد ويحق على من بعده أن يلموا شعثه ويرموا ثلماً يجدونه فيما بناه ويفرعوا أصولا أعطاها فما قدر من بعده على أن يفرغ نفسه عن عهدة ما ررثه منه وذهب عمره في تفهم ما أحسن فيه والتعصب لبعض ما فرط من تقصيره، فهو مشغول عمره بما سلف، ليس له مهلة يراجع فيها عقله، ولو وجدها ما استحل أن يضع ما قاله الأولون موضع المفتقر إلى ما زيد عليه أو إصلاح له أو تنقيح إياه.

وأما نحن فسهل علينا التفهم لما قالوه أول ما اشتغلنا به ولا يبعد أن يكون قد وقع إلينا من غير جهة اليونانيين علوم وكان الزمان الذي اشتغلنا فيه بذلك ريعان الحداثة، ووجدنا من توفيق الله ما قصر علينا بسببه مدة التفطن لما أورثوه. ثم قابلنا جميع ذلك بالنمط من العلم الذي يسميه اليونانيون (المنطق) - ولا يبعد أن يكون له عند المشرقيين اسم غيره - حرفاً حرفاً فوقفنا على ما تقابل وعلى ما عصى، وطلبنا لكل شيء وجهة فحق ما حق وزاف ما زاف.

ولما كان المشتغلون بالعلم شديدي الاعتزاز إلى (المشائين) من اليونانيين كرهنا شق العصا ومخالفة الجمهور فانحزنا إليهم وتعصبنا للمشائين إذ كانوا أولى فرقهم بالتعصب لهم - وأكملنا ما أرادوه وقصروا فيه ولم يبلغوا أربهم منه وأغضينا عما تخبطوا فيه، وجعلنا له وجهاً ومخرجاً ونحن بدخلته شاعرون وعلى ظله واقفون. فإن جاهرنا بمخالفتهم ففي الشيء الذي لم يكن الصبر عليه، وأما الكثير فقد غطيناه بأغطية التغافل. فمن جملة ذلك ما كرهنا أن يقف الجهال على مخالفة ما هو عندهم من الشهرة بحيث لا يشكون فيه ويشكون في النهار الواضح. وبعضه قد كان من الدقة بحيث تعمش عنه عيون هؤلاء الذين في العصر - فقد بلينا برفقة منهم عاري الفهم كأنهم خُشب مسندة يرون التعمق في النظرة بدعة، ومخالفة المشهور ضلالة كأنهم الحنابلة في كتب الحديث لو وجدنا منهم رشيداً أثبتناه بما حققناه - فكنا نفعهم به، وربما تسنى لهم الإيغال في معناه فعوضونا منفعة استبدوا بالتنفير عنها.

ومن جملة ما ضننا بإعلانه عابرين عليه - حق مغفول عنه يشار إليه فلا يتلقى إلا بالتعصب. فلذلك جرينا في كثير مما في نحن خبراء ببجدته مجرى المساعدة دون المحاقة. لو كان ما انكشف لنا أول ما انصببنا إلى هذا الشأن لم نبد فيه مراجعات منا لأنفسنا ومعاودات من نظرنا - لما تبينا فيه رأياً ولا ختلط علينا الرأي وسرى في عقائدنا الشك، وقلنا لعل وعسى. لكنكم أصحابنا تعلمون حالنا في أول أمرنا وآخره وطول المدة التي بين حكمنا الأول والثاني، وإذا وجدنا صورتنا هذه فبالأحرى أن نثق بأكثر ما قضيناه وحكمنا به واستدركناه، ولاسيما في الأشياء التي هي الأغراض الكبرى والغايات القصوى التي اعتبرناها وتعقبناها مئين من المرات. ولما كانت الصورة هذه والقضية على هذه الجملة، أحببنا أن نجمع كتاباً يحتوي على أمهات العلم الحق الذي استنبله من نظر كثيراً وفكر ملياً، ولم يكن من جودة الحدس بعيداً واجتهد في التعصب لكثير فيما يخالفه الحق فوجد لتعصبه وما يقوله وفاقاً عند الجماعة غير نفسه، ولا أحق بالإصغاء إليه من التعصب لطائفة إذا أخذ يصدق عليهم فإنه لا ينجيهم من العيوب إلا الصدق.

وما جمعنا هذا الكتاب لنظهره إلا لأنفسنا - أعني الذين يقومون منا مقام أنفسنا - وأما العامة من مزاولي هذا الشأن فقد أعطيناهم في (كتاب الشفاء) ما هو كثير لهم وفوق حاجتهم، وسنعطيهم وفي اللواحق ما يصلح لهم زيادة على ما أخذوه، وعلى كل حال فالاستعانة بالله وحده).

ويظهر لنا من هذه المقدمة الفرق الشاسع بين المترجمين ومتتبعي فلسفة اليونان الذين كانوا يتلقون آراء فلاسفة اليونان في جميع الأحوال بأحسن قبول ويعتبرون عقولهم منتهى ما يصل إليه العقل، وبين الحكماء أصحاب الرأي والنظر من المتأخرين أمثال ابن سينا ممن لم يكونوا يرون في عقول فلاسفة اليونان أقصى ما يبلغه العقل البشري ولم يكونوا يتقبلون آراءهم كحقائق لا تقبل الشك والجدل.

كان يرى الشيخ الرئيس أن فلسفة أرسطو تعتبر كاملة لزمان أرسطو فحسب، وأن للأجيال القادمة أن تبدي فيها رأيها تنقدها وتصحح ما تراه فيها من الخطأ كما كانت نظرة الرازي لأراء جالينوس في الطب.

وهناك أمر آخر أرى من المناسب أن أشير إليه وهو أن ابن سينا لم يقتصر في كتابه (الشفاء) وهو عن فلسفة المشائين - على نقل ما وصله من أقوال أرسطو عن طريق التراجم بل أنه (أي كتاب الشفاء) هو حاصل ما فهمه هو نفسه من فلسفة أرسطو

اتصل أبو عبيد الجوزجاني تلميذ الشيخ وصاحبه وجامع أكثر كتبه بابن سينا في جرجان وصاحبه حتى آخر أيام حياته أي ما يقارب خمسة وعشرين عاماً ولازمه في كل حال وكل مكان لم ينفك عنه في سفر أو حضر، وكان الراوي الثقة الذي نقل إلينا تاريخ حياة الشيخ.

يقول أبو عبيد هذا في شرح أحوال الشيخ: (ثم سألته أنا شرح كتب أرسطو طاليس فذكر أنه لا فراغ له إلى ذلك القوت، وقال ولكن إن رضيت مني بتصنيف كتاب أورد فيه ما صح عندي من هذه العلوم بلا مناظرة مع المخالفين ولا اشتغال بالرد عليهم، فعلت ذلك، فرضيت به.

وكان بعد محمد بن زكريا الرازي وقبل زمن الشيخ الرئيس ابن سينا طبيب آخر وهو علي بن العباس المجوسي الأهوازي، وكان تلميذاً لأبي ماهر موسى بن سبار المجوسي وله كتاب جامع في الطب اسمه (كامل الصناعة الطبية) ألفه وقدمه لعضد الدولة الدبلمي الملقب بشاهنشاه أو ملك الملوك. وكان طبيبه الخاص ومن هنا سمي الكتاب بالملكي.

ينتقد علي بن العباس في مقدمة مؤلفه هذا - وهو من الآثار الخالدة في الطب الإسلامي، جميع الأطباء الكبار الذين سبقوه.

نراه يقول في المقدمة المذكورة:

فأما أبقراط الذي كان أمام هذه الصناعة وأول من دونها في الكتب فقد وضع كتباً كثيرة في كل نوع من أنواع هذا العلم، منها كتاب واحد جامع لكثير مما يحتاج إليه طالب هذه الصناعة ضرورة، وهذا الكتاب هو كتاب الفصول، وقد يسهل جمع هذه الكتب حتى تصير كتاباً واحداً حاوياً لجميع ما قد يحتاج إليه في بلوغ غاية هذه الصناعة، إلا أنه استعمل فيه كسائر كتبه الإيجاز حتى صارت معان كثيرة من كلامه غامضة يحتاج القارئ لها إلى تفسير، وأما جالينوس المقدم المفضل في هذه الصناعة فإنه وضع كتباً كل واحد منها مفرد في نوع من أنواع هذا العلم وطول الكلام فيه وكرره لما احتاج إليه من الاستقصاء في الشرح وإقامة البراهين والرد على من عاند الحق وسلك سبيل المغالطين، ولم أجد له كتاباً واحداً يصف فيه ما يحتاج إليه في درك هذه الصناعة وبلوغ الغرض المقصود إليه منها للسبب الذي ذكرته آنفاً.

وقد وضع أورنياسيوس كتباً وكذلك فولس الأجنطي ورام كل واحد منهما أن يبين في كتابه جميع ما يحتاج إليه، فوجدت أوربناسيوس قد قصر في كتابه الصغير الذي وضعه لابنه (أوناقس) وإلى عوام الناس، فلم يذكر في الكتاب الذي وضعه لابنه (اسطات) في تسع مقالات فإنه لم يذكر فيه شيئاً من الأمور الطبيعية التي هي الاستقصات من الأمزجة والأخلاط والأعضاء والقوى والأفعال والأرواح إلا اليسير، ولم يذكر في هذين الكتابين شيئاً من العمل باليد؛ فأما كتابه الكبير الذي وضعه في سبعين مقالة فلم أجد فيه إلا مقالة واحدة فيها ذكر تشريح الأعضاء. وأما فولس فلم يذكر في كتابه من الأمور الطبيعية إلا اليسير. وأما أمر الأسباب والعلاقات وسائر أنواع المداواة والعلاج باليد فقد بالغ في بيانه؛ إلا أنه لم يذكر ما ذكره في كتابه على طريق من طرق التعليم. وأما المحدثون فلم أجد لأحد منهم كتاباً يصف فيه جميع ما يحتاج إليه في مداواة الأمراض والعلل وأسبابها وعلاماتها وما سوى ذلك فذكره على جهة الإيجاز من غير شرح واضح؛ ومع ذلك فإن ترجمته ترجمة سوء رديئة تعمي على القارئ له كثيراً من المعاني التي قصد إلى شرحها ولاسيما من لم ينظر في ترجمة حنين وأشباهه. وأما يوحنا بن سرابيون فإنه وضع كتاباً يذكر فيه شيئاً سوى مداواة العلل والأمراض التي تكون بالأدوية والتدبير ولم يذكر العلاج الذي يكون باليد، وترك أشياء كثيرة من العلل ولم يذكرها من ذلك أنه ترك من علل الدماغ ذكر العلل المعروفة بالطرب والعشق والاسترخاء الحادث عن القولنج ولم يذكر في علاج العين مداواة النتوء على ما ينبغي ولم يذكر علاج السرطان في العين وغير ذلك من علل الأجفان.

وأما مسيح فإنه وضع كتاباً نحا فيه النحو الذي نحاه هرون في قلة شرح الأمور الطبيعية والأمور التي ليست بطبيعية مع سوء ترتيبه لما وضعه في كتابه من العلم وقلة معرفته بتصنيف الكتب.

وأما محمد بن زكريا الرازي فإنه وضع كتابه المعروف بالمنصوري وذكر فيه جملا وجوامع من صناعة الطب ولم يغفل عن ذكر شيء مما يحتاج إليه، إلا أنه لم يستقص شرح ما ذكره لكنه استعمل فيه الإيجاز والاختصار وهذا كان غرضه وقصده فيه؛ فأما كتابه المعروف بالحاوي فوجدته قد ذكر فيه جميع ما يحتاج إليه المتطببون من حفظ الصحة ومداواة الأمراض والعلل التي تكون بالتدبير بالأدوية والأغذية وعلاماتها، ولم يغفل عن ذكر شيء مما يحتاج إليه الطالب لهذه الصناعة من تدبير الأمراض والعلل؛ غير أنه لم يذكر فيه شيئاً من الأمور الطبيعية كعلم الاستقصات والأمزجة والأخلاط وتشريح الأعضاء ولا العلاج باليد ولا ذكر ما ذكره من ذلك على ترتيب ونظام ولا على وجه من وجوه التعاليم ولاجزاه بالمقالات والفصول والأبواب. والذي يقع لي من أمره وأنو همه على ما يوجبه القياس من علمه ومعرفته لصناعة الطب وتصنيف الكتب وفهمه في هذا الكتاب إحدى الحالتين: إما أن يكون وضعه وذكر فيها ما ذكر من جميع علم الطب ليكون تذكرة له خاصة يرجع إليه فيما يحتاج من حفظ الصحة ومداواة الأمراض عند الشيخوخة ووقت الهرم أو النسيان أو خوفاً من آفة تعرض لكتبه فيعتاض منها بهذا الكتاب، وكذلك لكثرة تجريده التأليف من التعظيم، وإما أن ينتفع الناس به ويكون له ذكر حسن من بعده، فعلق جميع ما ذكره فيه تعليقاً ليعود فيه فينظمه ويرتبه ويضيف كل نوع منه إلى ما يشاكله ويثبته في بابه على ما يليق بمعرفته لهذه الصناعة فيكون الكتاب بذلك كاملا تاماً فعاقه عن ذلك عوائق وجاءه الموت قبل إتمامه؛ فإن كان إنما قصد به هذا الباب فقد طول فيه الكلام وعظمه من غير حاجة اضطرارية دعته إلى ذلك حتى قد عجز أكثر العلماء عن نسخه واقتنائه إلا اليسير من ذوي اليسار من أهل الأدب فقل وجوده، وذلك أنه ذكر في صفه كل واحد من الأمراض وأسبابه وعلاقاته ومداواته ما قاله كل واحد من الأطباء القدماء والمحدثين في ذلك المرض من ابقراط وجالينوس إلى أسحق بن حنين ومن كان بينهما من الأطباء القدماء والمحدثين ولم يترك شيئاً مما ذكر كل واحد منهم من ذلك إلا أورده في هذا الكتاب وعلى هذا القياس فقد صارت جميع كتب الطب محصورة في كتابه هذا.

وأما أنا فإني أذكر في كتابي هذا جميع ما يحتاج إليه في حفظ الصحة ومداواة الأمراض والعلل وطبائعها وأسبابها والأعراض التابعة لها والعلامات الدالة عليها مما يستغنى الطبيب الماهر عن معرفته إلى أن يقول (وأنا مثل لك مثالا للطريق الذي أسلكه في كتابي هذا من صفة الأمراض وأسبابها وعلاماتها ومداوتها وأجعل ذلك في ذات الجنب).

(يتبع)