مجلة الرسالة/العدد 775/طرائف من العصر المملوكي:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 775/طرائف من العصر المملوكي:

مجلة الرسالة - العدد 775
طرائف من العصر المملوكي:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 05 - 1948


السبعة الشهب

للأستاذ محمود رزق سليم

جرت عادة الشعر، أو اعتادت الطبيعة الشاعرة في كل أمة، وفي كل جيل من أجيالها أن تنجب، وأن تلد لنفسها من نجبائها رسلا يؤدون للناس رسالتها، ويقضون دينها، ويوفون للحياة حقها. فيكونون سريرتها النابضة وبصيرتها الوامضة، وبنودها الخافقة ولسنها الناطقة. ويحيون في جيلهم دولة الشعر والأدب.

ولو أننا تتبعنا العصر المملوكي من أوله إلى آخره، وهو زهاء قرون ثلاثة، تضم أجيالا ستة - إذا قدرنا لكل نصف قرن جيلا - لوجدنا في كل جيل منها حلبة من الشعراء، جالوا في الميدان، فرسان رهان، مالكين الأعنة شارعين الأسنة. والأدب اللباب مسلس لهم في الزمام، مرخ في الخطام. ليصلوا منه إلى الغاية، ويوفوا على النهاية. ولأدركنا أن الشاعرية المصرية ما كانت قط عقيما، وأن شعراءها ما كانوا أبداً مقصرين.

وإذا ذكرنا ما كان يحيق بالعصر وأدبائه، من متبطات الهمة وموهنات العزيمة، ومن منغصات العيش ومقعدات الأمل وموئسات الأدب، ثم رأينا أن شعراءه - بالرغم من هذا - انطلقوا في كل واد، وسرحوا في كل مسرح، حتى اتسعت في القول آمادهم، وبعدت آفاقهم، وقضوا حق الشعر فخلفوا منه أفانين، وأدوا رسالة الأدب فأبدعوا منه آيات. لعرفنا أي شعراء وأي أدباء كان هؤلاء الأسلاف.

وترى بين المتعاصرين منهم - فيما ترى - وشائج الأدب موصولة، وصلاته حافلة، وروح سارية متوثبة، ودعوته قائمة منشورة. لا يخلو أحدهم من مطارحة صديق أو معارضة رفيق، أو مداعبة صاحب، أو مفاكهة خليل، أو مسامرة نجي، أو معابثة شجي. أو مسابقة إلى مكرمة شعرية، أو مباراة في مأثرة أدبية.

وأولى حلباتهم حلبة الجزار والوراق، وابن عبد الظاهر والشاب الظريف. ثم حلبة ابن نباتة والحلي والصفدي وابن الوردي والشهاب بن فضل الله. ثم حلبة القراطي والموصلي وابن مكانس وابن أبي حجلة. - وهكذا لا تكاد تخلص من حلبة إلا إلى أختها، ولا تغادر طائفة إلى إلى غيرها. وإذا ذهبنا ننوه برجال كل حلبة عادين مآثرهم، ذاكرين مفاخرهم، لاحتاج المقال إلى أكثر من مجال.

والسبعة الشهب الذين عنونا بهم المقال، يكونون حلبة من تلك الحلبات، أو على وجه أدق هم فريق من حلبة تعاصر رجالها وتعدد أبطالها. وقد اجتمعوا في القاهرة في وقت واحد، وكان كل منهم يلقب بشهاب الدين وهم سبعة من الشعراء الذين زاع صيتهم وملأ شعرهم فجاج القاهرة وغمر أسماعها، حتى أطلق عليهم القاهريون هذه التسمية (السبعة الشهب) وعرفوا بها، وسجلتها لهم كتب الأدب والتاريخ.

هؤلاء الشهب السبعة هم: الشهاب بن حجر العسقلاني، والشهاب بن الشاب التائب، والشهاب بن أبي السعود، والشهاب ابن مباركشاه الدمشقي، والشهاب بن صالح، والشهاب الحجازي، والشهاب المنصوري.

لمعت هذه الشعب معا في سماء القاهرة في أواسط القرن التاسع الهجري، وليسوا أول الشهب اللامعة به ولا آخرها، فقد سطع بالقاهرة من الشعراء غيرهم من يدعى (شهاب الدين) مثل شهاب الدين بن العطار المصري المتوفي عام 794هـ، ولكن ميزة هؤلاء المتشابهين في ألقابهم وحرفتهم أنهم تعاصروا واجتمعوا بها فاقترنت ألقابهم، وأضفى عليهم هذا التعاصر والاجتماع ثوبا من الجلال والشهرة.

وفضلا عما اشتهر به كل منهم على حدة من الفضل، عقدت المودة أواصرها بينهم. . أو على الأقل بين بعض منهم وبعض، واتصلت بينهم وشائج الأدب وروابط الفن، فتبادلوا بالشعر مقارضات الثناء ومطارحات الإخاء، ونمت فيهم مظاهر التعاطف والألفة مع التسابق في مضمار الأدب.

أما شهاب الدين بن حجر العسقلاني فهو قاضي القضاة العالم الفقيه الحافظ الرواية المؤلف المؤرخ، صاحب كتاب (الدرر الكانتة) و (فتح الباري) و (الإصابة) وغيرها من ذخائر الفقه والتاريخ والحديث. وهو الأديب الشاعر النائر. وفي إحدى مقالاتنا السابقة جلينا صفحة من أدبه وروينا فيها طرفا من شعره، ذاكرين أن له ديوان شعر مخطوطا قيما لا يزال قابعا مجفوا في رف من رفوف دار الكتب المصرية. ولا بأس هنا أن نذكر أنه قال الشعر في أغراض عدة منها النبويات والمدائح والإخوانيات والغزل وغيرها. وقد وشح وقطع، وطارح وورى وألغز وحاجى، إلى غير ذلك.

ومن لطيف أغزاله قوله:

صب للقياك بالأشواق معمود ... فقيد صبر عن الأحباب مفقود

ناء عن الأهل والأوطان مغترب ... وواحد ماله في الصبر موجود

متيم قد بكى بعد الدموع دما ... كأنما هو في عينيه مفصود

النار ذات وقود في جوانحه ... شوقا وفي خده للدمع أخدود

يا مخجل الشمس بالأشواق إن فتى ... طلعت في داره يوما لمسعود

أسرت قلبي ومذ حجبت عن بصري ... تهيا فكان له بالقرب تبعيد

روى أن شهاب الدين بن مباركشاه مدح ابن حجر بقصيدة دالية. وروى أن شهاب الدين الحجازي كان يطارح ابن حجر شعراً.

وكان ابن حجر أول شهاب منهم خبا ضوءه وغاب شاعاعه، وأسلم للمغيب، وكان ذلك في عام 852هـ وقد رثاه الشهابان الحجازي والمنصوري. فقا لأولهما من قصيدة رائية:

كل البرية للمنية صائره ... وقفو لها شيئاً فشيئاً سائره

والنفس إن رضيت بذا ربحت وإن ... لم ترض كانت عند ذلك خاسره

ومنه يصفه:

فكأن في قبره سر غدا ... في الصدر والأفهام عنه قاصره

وكأنه في اللحد منه ذخيرة=أعظم بها درر العلوم الفاخره

وذكر الشهاب المنصوري أنه سار في جنازته، فأمطرت السماء على نعشه، وقد قرب إلى المصلى، ولم يكن الوقت وقت مطر فقال:

قد بكت السحب على ... قاضي القضاة بالمطر

وانهدم الكرن الذي ... كان مشيدا من حجر

أما شهاب الدين المعروف بالشاب التائب فهو أحمد بن علي ابن محمد القرافي القاهري الشافعي. ذكر السخاوي في الضوء أنه كان أديبا فاضلا جيد الخط، أخذ العلم والأدب عن ابن الهمام والشمني والحصني، وقرأ توضيح ابن هشام. وأنه كان يطارح بشعره. وممن طارحهم الشهاب المنصوري ومن شعره موريا في حسناء اسمها شقراء:

سبقت لميدان الفؤاد بحبها ... شقراء تجذب مهجتي بعنان فتراكبت حمر الدموع وشبهها ... مذ جالت الشقراء في الميدان

والشاب التائب هو ثاني المودعين من الشهب، فقد توفى عام 861هـ.

وبهذه المناسبة نذكر أن هناك شابا تائبا آخر ولد بالقاهرة سنة 767هـ، واسمه أحمد بن عمر بن أحمد، ولقبه شهاب الدين أيضاً، كان يتعاطى العلم حتى عد في الفضلاء، ويجلس على موائد الأدب حتى عد في الأدباء. وكان ينظم الشعر ويميل إلى الصوفية حتى اعتقد فيه بعض الناس، ومات بدمشق عام 832هـ. روى ذلك السخاوي في الضوء أيضاً.

أما شهاب الدين بن مباركشاه، فهو أحمد بن محمد حسين القاهري الحنفي، تلقى العلم على ابن الهمام وابن الديري، وغيرهما. وصنف بعض الكتب، ومنها كتب أدبية مثل (السفينة). وبرع في نظم الشعر، قال عنه ابن إياس: (كان من أعيان الشعراء)، حسن اتصاله بكثير من أعيان عصره ومنهم ابن حجر العسقلاني، وقد روينا أنه مدحه بقصيدة دالية. ومن شعره يشبه عشرة بعشرة قوله:

فرع جبين محيا قامة كفل ... صدغ فم وجنات ناظر ثغر

ليل هلال صباح باتة ونقا ... آس إقاح شقيق نرجس در

وله في القناعة:

لي في القناعة كنز لا نفاد له ... وعزة أوطأتني جبهة الأسد

أمسي وأصبح لا مسترفدا أحدا ... ولا ضنينا بميسور على أحد

والشهاب بن مباركشاه هو ثالث من توارى من الشهب، فقد توفى عام 862هـ.

أما الشهاب الرابع فهو شهاب الدين بن أبي السعود، وكان هو والشهاب بن صالح كثيري المطارحة. وقد توفى في مكة عام 870هـ.

وشهاب الدين بن صالح، اسمه أحمد بن محمد بن صالح، قال عنه ان إياس (كان حالما فاضلا وأديبا شاعراً ماهرا) ويعرف بابن صالح، وبسبط السعودي. والسعودي هو جده شمس الدين كان عالما وأديباً مصنفا.

وقد أكب ابن صالح على دراسة علوم الدين والعربية حتى برع في كثير منها، متتلمذا على جلة شيوخ عصره مثل القاياتي والشمني والنويري. وأقبل على فنون الأدب حتى حذقها، وأجاد في نظم الشعر، فانسجم لفظه ومعناه. وطرق أبواب المديح والإخوانيات ونظم العلوم. وطارح أنداده من كبار الشعراء ويقال إنه كان أرق شعراء عصره نظما. ويفضله صديقه شريف الدين العطار على ابن حجر العسقلاني وابن نباتة المصري. وكان هو وشهاب الدين بن أبي السعود فرسي رهان. واتصل بأعيان عصره ومنهم الكمال ابن البارزي. وكان ذكيا سريع الإدراك. وقد نظم العقائد النسفية شعرا. ويحدثون عنه أنه هجر الشعر بأخرة وجنح إلى العلوم.

ومن شعره يشب بمن اسمه (فرج) ويورمي ومضمنا:

شكا فؤادي هم الصد يا فرج ... وفيك أصبح صدري ضيقا حرجا

واستيئس القلب حتى رحت أنشده ... يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجا

ومدح السخاوي صاحب الضوء اللامع، ومن قوله فيه:

وقد حفظ الله الحديث بحفظه ... فلا ضائع إلا شذى منه طيب

وما زال يملا الطرس من بحر صدره ... لآليء إذ يملي علينا ونكتب

ومات ابن صالح في عام 873هـ. وهو خامس الشهب ظعنا.

أما سادسهم فشهاب الدين الحجازي، المولود في القاهرة عام 790هـ. واسمه أحمد بن محمد بن علي الأنصاري الخزرجي الشافعي. كان سريع الحفظ. وقد بدأ حياته التعليمية بدراسة مذهب الإمام الشافعي وحفظ حديث الرسول عليه السلام. وغير ذلك من علوم الدين. ثم أقبل بجماع نفسه على الأدب، وأجاد في قرض الشعر حتى طار صيته في الآفاق، وطارح العسقلاني، وراسل الشهاب المنصوري، وغيرهما.

وكان الحجازي خفيف الروح لطيف المعاشرة طريف المحاضرة. ويبدو لنا أنه كان عالي الهمة وثابا إلى المكرمات الأدبية، فقد روى أنه جمع شعره ونثره في ديوان. وله مختصر في شرح المقامات. وله شرح على المعلقات. وصنف كتبا أدبية عدة منها تذكرة في نحو خمسين مجلدة، وكتاب قلائد النحو في جواهر البحور. وكتاب في الألغاز وكتاب في الحماقة مرتب على حروف المعجم. - وفي دار الكتب المصرية نسخة مخطوطة محلاة بالذهب من كتابه (روض الأداب) وهو مجموعة أدبية مرتبة على خمسة أبواب: المطولات والموشحات والمقاطيع والنثريات والحكايات. ويبدو أنه لم ينجب، وذلك لقوله:

قالوا إذا لم يخلف ميت ذكرا ... ينسى، فقلت لهم في بعض أشعاري بعد الممات أصيحابي ستذكرني ... بما أخلف من أولاد أفكاري

ومن شعره:

قصدت رؤية خصر مذ سمعت به ... فقال لي بلسان الحال ينشدني

انظر إلى الردف تستغني به وأنا ... مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني

وقد مات الشهاب الحجازي عام 875هـ عن خمس وثمانين سنة تقريباً، فرثاه صديقه الشهاب المنصوري بقصيدة منها:

لهف نفسي على أفول الشهاب ... تحفة القوم نزهة الأصحاب

كان في مطلع البلاغة يسري ... فتوارى من الثرى بحجاب

فقدت بره أيامي المعاني ... ويتامى جواهر الآداب

هطلت أدمع السحاب عليه ... وقليل فيه دموع السحاب

وبموت الحجازي أصبح الشهاب المنصوري وحيداً لا شهاب غيره فقال يرثي زملاءه الستة:

خلت سماء المعاني من سنا الشهب ... فالآن أظلم أفق الشعر والأدب

تقطب العيش وجها بعد رحلة من ... تجانبوا بالمعاني مركز القطب

تعطلت خرد الأيام من درر ... كانت تحلى بها منهم ومن ذهب

لو تعلم الأرض ماذا ضمنت بطرت ... بهم كما يبطر الإنسان بالنسب

ولو درى المسك أن الأرض قبرهم ... لود نشقة عرف من شذى الترب

وقد أصبح المنصوري من بعدهم شاعر عصره غير منازع، ورأس أدبائه غير مدافع. واسمه أحمد بن محمد بن خضر السملي، ويعرف بالهائم القاهري. كان جميل الهيئة متعففاً عن الناس. مهر في نظم الشعر وسلك به أبواب الغزل والوصف والمديح والرثاء وغيرها. وقد عاش بين سنتي 799هـ، و887هـ، ومات بعد أن نيف على الثمانين، وبعد فالج أصيب به فأقعده زمنا. وقد جمع شعره في ديوان كبير. وتقدم لنا من نظمه أمثلة. ومن قوله في الشكوى:

ليت شعري وفي الزمان خطوب ... وبلاء يختص بالأحرار

هل لميت قضى عليه طبيب ... من كفيل أو آخذ بالثار وقال متفزلا فيمن اسمه (شاهين) مع التورية:

قد صاغك الله من لطف ومن كرم ... وزاد حسن بالإحسان تزيينا

فاخفض جناح الرضا واصطد طيور وغى ... من جو إخلاصنا إن كنت شاهينا

هؤلاء هم السبعة الشهب. ولو مدنا التاريخ بالكثير من أخبارهم لكان للبحث فيهم مجال أوسع، ولكن هذه الآثار التي قدمها عنهم تدل على علو كعبهم ورسوخ قدمهم في الأدب والشعر، فهي منهم كالعنوان من الكتاب، واللمعة من الشهاب.

محمود رزق سليم

مدرس الآداب بكلية اللغة العربية