مجلة الرسالة/العدد 770/الحمام الزاجل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 770/الحمام الزاجل

مجلة الرسالة - العدد 770
الحمام الزاجل
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 04 - 1948


للأستاذ أحمد رمزي بك

في الحروب الحديثة:

يعتمد فن تحريك الوحدات الكبرى وسوقها للقتال على شبكة من طرق الاتصال أصبحت بعد استعمال الراديو بأصنافه مع التلفون العادي والتلغراف عملا من أدقِّ وأصعب الأعمال لضبط المخابرات ونقل المعلومات وتوجيه الأوامر، وتصبح هذه الآلة المحكمة التنظيم عرضة للوقوف والتعطيل إذا اشتبكت الوحدات العسكرية في معركة حاسمة؛ إذ هنا تفرض الحرب نوعاً من المفاجآت قد تعطل كل ما أنتجه العقل البشري من مخترعات: ويبرز الحمام الزاجل كواسطة لنقل المعلومات لا يمكن إغفالها.

نعم إن الحرب الحديثة، الخاطفة أو الثابتة أمام الحصون، الزاحفة أو المتراصة، الهجومية أو الدفاعية بأصنافها المختلفة، تخلق أحياناً من الظروف الطارئة ما يشل عمل هذه الوسائل المستحدثة التي أوجدها العلم والتي يستطيع العلم وحده أن يبطل أثرها، فيحتم على المقاتلة العود إلى استعمال أساليب القدماء التي خيل إلينا أننا تركناها ومن بينها الحمام الزاجل الذي قد يصبح الوسيلة الوحيدة التي نتمكن بواسطتها من إنقاذ موقع محاصر أو نقل رسالة هامة يتوقف عليها مصير جيش من الجيوش أو نتيجة معركة ناشبة.

نظامه في الجيوش:

لذلك أصبح للحمام الزاجل أنظمة محكمة في جيوش العالم؛ فقد رأيت في الحروب الماضية والحرب الأخيرة عدة أبراج متنقلة للحمام مركبة على السيارات، وعرفت أن كل برج منها يحوي مجموعة من الحمام تقرب من المئة وأنها مقسمة ثلاثة أسراب:

سرب غائب، وآخر يستريح، وثالث كاحتياطي. وكانت حمائم كل سرب توزع على ثمانية مراكز أو تسعة يراعى في ترتيبها أن تكون على صف واحد بين الأبراج وتتناوب الحمائم الانتقال والتمرين عليها لنقل الرسائل.

ويقوم على خدمة الحمام جنود مدربون لهم صبر على تربيته ومران على تعليمه والاستفادة منه. والحمام الزاجل أليف يسهل تعويده وتدريبه على الرحلات ما دامت الأبراج ثابتة، أ إذا تحركت وتبعت الوحدات في تنقلاتها احتاج الأمر إلى استخلاص نوع من الحمام المدرب الذي اعتاد اكتشاف طريق برجه ولو تغير موقعه. وهذا النوع من الحمام إذا رُبي وأحسن تدريبه يكتشف أبراجه في دائرة قطرها عشرون كيلومتراً مهما تبدّل أو تغير موقع الأبراج.

وتعلق الجيوش كما قلنا أهمية خاصة على هذا النوع الممتاز من الحمام لأنها تعتمد عليه في إنقاذ حالات لا تجدي فيها الوسائل العادية؛ إذ يرجع إليه الفضل في الحربين العالميتين الأولى والثانية ووسط قوات متحاربة تملك غاية ما أوجده العقل البشري من وسائل الاتصال، يرجع إليه الفضل في تغيير خطة عسكرية أو تقديم موعد هجوم حاسم أو تأجيله. وكم من وحدات انقطعت عنها النجدات وتعذر عليها استعمال اللاسلكي لئلا تفضح أماكن تجمعها، أنقذها الحمام الزاجل!!

الحمام الزاجل في الجيوش الإسلامية:

ويعتبر استعمال الحمام الزاجل من وسائل المخابرات التي أحكم أمرها في أنظمة الجيوش الإسلامية وخصوصاً في مصر أيام استقلالها؛ إذ كانت لها اليد الطولى في هذا المضمار: وكانت قلعة القاهرة المحروسة مركز الإرسال والوصول للمكاتبات التي يحملها الحمام الزاجل: وكان يربى في أبراجها نوع ممتاز من الحمام أطلق عليه اسم الرسائلي لاتخاذه من فصيلة أعدت لحمل الرسائل السلطانية التي كانت توضع في داخل أنابيب من المعدن الخفيف أو في داخل أكياس من الحرير.

وتفنن كتاب ديوان الإنشاء بقلعة مصر في أسلوب هذه الرسائل وبلاغتها وجعلها في منتهى الاختصار لنقل ما كانوا يريدون إيصاله من المعاني، بل حرصوا على اختيار نوع الورق الذي يكتبون عليه رسائلهم ليخف وزنه على الطائر.

وانتهى بهم الذوق إلى إكرام الحمام الناقل للبشري بتولية السلاطين أو الحمام الحامل لأنباء الظفر والانتصارات في المعارك فكانوا يطوقون جوانبه بالمسك والعنبر والروائح العطرية، كما كانوا يتعمدون طلاءه بالسواد إذا نقل أخبار الهزائم والوفاة.

حوادثه في التاريخ الإسلامي: حينما هوجمت مصر مرتين من الشمال بالجيوش الصليبية الأولى أيام السلطان الملك الكامل بن العادل الأيوبي، والثانية أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهي حوادث أفزعت العالم الإسلامي، كانت أسراب الحمام الزاجل تنقل أخبار المعارك وشدتها فيقع كل طائر منها على أبراج القلعة وهو مجلل بالسواد دليلا على حمله للأخبار السيئة التي يعانيها المسلمون في دمياط وميادين القتال.

وكانت القاهرة تقوم لها وتقعد ويكثر الابتهال إلى الله إذ يهرع الناس إلى المساجد لإقامة الصلوات.

ولما انتصر المصريون وأمراء مصر نزل الحمام الزاجل على أبراج القلعة مطوقاً بالعطر والمسك والزعفران ينقل بشرى زوال المحن والمصائب وأنباء الانتصارات الحاسمة المتتالية: هذا ما سجله التاريخ للحمام الزاجل.

ويظهر أن الإفرنج كانوا يجهلون أمر هذا الحمام بدليل ما ورد في تاريخ حصارهم لمدينة القدس قبل فتحها؛ فقد بعث قائد القوات المصرية المحاصرة_وكانت من جنود الدولة الفاطمية_طائراً لنقل أخباره إلى خارج المدينة فلم يلتفت إليها الإفرنج لولا أن جاء من أعلمهم بأن الطير ينقل الأخبار فتربصوا به وأطلقوا النشاب عليه فأصابوا الطير، ولما وقع عثروا على القصاصة المراد إرسالها فتنبهوا إلى خطورته، وضيقوا الحصار على المدينة حتى فتحوها.

الحمام الزاجل وآل سلجوق

كانت دولة آل سلجوق من أعظم دول الأرض، وكان لحمام الزاجل معروفاً قبلها، ولكن في عهدها أدخلت أنظمة شبكات الخطوط الرسائلية في أنحاء هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف؛ فإليها يرجع الفضل في جعل تربية الحمام وتنظيم استعماله فناً من الفنون اللازمة للدولة. وهذا كغيره من مستحدثات السلاجقة الذين لهم الأيادي التي تزال خافية. وعنهم أخذ نور الدين الشهيد بن زنكي هذا النظام السلجوقي فأحكم أمره في الشام ثم انتقل إلى آل أيوب فكانوا أول من أتقنه وأحكمه بأبراجه وأسرابه في مصر ثم بلغ منتهاه في العصور التالية.

تربيته وتدريبه والعناية به

أفتتن القدماء بالحمام الزاجل بعد أن رأوا نفعه، فأصبحت لهم دراية بتربيته والعناية به، وكانوا يقسمونه على حسب لونه وعدد الرياش المعتبرة في الأجنحة والأذناب، وفرقوا بين الذكر والأنثى؛ فجعلوا لكل عملاً خاصاً به، وصنفوا الطير، فميزوا بالفراسة ما لمسوا نجابته من صغره، واختاروا الزمان والمكان الملائمين للأفراخ، وهي أمور لم تصل إليها الجيوش الحديثة التي تربى الحمام الزاجل الآن.

ويبالغ المؤرخون فينسبون إلى أن القدماء جعلوا للطير أنساباً كأنساب الخيل، وألفوا الكتب فيها وفي أعمال الحمام الزاجل وبطولته، فنسبوا إلى خلفاء العباسيين والفاطميين أنهم دفعوا أثماناً باهظة ثمناً له، وأن ملوك الروم كانوا ينافسونهم في ذلك. فمن قبيل المبالغات أن الحمام المصري بدمشق نقل بعض أنواع الفاكهة النادرة في الشام لمصر أيام العزيز بالله ثاني خلفاء الفاطميين، أو ما ذكروه عن الطير الذي قطع المسافة بين القسطنطينية وبغداد مرة واحدة؛ إذ يندر أن تعرف الحمامة أما كنها إذ زادت المسافة عن عدد معلوم من الكيلومترات قلما يتعدى العشرين أو الثلاثين؛ كما أن سرعة سفرها محدودة ومعلومة فلا يصح أن ينسب إلى الطير مالا يصدقه العقل.

نظام القدماء في نقل الرسائل:

قلنا إن الدولة السلجوقية هي التي أتقنت نظام شبكات الحمام الزاجل لأحكام طرق الاتصال ونقل المخابرات بأسرع الطرق، وكانت الدولة المصرية في العصور الإسلامية قوية الجانب تحكم مساحات واسعة من أراضي آسيا تمتد على نهر الفرات وتصل أحياناً إلى دجلة، وكانت تسيطر في الشمال على منطقة عسكرية تحيط بها القلاع والمدن المحصنة. فكان من أول ما اهتمت به الدولة إحكام المخابرات مع هذه المناطق فاستعملت طرق البريد السريعة وإيقاد النيران لنقل الإشارات بين القلاع وبعضها ثم أحكمت نظام الحمام الزاجل.

ويعود الفضل في تنظيم المخابرات وتلقي الحمام الرسائلي إلى شبكة الأبراج ومحطات الإرسال المنشأة بين العاصمة والأماكن المختلفة وأهمها قلعة دمشق وقلعة حلب. وكانت أبراج القلعة بمصر نقطة مركزية تتلقى الحمام من دمشق وأسوان والإسكندرية على السواء.

وتليها شبكة دمشق العاصمة الثانية في أهميتها: لأن لنائب السلطة حق المخابرة رأساً مع القاهرة وله الحمام الخاص به. وكان لنائب قلعة دمشق هذا الحق أيضاً وله الحمام الزاجل الخاص به، وحق الاتصال المباشر مع السلطان بصفته قائداً لموقع عسكري محصن. وكانت المسافة تقطع على مراحل: فالحمام الذي يطلق من دمشق يهبط الصنميني ومنها يقوم آخر إلى أبراج محطة طفس ثم قلعة أربد بفلسطين ثم بيسان ثم جنين ثم قافون ثم غزة وهي نهاية شبكة الشام.

والحمام القائم من أبراج قلعة مصر يهبط في سرياقوس ومنها إلى بلبيس ثم الصالحية ثم قطيا ثم الواردة ثم غزة وهي ملتقى الشبكة المصرية على الشامية.

أما قلاع الشمال وأهمها البهنسا وقلعة الروم أو قلاع جبل طوروس فكانت تبعث برسائلها إلى مدينة حلب ومنها إلى المعرة ثم حماة ثم حمص ثم قارة إلى قلعة دمشق وإليها تصل حمائم الأعمال الفراتية أي قلعة الرحبة وقلعة جعبر. وكانت المسافات بين هذه الأماكن تسمى مسارح الحمام بحيث لا يمكن أن يتعداها بل يجب أن يعود الحمام ثانية بعد أداء واجبه إلى أبراجه الدائمة بمحطات الإرسال. وكانت القلاع مشحونة بالجند والمقاتلة وأبراج الحمام وعلى اتصال دائم بقلعة الجبل بمصر: مركز الحكم وأبهة الملك.

بهذا حفظت مصر الحصون والثغور والقلاع وتمكن جندها من كسب الحروب الصليبية وكسر التتار عدة مرات.

كانت قوات مصر لا تقهر ولذلك سميت مصر بالمحروسة وعساكرها بالمنصورة، وأطلق عليها في المستندات والوثائق الرسمية: هذه الدولة القاهرة.

كانت الحمام الزاجل تعمل للنصر في خدمة مصر القاهرة.

أحمد رمزي