مجلة الرسالة/العدد 77/بين القاهرة وطوس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 77/بين القاهرة وطوس

مجلة الرسالة - العدد 77
بين القاهرة وطوس
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 12 - 1934

3 - بين القاهرة وطوس

من همدان إلى طهران

للدكتور عبد الوهاب عزام

ثم مررنا بكنكاور بعد ساعتين من كرمانشاهان. وهي قرية صغيرة بها آثار معبد قديم. وبعد ساعة مررنا بقرية أسد آباد، وهي قرية السيد جمال الدين الأفغاني، وبها بعض قرابته. كذلك اخبرني بعض الثقاة. ويقول الأفغانيون إنه من أسد آباد القريبة من مدينة كابل. وكذلك اخبر السيد عن نفسه. ومهما يكن فقبيح أن تتنازع رجال الإسلام العظام عصبية الأقوام والبلدان. فقد كان المسلمون أمة واحدة لها موطن واحد هو دار الإسلام، والسيد جمال الدين عربي هاشمي حسيني، ولكنه كما قال الشاعر:

أبيِ الإسلامُ لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم

فنحن بني الإسلام والله واحد ... وأولى عباد الله بالله من شكر

فإن أراد المسلمون أن يفترقوا أقواما وبلدانا وشيعا، فلا يظلموا أسلافهم العظماء بزجهم في هذا المعترك، فقد كانوا اعظم نفوسا وأسمى أفكارا من أن تحيط بهم عصبيات اللحوم والدماء، والأرض والبناء.

وأسد آباد قرية أسسها أسد بن ذي السرو الحميريفي زعم الرواة، وهي على مرحلة من همذان إلى الجنوب والغرب منها، في حضيض جبل ألوند (جبل أسد آباد)، وكانت منزلا كبيرا على الجادة العظمى بين بغداد وهمذان، وكانت في العهد الإسلامي إلى عصر المغول غنية رائجة التجارة، كثيرة السكان، نشأت كثيرا من العلماء. وهي اليوم قرية صغيرة. وعندها كانت الموقعة الكبيرة بين السلطانيين السلجوقيين محمود بن محمد بن ملك شاه وأخيه مسعود سنة أربع عشرة وخمسمائة. وعلى ثلاثة فراسخ من أسد آباد أبنية ساسانية تعرف في الكتب العربية باسم مطابخ كسرى.

ثم ارتقينا جبل أسد آباد، وهو جبل شامخ فسيح، تتراءى بين قممه وأوديته مناظر جميلة جليلة، محبوبة هائلة، رأيناه وقد ذبلت أعشابه ورياحينه وأشجاره. وقيل لنا في الربيع يبدوفي حلل رائعة من الأزهار مختلفة الألوان، لا يعرى منها مكان في القمم والأودية، وترى الطرق جدائد على سفح الجبل، تتمعج فيها السيارات صاعدة وهابطة، وقد عد سائ السيارات في بعض الطريق اثنتين وسبعين ثنية، فما ينعطف السائق إلى اليمين إلا لينعطف إلى اليسار، وهكذا اثنتين وسبعين مرة أو أكثر. ولكن الطريق في جملتهما ممهدة واسعة مامونة، لم نشعر فيها بالخوف الذي أنذرنا به من قبل.

هذه همذان الجميلة، في حجر جبلها الأشم، جبل ألوند. تبدو في زينة من أشجارها الباسقة، وبساتينها الواسعة. هذه بلدة بديع الزمان، وأحمد بن فارس، وابن الفقيه. هذا مرقد الشيخ الرئيس أبي علي بن سيناء، ليت الوقت يتسع فنقضي بهمذان أياما نتعرف حاضرها، ونتلمس أعلام التاريخ من ماضيها.

همذان مدينة عظيمة قديمة، ذكرت في الآثار الفارسية القديمة باسم هكمتانة، وهي في التوراة أخمتنا، وفي كتب اليونان أكبتانا. وقد لجأ إليها دارا بعد أن هزمه اسكندر في موقعة (أربل) حتى قال أبن حوقل إنها كانت هي وأرباضها فرسخا مربعا. وصارت حاضرة لبعض دول السلاجقة. وقد روى أبن الفقيه الهمذاني وياقوت كثيرا من أخبارها وما قاله الشعراء فيها، وبردها شديد جدا. وقد روى في ذلك أن عبد الله بن المبارك قدمها، فأوقدت بين يديه نار، فكان إذا سخن باطن كفه أصاب ظاهرها البرد، وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد فقال:

أقول لها ونحن على صلاء ... أما للنار عندك حرّ نار

لئن خيرت في البلدان يوما ... فما همذان عندي بالخيار

وقال آخر:

همذان متلفة النفوس ببردها ... والزمهرير، وحرها مأمون

غلب الشتاء مصيفها وربيعها ... فكأنما تموزها كانون

وقيل لأعرابي كيف رأيت همذان؟ فقال أما نهارهم فرقاص، وأما ليلهم فحمال، يعنى أنهم بالنهار يرقصون لتدفأ أرجلهم، والليل يحملون ثيابا كثيرة.

دخلناها والساعة واحدة بعد الظهر، فنزلنا في دار بظاهرها، اسمها باغ رئيس الإسلام، وهي دار جميلة ذات حديقة كبيرة، وفيها مجلس واسع حول حوض عظيم. نزلنا بها فاسترحنا وتغذينا، وجلسنا برهة وأخذت صورتنا.

وقد رأيت صاحبنا السندباد الذي ذكرته أنفا يرتب الحاضرين لأخذ الصورة. فقلت يا سندباد أنت في كل مكان ولكل عمل. أنك أبو الفتح الإسكندري أو أبو زيد السروجي، فقال الأستاذ منورسكي: هذا أبن بطوطة. ومما اذكر من لطائف هذا المجلس أن أحد مندوبي الهند محمد أسحق، نظر إلى أشجار عنب قصار، فسألني ما هذا؟ قلت كرم ولكنه صغير، فقال إذا ما كذب الثعلب في الحكاية المعروفة، حين قال هذا حصرم. فعنب هذا الكرم في متناول الثعالب. ثم خرجنا لزيارة قبر الشيخ الرئيس، دخلنا الباب إلى رحبة تنتهي إلى بابين أيسرهما باب مكتبة صغيرة عامة، والأيمن مكتوب فوقه (آرامكاه أبو علي بن سينا) أي مرقد أبي علي بن سينا. دخلنا حجرة صغيرة بها قبران متشابهان يغطي كلا منهما صفيحة من الحجر عليها نقوش كثيرة. ويحيط بها سياج من حديد. فالقبر الذي يلي الباب قبر الشيخ الرئيس، والذي إلى جانبه قبر رجل أسمه أبو سعيد. قال بعض أصحابنا إنه أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي المعروف. وليس هذا صدقا فابن أبي الخير مات في خراسان.

ثم ذهبنا لزيارة مزار هناك يعظمه اليهود ويحجون إليه، ومن أجله كثر عددهم في همذان حتى صاروا زهاء ألفين - وهو في زعمهم قبرا ايستر ومردخاي. وهما امرأة ورجل من اليهود، لهما قصة في التوراة في سفر (ايستر). وخلاصة القصة إن ايستر كانت في حضانة أبن عمها مردخاي في مدينة سوس، وأن ملك الفرس أخشويرش غضب على امرأته وشتى، وأراد أن يختار غيرها، فعرضت عليه فتيات مملكته، فأختار ايستر اليهودية وحظيت عنده. وكان هامان وزير الملك قد نقم على مردخاي انه لا يسجد له كما يسجد الناس، فأغرى الملك باليهود وأخرج أمره بقتلهم حيثما ثقفوا في المملكة. وكاد مردخاي وايستر لهامان حتى أمر الملك بصلبه على الخشبة التي أعدها هو لصلب مردخاي، وكتب الملك إلى الولاة ألا ينفذوا أمره في اليهود وأن يسلطوا اليهود على أعدائهم فيقتلوهم.

والقبران كبيران عليهما سياجان، وهما في حجرة ذات قبة لها مدخل صغير واطئ لا يدخله الداخل إلا راكعا

قضينا في همذان ثلاث ساعات ونصفا، ثم برحناها والساعة أربع ونصف، متوجهين تلقاء قزوين.

برحنا همذان، وما قضت النفس منها لبانة

وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب وبعد ساعة نزلنا منزلا على الطريق اسمه رزان، وقد اعد لنا الشاي والفاكهة، والفستق والحمص وااللوز الخ، فرأينا ضربا من الحمص والفستق كبيرا لم نر مثله من قبل. وكان سير دنسن رس، والشاعر الإنكليزي درنك ووتر قد سبقا إلى هذا النزل، إذ فارقا همذان قبل الركب دون أن يزورا قبري ايستر ومردخاي، فطال بهما الانتظار في هذا النزل، فلما بلغته أنا ورفيقي عبد الكريم الحسيني قابلني أستاذي رس دهشا يقول: لماذا تاخرتم! هل زرتم ايستر ومردخاي، قلت نعم. قال هل ألقى فلان هناك محاضرة طويلة؟ قلت محاضرة قصيرة. قال ذلك ما ظننت. قد تخرنا جدا واظلم الليل. ثم سرنا قبل ان يدركنا الرفاق في طريق موحشة تتخللها قرى وضياع قليلة، منها مكان اسمه اب كرم أي الماء الحار فيه حمة، أي ينبوع ماء حار. وقفنا للاستراحة ورؤية الينبوع، فتركنا السيارة ومشينا وراء رجل يحمل مصباحا حتى أتينا النبع، فإذا حجرة فيها حوض يفور منه الماء، فقلت لصاحبي: ما أحسنه حماما لو هيء له بناء. وكم في الشرق من معادن ومياه أغفلتها الأفكار والأيدي! واستأنفنا السير، وطال بنا السفر، حتى لاحت قزوين تحت ظلام الليل، فوردناها متعبين والساعة تسع ونصف من المساء، وقدم بقية الركب بعد ساعة. بتنا في دار جميلة بجانب كنيسة روسية. وقد وهبت الدولة الروسية هذه الدار والكنيسة وما يتصل بهما للدولة الإيرانية.

وقزوين بلد قديم ذكره بطليموس باسم قسايين. وهي على الجادة العظمى من بغداد إلى خراسان، وتلتقي عندها طرق القوافل الآتية من الشرق والغرب والشمال والجنوب، فمن اجل ذلك اتسع عمرانها في القديم وراجت تجارتها، وهي على مقربة من جبال البرز، ويجري عندها نهر صغير يفضي إلى نهر ابهر، وتبعد عن طهران مائة وخمسين كيلا.

وكانت قبل الإسلام وبعده ثغرا لمحاربة الديلم. وقد مصرها سعيد بن العاص بن امية، وجعلها مغزى أهل الكوفة. وأغزى الحجاج ابنه محمدا الديلم، فنزل قزوين وبنى بها مسجدا سمى بعد مسجد الثور. وبنى موسى الهادي مدينة بجوارها عرفت بمدينة موسى. وبنى المبارك التركي مولى المأمون أو المعتصم حصنا بها سماه المباركية. وروى ياقوت (اجتاز الرشيد بهمذان، وهو يريد خراسان، فاعترضه أهل قزوين، واخبروه بمكانهم من العدو، وعنائهم في مجاهدته، وسألوه النظر لهم، وتخفيف ما يلزمهم من عشر غلاتهم في القصبة. فسار إلى قزوين ودخلها، وبنى جامعها، وكتب اسمه على بابه في لوح حجر. وابتاع حوانيت ومستغلات، ووقفها على مصالح المدينة، وعمارة قبتها وسورها). وقد ذكرها بديع الزمان باسم الثغر، في المقامة القزوينية التي أولها، غزوت الثغر بقزوين، سنة خمس وسبعين. وروى بعض المحدثين أخبارا في فضائل قزوين، والحث على الاقامة بها لكونها من الثغور. وقد ذكرت في الشعر العربي. ومن ذلك قول الطرماح ابن حكيم

خليلي مدّ طرفك هل تراني ... ظعائن باللوى من عوكلان

ألم تر أن عرفان الثريا ... يهيج لي بقزوين احتزاني

وقد نشأت قزوين جماعة من العلماء والأدباء منهم زكريا ابن محمد صاحب عجائب المخلوقات المتوفى سنة 682، وحمد الله المستوفى المؤرخ صاحب تاريخ كزيدة، ونزهة القلوب في الجغرافيا، المتوفى سنة 750، وأبو حاتم محمود بن الحسن الفقيه الشافعي اخذ عن الاسفرائيني والباقلاني، وأخذ عنه الشيرازي وله كتب كثيرة، منها كتاب الحيل في الفقه وتوفى سنة 440، ومنهم الحكيم شاه محمد، الذي اخذ عن جلال الدين الدواني، وذهب الى مكة للمجاورة فدعاه السلطان بايزيد الثاني إلى استانبول فعاش في رعايته ورعاية سليم وسليمان من بعده، وكتب التفسير والعقائد والفلسفة، وترجم حياة الحيوان للدميري إلى الفارسية.

وتركنا قزوين والساعة تسع ونصف من صباح الأربعاء 24 جمادى الثانية سنة 1353 (13 أكتوبر سنة 1934)، فبلغنا طهران بعد الظهر، ونزل جماعة منا في الفندق الكبير (جراند اوتيل) وآخرون في الفندق النادري.

عبد الوهاب عزام