مجلة الرسالة/العدد 77/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 77/القصص

مجلة الرسالة - العدد 77
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 12 - 1934


من أساطير الأولين: رمز الشعر والفضيلة

إكسوس ومكريا أو عليقة السنديانة للشاعر ألفرنسي

هيجيسيب مورو 1810 - 1838

بقلم احمد حسن الزيات

في ذات يوم لا أذكر من تاريخه إلا أنه كان لعامين من موت هرقايس، كانت مدينة (دلفي) تموج بالناس وتعج بالضوضاء وتزخر بالفتوة. كان ذلك اليوم آخر أيام الألعاب الفيتونية، ومن أعجب الأشياء أن الصراع والسباق كانا يجريان على غير مشهد من أحد، والرياضيين والسواقين كانوا ينتصرون على غير علم من إنسان، حتى قيل إن الشاعر سيمندس كان ينشد رائع الشعر في الفرس المجلي ولا يستمع إليه يومئذ إلا بطله! ذلك لأن كلمة واحدة طار بها السماع فطارت بالقوم من ميدان اللعب إلى معبد أبولون!

(ها هم أولاء أبناء هرقليس! سيد أبطال الإغريق؟ وكانت أثينا منذ شهر قد استيقظت ذات صباح فوجدت هؤلاء الأبناء مخلوعين مضطهدين مشردين يتهافتون في الساحة العامة على مذبح الرحمة فثارت بها الحفيظة لشكواهم، ونزت فيها القلوب والسيوف لبلواهم، ثم بعثت بهم في هذا اليوم على رأس السفارة المقدسة إلى دلفي يستنبئون آلهتها عن مصدر هذه الحرب.

ودلفي كما تعلمين مدينة مقدسة تفيض جوانبها بالعجائب، والناس يمرون عليها وهم عنها معرضون، وأنا كأولئك الناس في هذا اليوم، لا أريد أن أتنقل بك من البرناس إلى الهيبدروم، ولا من الهيبدروم إلى منصة أبولون، فإنك ولا شك حججت إلى هذه الأماكن منذ طويل في (سياحة أنا كرسيس)، وأنا - ولا أخفي عنك - مشوق كذلك إلى رؤية أشبال هرقليس.

كان الشعور الذي استولى على الإغريق لدى رؤيتهم أولئك الأبطال يترجم عنهم هذا الهتاف الإجماعي الصاخب: (يا للآلهة الخالدين! ما أوفى القوام وما أصلب العضل! وكان في الجمع شيخ سبط العظام. تحسبه وفي يده عصاه المذهبة، وعلى جبينه عصابته البيضاء، ملكاً من ملوك الإغريق العشرين، مال على كاهن من كهنة أبولون، وهو يجتاز المعبد حاملاً مبخرة من مباخر العطور، وقال له في صوت خافض:

- لقد عرفت هرقليس وزوجته ديجانير حق المعرفة، فما عرفت لهما غير ثلاثة بنين، فمن إذن هذه العذراء المنتقبة التي تجلس مع أبناء هرقليس على مقعد واحد؟

- كلامك يا أبي الحق لا مرية فيه، فليس لهرقليس من ديجانير غير ثلاث بنين ولكن له زوجته الأخيرة (يول).

- فقاطعه الشيخ قائلاً: صحيح؟ ثم ضرب على جبينه بإصبعه علامة التذكر وقال: لقد روى لي (فيلوكتيت) هذا الحديث عشرين مرة؟ ولكن قرنين من الزمان يدوران على الرأس لابد لأن يضعضعا فيها الذاكرة! نعم أذكر الآن أن هذا الزواج أعقب بنتاً. . . فارتفع من وراء الشيخ صوت ندي عذب بهذه الجملة:

- بنتاً وابناً يا أبي

فالتفت الشيخ فرأى يافعاً شاحب اللون هش العظام، في زي أهل الأرجوليد يردد في احتشام وخجل:

- بنتاً وابناً هما إكسوس ومكريا

فبتسم الشيخ ضاحكاً من الغلام، وقال للكاهن: أنظر! في (بيلوس) يهتف الناس بعلمي، وفي (ارجوس) يرسلون إلى تلاميذهم ليعلموني. . .

ثم قال للغلام: من الذي أنبأك هذا يا بني وماذا تسمي؟ ولكن الفتى لم يتحمل ملاطفة نسطور (وهو الشيخ) فأفلت منه وغاب في زحمة الناس دون أن يجيب.

وكان ذلك الهتاف لا يزال يدوي في الفضاء لا يعتريه فتور ولا يناله تغيير:

(يا للآلهة الخالدين! ما أوفى القوام، وما أصلب العضل!) ولعلك تعجبين من هذا الإطراء؛ وتحملينه على محمل الاستهزاء، ولكنك تذكرين أننا في بلاد قسمتها طبيعة الأرض ومطامع الناس إلى عشرين دولة صغيرة، يتضارب أقيالها الصيد من شدة الزحام بالمرافق والمناكب، وكان العرف الدارج في الأمم القديمة أن يقتتل الناس رجلاً لرجل، وجسماً لجسم، وجعلوا قوة البدن جماع القوى وملاك الفضيلة، وكانوا يتوسمون مخايل الكفاية والفضل في قبضة اليد وقوة الكتف، كما نتوسمها نحن اليوم في أسرار الجبهة ولمحات العين، وحسبك أن هرقليس رمز القوة ومثالها كان إلهاً.

تأثر ظهور الكاهنة الوسيطة التي يتكلم بلسانها الإله، ولكن أحد لم يسمع هنين السأم، ولم يلمح عبوس الانتظار لأن الجمهور كان يجد في ما يرى غذاء لفضوله ورياً لشوقه، كان يرى هيلوس بكر هرقليس أو أكبر الأخوة، وهو محارب عملاق عاري الذراعين مجدول العضلات مطهم الوجه، فيجده وعلى منكبيه جلد الأسد، وفي يديه الهراوة العقداء، أشبه بأبيه من الليلة بالليلة، ثم يرى أنتينور، هو سوغ هيلوس وأدق منه ملامح وأرشق قامة. كان يتشح بقداسته الجديدة، ويبتسم لشباب الإغريق، منفوخان يتنسمان عبير الإعجاب في نشوة ولذة. وعلى الجملة كان الإله أنتينور شديد الخيلاء والصلف. أما أخوهما (إيجسط) فكان لا يشبههما في شيء غير القوة والشهامة. كان وجوده في هذا العصر وفي هذا المصر خطأ صارخاً في تقويم الزمن، وأعجب شيء فيه أنه كان أشقر الشعر ساهم الوجه منقبض المزاج، وانقباض المزاج عاطفة عصرية مسيحية. ثم كان يرجع من المعارك الدامية الشعواء إلى الدار عذب الروح حيي الطبع، كأنه أحد أولئك المحاربين الشقر من أهل الشمال: يصرعون المردة والأغوال، ثم يطأطئون الهام ويحرمون الكلام أمام عصا ساحرة صغيرة. كان وهو يتحسر على عرش (أرجوس) كأنما يأسى على شيء أعز عليه من عرش! فإلى أين إذنكانت تصعد زفراته وتتبخر دموعه؟ أإلى بيت صديق، أم إلى قبر أم؟ علم ذلك عند الله، فان سره لم يسافر عن ضميره إلى أحد، حتى أخته الفتاة مكريا، وهي أمينة سر الأرة لم يفض إليها بذات صدره. وكانت مكريا جالسة إلى جانبه تصلي. . عفواً يا أختاه! لقد شغلت بالأبطال عن العذراء، ولكنها هي الملومة! أنظري! إنها مستترة في ظل أخوتها، كأنها تحرص على أن تغفلها العيون. إنها لم تكشف عن وجهها النقاب بعد، فقسماتها لا تزال مجهولة، ولكنك أسلفت لها الحب ولا شك، لأنك سمعت منذ قليل أنها وديعة تقية

وأخيراً أعلنوا ظهور الكاهنة الوسيطة. وكان الوهن لا يزال بادياً عليها من أثر ما أصابها من اختلاج الأعصاب في وساطتها الأخيرة بين الآلهة والناس. فهي تجر نفسها جراً من الإعياء والجهد، حتى بلغت المنصة متكئة على كاهنين من كهنة أبولون. حينئذ انفتح في جوف المحراب باب على مصراعيه فاقتحمته هبة عريضة من الهواء العازف، فقشعت دخان القرابين وهزت الجمع الحاشد فضج الناس قائلين: (الإله! هذا هو الإله!) وعندئذ اضطربت النيبة المعذبة في المنصة اضطراب الذبيح. فجشعت الأصوات وأصغى القوم

بدأت الكاهنة أمرها بالشهيق، ثم اتبعته بمقاطع من الأنين والضراعة، ثم انتهت إلى كلمات ذاهلة لا تسفر عن معنى، ثم تكلم الإله بلسانها فقال:

(إن (منيرفا) ستقاتل. . .! وعلى خوذتها الإلهية

ستصيح البومة: (إني عطشى) ويذهب جهدها باطلاً تدعونو منيرفا آلهة النصر

وآلهة النصر أختها فلا تخذلها. . .

إني أسمعها وهي قادمة تئز أجنحتها في الهواء. . .

ولكن البومة تصيح: إني عطشى! وأريد أن أرتوي بالدماء. . إن أرجوك تنتظر ملوكها لتؤلههم:

اضطربي وميدي يا ارجوس! إن البومة في طيرانها السفاح تحوم في الجو باحثة عن جبهة نقية تضحيها

إنها تحوم تحوم ثم تقع على. . . ولد من أولاد هرقليس)

وفي هذه الساعة الرهيبة العصيبة على أبناء هرقليس، لم يكن في المعبد من ملك نفسه وضبط حسه غير أبناء هرقليس! على أن الكاهنة لم تكد تمسك عن الكلام حتى صاح بها هيلوس:

- عيني الضحية بالاسم

ولكنها كانت تتساقط من الضعف على درج المنصة ولم يبق منها إلا رمق. فقال كبير الكهنة: إن الإله كان جبار القلب غليظ الكبد، فإذا استأنفت التجربة قتلها ولا شك. فليقدم أحد أبناء هرقليس نفسه.

فارتفع من بين الجمع ذلك الصوت الرخيم الذي تكلم منذ هنيهة من وراء نسطور وقال: أنا أقدم نفسي فقال له الكاهن في لهجة قاسية: (من أنت؟ وماذا تسمى؟) فأجابه الغلام: (أنا ابن هرقليس وأسمي إكسوس)

فانفجر الناس بأصوات الدهش لهذا الجواب المفاجئ ثم قال قائل منهم يتهكم: (إذا صدق قولك فقد صدق اسمه وستعلمين يا أختاه أن إكسوس كلمة يونانية معناها العليقي، فكان أبويه عندما ولد وسماه بهذا الاسم احتقاراً لشكله واستصغاراً لشأنه. والحق أن هذا المخلوق الهش يشبه في انتسابه إلى هذا العرق القوي ذلك النبت الطفيلي الرخو الذي تعبث به الريح وهو قائم على جذوع السنديان.

دلف (تينور) إلى الغلام وقال له بلهجة الحانق المتوعد: (لقد منعناك أن تتبعنا إلى دلفي. . .) ولكن ابنة هرقليس التي ظلت إلى تلك الساعة ساكنة ساكتة محتجبة، ألقت نفسها بين الأخوين فقطعت من بينهما الشر، ثم أخذت الصغير من يده وخرجت به من المعبد وهي في صمم عن نداء هيلوس يدعوها إليه، وفي ذهول عن هتاف الإعجاب الذي انبعث عن يمينها وعن شمالها، لأن نقابها انحسر من ذات نفسه لسرعة المشي وشدة الحركة فبدت مكريا للعيون بارعة الجمال رائعة الحسن لطيفة الروح، وقد زاد في جمالها تلك الشفقة التي تجلت في صوتها وفي عينها؛ والشفقة عاطفة تجمل القبح، فكيف يكون أثرها في الحسن؟

عادت أسرة هرقليس كلها إلى أثينا في مركبة واحدة، وقد عقد الأبطال الثلاثة فلوبهم على أن يقترعوا بينهم غداً في معبد منيرفا ليعلموا أيهم يجب عليه أن يموت. وكان إكسوس المسكين قد جاء في اختيال ومرح يضع اسمه مع أسماء أخوته في الصندوق ولكنهم منعوه ودفعوه معتقدين أن من الإهانة للآلهة أن يهيئوا للقدر - وهو في أغلب أمره ساخر عابث - الفرصة ليقدم إليه هذا القربان الأعجف. أما أخته مكريا فلم يشاءوا أن يعرضوها معهم على رغبة الموت لسبب آخر غير سبب إكسوس؛ لقد كانت خطيبة (ليكوس) وهو زعيم من زعماء أثينا ذوي الرأي المسموع والأمر النافذ، (وأثينا هي التي غضبت لهم تلك الغضبة وشهرت دونهم السيف) فهم يحرصون لسبب سياسي أو أدبي على ألا يقطع الاستعداد للتضحية الاستعداد للزفاف لذلك وجدت مكريا غرفتها بعد عودتها تضوع بعبير الألطاف والتحفالتي قدمها (ليكوس) ولكن نفسها وهي تتسلف الحداد علة أخ من أخوتها لم يهزها كرم الهدايا ولم يسرها جمال التحف. على أنها رأت إكليل الزفاف مصوغاً من الزنبق الجميل النضر، فحملته ووضعته على جبينها من غير إرادة ولا وعي. وفي هذه اللحظة سمعت من خلفها زفيراً يتصعد في ضعف فالتفتت فإذا هي ترى إكسوس، إكسوس أخاها الذي جمعت له في قلبها الأم والأخت في وقت معاً، إكسوس الذي عنيت به وأقبلت عليه لأنه عليل الجسم مبذوء الهيئة، إكسوس الذي لا يخطو بالبيت خطوة إلا بابتسامة من مكريا تبدل بؤسه وتجدد أنسه، فإذا غابت عن الدار غاب عنه الأنس واستولت عليه الوحشة.

كان ينظر إلى الزهور الرمزية والدمع يجول في عينه، والهم يعتلج في صدره والألم الممض يرتسم على أسرار وجهه، فاستطير فؤاد أخته من الخوف عليه، لأنها تعودت أن تراه يشكو ويتألم منذ أثني عشر عاماً فلم تجده يوماً على مثل هذه الحالة من الكمد المقلق واللوعى الأليمة؛ فأقبلت عليه تعتذر إليه وتسري عنه، وتقول:

- أوه! أعفو عني وأغفر لي يا طفلي المسكين!

- أنا أعفو عنك وأغفر لك يا مكريا؟ علام إذن والسعادة التي غمرت بها قلبي وعمرت بها وجودي؟

- لا تشكري لي عنايتي بك؛ ذلك دين أقضيه. . . . . ذلك تكفير أؤديه. . . . . . .

فانبعث من عين الفتى المشدوه نظرات ضارعة تسأل أخته حل هذا اللغز، فقالت له: (سمعك إلي! منذ أربع سنين (كان عمرك يومئذ ثمان سنوات وعمري أربع عشرة جرت في أسرتنا حوادث عجيبة وأمور خارقة لم يصل علمها بأبي ولا بأخوتي لعلك تذكر ذلك الكوخ الذي بنوه على شاطئ البحر ليختفوا فيه عن أعين المضطهدين الكثيرين الأقوياء. كنت فيه ذات مساء وكان أبي وأخوتي في الصيد، وكنت أنت منهوك القوى ومن كثرة ما جريت في الغاب طول النهار فاستسلمت على هدهدة المطر والريح لنوم ثقيل وكان الليل قد أقبل منذ حين، وأبي وأخوتي لم يقبلوا بعد، فسمعت قارعهاً يقرع الباب فذهبت أفتحه وفي حسباني أني أجد الصيادين والصيد ولكني وجدت عابر سبيل يطلب الدفء والمأوى برهة من الزمن فأدخلته، ثم جلست إلى جانب سريرك واشتغل هو بتجفيف ثيابه على نار الموقد؛ وما كان اشد دهشتي حين رأيت نوراً لطيفاً يتلألأ على شعره الأشقر! عزوت ذلك النور بدياً إلى انعكاس النار التي في الموقد، لكن الموقد خبى وغرة المسافر ما تزال مشرقة! حينئذٍ أدركت أنه أبولون، الذي طرد من الأولمب فهام متنكراً في العالم على وجهه، ثم بقيت على رغم تنكره بقايا النور من هالته.

فجررت جاثية أمامه، وقلت ماذا تبتغي مني أيها الإله العظيم؟ فقال: (لا شيء غير المأوى! على أن المطر قد كف والجو قد صفى، فأنا ذاهب، وسأقبلك قبلة الوداع) فتقدمت واجفة القلب مضطربة الحواس إلى عمي وقدته من يده إلى مرقده وقلت له: (الأولى أن تلاطف هذا الصبي المسكين فإنه لم يظفر بعد بملاطفة إله؛ ألمس وجنته الذابلة فتنظر وانفخ في شفته الباردةفتغنى).

فتبسم أبولون لرجائي، ودنا منك فنفث في فمك من روحه؛ ولكن نفثته كانت قوية مضطرمة، فسرت إلى قلبك فأفعمته وأشعلته، من أجل ذلك كان قلبك يحترق ولا يفتر عن الوجيب! ومن أجل ذلك كان جسمك يذوي وروحك لا تستجيب. . . هأنذا وقفتك على جلية الأمر فهل تصفح عني؟

فما كان جواب إكسوس إلا ان قبل أخته، فقالت له: إن برهان عفوك عني أن تنقاد لي وتسمع مني؛ قل يا قليل الحكمة: بأي معجزة نجوت من الموت جوعاً وظمأت في طريقك الطويل من أثينا إلى دلفي؟

فقال إكسوس: أوه! كنت من الصباح إلى المساء أسترجع النشاط بالغناء، وأستفتح الأبواب بالنشيد، فكلما دلني الدخان على وليمة في أحد البيوت طرقت الباب وأنشدت الأغنية فيفتح لي أهله وينزلونني خير منزلة.

فتبسمت مكريا وقالت: أغنية عجيبة! هل لك أن تعلمنيها يا إكسوس حتى أغنيها أنا أيضاً في ذهابي إلى دلفي أو إلى الأولمب؟

فتمنع إكسوس وتدلل عادة المغنين في كل عصر، ثم نزل على مشيئة أخته بعد رجاء قليل:

أغنية إكسوس

افتحوا أنا إكسوس المسكين، أنا عليقة السنديانة التي تمر عليها هبة الريح تمت! منذ أثني عشر عاماً سقط قزم من جلد الأسد الذي يتنكبه هرقليس، فكنت أنا ذاك القزم. كان أبي لا يحبني لأنني كنت صغير الجثة رقيق البدن، وحينما كنت أصطدم بركبتيه وأنا طفل كنت أسمع فوق رأسي زمجرة كزمجرة العاصفة. وكان أخوتي يضربونني كلما دعوتهم أخوتي؟ ومع ذلك أريد أن أعيش، لأن لي أختاً تحبني وتحنو عليّ، هي الجميلة الكريمة مكريا.

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديان التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

2 قال لي أخوتي ذات يوم: (اجتهد أن تكون صالحاً لشيء. . تعلم إقامة التماثيل وشيادة الهياكل، فلعللنا نصير يوماً آلهة) فحاولت أن ألبي مبتغى أخوتي، ولكن الأزميل والمنحت كانا ثقيلين على يدي! ثم كانت هناك رؤى غريبة تطوف بيني وبين جنادل (باروس) وكانت إصبعي الناحلة الذاهلى تخط في التراب اسماً لا تخط غيره اسم أختي الحبيبة مكريا. .

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

3

حينئذ قال لي أخوتي: (إن في مضيفنا شيخاً من شيوخ الكلدان يقرأ في صفحة السماء أسرار الغيب وأنباء المستقبل، فاستمع إليه، وتثقف عليه، ثم قل لنا في مطاوي السحب كنوزاً أو نصراً) فسمعت من الشيخ، ثم قضيت ليالي طويلة أرصد النجوم والغيوم فلا أرى كنوزاً ولا نصراً. إنما كنت أرى عيون السماء تنظر إلي نظر المحب كأنها عيون مكريا. . .

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

4

حينئذ قال لي أخوتي: (خذ قوساً ونشاباً وأخرج إلى الصيد في الغاب فجبت الغاب بقوسي ونشابي، ثم لم ألبث أن نسيت أخوتي وذهلت عن صيدي. وبينما كنت أسمع غناء الرياح وتغريد البلابل أقبلت ظبية فأكلت طعامي من جيبي، ثم جاء طائر صغير أعياه طول الطيران فنام في كنانتي، فحملته إلى مكريا.

افتحوا! أنا إكسوس المسكين! أنا عليقة السنديانة التي إن تمر عليها هبة الريح تمت.

5

حينئذ قال لي أخوتي: (أنك لا تصلح لشيء) ثم ضربوني، ولكنني لم أبك، لأن فكري كان مشغولاً بأختي! وغداً سيأخذون مني مكريا! وغداً ستسأل وهي جالسة في حفلة الزفاف: ما هذا الدخان الذي يسطع هناك وراء الغار؟ فيجيبها المدعوون: (لا شيء).

(إنها محرقة! إكسوس المسكين، عليقة السنديانة التي عصفت بها الريح فجعلتها كالرميم).

فصاحت الفتاة وقد ملكها الحنان وأدركها الجزع: كلا إنك ستعيش! وسأجعلك في قلبي، حتى إذا ثارت العواصف الهوج لا يمسك منها أذى. إن (ليكوس) سعيد محبوب، وعذارى أثينا كثيرات يفتحن له دورهن وصدورهن. أما أنت أيها الفريد الشريد الموجع، فإليك وحدك كل أيامي وأحلامي وحبي.

(خذ يا أخي، خذ يا شاعري! هذا ثمن أغنيتي) ثم نزعت من فوق جبينها الأبلج إكليل الزفاف وألقته مبللاً بالدمع تحت قدمي إكسوس! فأراد إكسوس أن يجيب، ولكن التأثر المفاجئ صعق الصبي المسكين فلم يستطع إلا أن يقول بصوت خافت: (أوه! ثم وضع يده على قلبه وخر مغشياً عليه! ثم بات طول الليل يتضور من شدة الحمى، وأخته بجانبه لا يغمض لها جفن، ولا يرقأ لعينها دمع.

وكان الغد موعد أبناء هرقليس إلى المعبد ليقترعوا هناك على الضحية. فتقدموا إلى الهيكل كما يتقدمون إلى المعركة: قلوبهم فارغة من الهم، ورءووسهم مرفوعة من العزة؛ ثم جرت المراسم المألوفة وهي لا تختلف عما رأيناه في دلفي. واقبل كاهن من كهنة (منيرفا) فأجال الأسماء في الصندوق، ثم تقدم طفل معصوب العينين إلى الإناء المقدس يستخرج منه حكم الموت. فلم تكد يده تلمس حافته حتى دوى على عتبة المعبد صوت امرأة يقول: (قف! هاكم الضحية. .)

وكان ذلك الصوت صوت مكريا وهي تتقدم إلى المذبح كاسفة اللون، كاملة الأهبة، تنوس على جبينها الأزهر الجميل عصبة الذبيحة. فدلف إليها إيجسط وقال: أهنا أنت يا أختاه لقد وعدتني أن تتخلفي لتقومي على سرير إكسوس. فقالت وهي تغالب الدمع وتحبس الزفرة: إن إكسوس مات! وليس الآن ما يمنعني أن أفديكم بنفسي. ثم تابعت سيرها البطيء إلى الهيكل بين تصفيق الجمع وإذعان الإخوة. ثم جثت مكريا أمام المذبح وعوقت بالإشارة مدية الذابح العجلان حتى تلقي على أخوتها ابتسامها الأخير، ثم أغمضت عينيها، وأزاحت الغطاء عن ثدييها، وكانت بعد دقيقتين جسداً يضطرب على مذبح الهيكل!

ثم أضرموا النار وجعلوا منها لإكسوس ومكريا محرقة واحدة! وعندئذ رأى الناس شيئاً يصعد من اللهيب إلى السماء، رفاف الأجنحة ناصع الريش رائع الرواء!

وهكذا كانت الفضيلة (مكريا) في العصور الخوالي تكفل الشعر (إكسوس) وتلهمه.

والفضيلة والشعر أجمل ما في الحياة وأنبل ما في الإنسان!