مجلة الرسالة/العدد 732/- 3 - رحلة إلى الهند

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 732/- 3 - رحلة إلى الهند

مجلة الرسالة - العدد 732
- 3 - رحلة إلى الهند
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 07 - 1947


اليهود في المؤتمر الآسيوي

للدكتور عبد الوهاب عزام بك

عميد كلية الآداب

كان بين وفود المؤتمر وفد من اليهود فيه ثمانية رجال وامرأتان. ليس بينهم من ولد في فلسطين أو نشأ به إلا رجل وامرأة. . .

وقد رأى ممثلو مصر والجامعة العربية أن يكونوا لهم بالمرصاد حتى لا يتخذوا من المؤتمر فرصة لنشر دعوتهم، وتزيين أباطيلهم.

فعملنا على أن يعرف المؤتمرون أنهم لا يمثلون فلسطين. فقال مندوب الجامعة العربية في كلمته إنه يمثل دول الجامعة، وإن لم يكن في فلسطين دولة فممثل الجامعة العربية يمثلها. ثم ذهبنا إلى رئيسة المؤتمر فقالت إنها تعرف بأن هؤلاء اليهود إنما يمثلون الجامعة العبرية، وأن فلسطين إنما يمثلها مندوب الجامعة العربية. وقالت إنها أمرت أن يسجل هذا في سجلات المؤتمر. وأعربت عن حبها العرب وإعجابها بهم. . .

وكذلك حرصنا على أن ترد على اليهود كل كلمة يتحدثون فيها عن حقوق لهم في فلسطين أو أعمال لهم فيها. . .

وقد نشروا في بعض جرائد الهند مقالات عن صلتهم بآسيا ومكانتهم في فلسطين بالإنكليزية كلمة وقعتها أنا ومندوب الجامعة العربية هذه خلاصتها بالعربية.

اطلعنا على بيان في الجرائد نشره بعض اليهود المشتركين في مؤتمر العلاقات الآسيوية. وقد حاول ناشرو البيان أن يحرفوا الحقائق، ويصوروا فلسطين بغير صورتها.

قالوا: (إن الأوربيين يكرهون اليهود لأنهم يمثلون روح آسيا، وأن الأوروبيين في بغضهم اليهود إنما يعربون عما يكنونه من الكراهة والاحتقار للأمم الآسيوية التي يمثلها اليهود).

والحق أن هؤلاء المدعين أنهم من آسيا وأنهم يمثلون روحها إنما جاءوا إلى فلسطين أو شاباً من أمم أوربية مختلة لا يحملون وعدوان وظلم، فما هم إلا جماعة أوربية تحاول اغتصاب قطر آسيوي ويزعمون (أن العرب استفادوا كثيراً من أعمال اليهود في فلسطين).

ونحن لا نريد أن نفصل اليوم ما أصاب العرب على أيدي اليهود الوافدين على بلادهم، وحسبنا أن نقول إن أعمال اليهود هناك تقصد إلى أن يحولوا العرب من سادة في بلادهم إلى عبيد، ومن ملاك إلى عمال لا يملكون شيئاً. وكل أمم الأرض تعرف حرص اليهود على أن ينفعوا أنفسهم وقلة مبالاتهم بمنافع غيرهم، فإن ظن اليهود أن لهم على العرب فضلاً فالعرب في غنى عن هذا الفضل، وأعظم فضل لديهم أن يتركهم اليهود أحراراً في وطنهم وأن يحرموهم من هذه النعم التي يمنون بها.

ويقول أصحاب البيان:

(أنه ليس بين اليهود في فلسطين حتى جماعات الإرهاب، من يريد أن يسلب العرب بلادهم).

فإن لم تكن هجرة اليهود إلى فلسطين الصغيرة أفواجاً تضيق بها البلاد، وإصرارهم على أن تستمر الهجرة حتى تكون لهم الكثرة فيها، ومحاولتهم أخذ الأرض من العرب بكل وسيلة ظاهرة وخفية - إن لم يكن هذا سلباً لبلاد العرب فكيف يكون سلب البلاد من أيد أهلها. إن دعوى اليهود إنهم لا يريدون أن يحلوا محل العرب في أرضهم لا قيمة لها ما دامت أفعالهم تكذيب هذه الدعوى تكذيباً صريحاً بيناً لا خفاء فيه، ماذا يقصد إذن بهذه الهجرة التي يصرون عليها بكل الوسائل وهم يعلمون أن فلسطين مزدحمة بأهلها وقد رمى إليها اليهود نصف مليون زادها ازدحاماً ثم هم لا يكفون عن الهجرة؟ ألهذه الهجرة غرض سوى غلبة العرب على أرضهم، وإخراجهم من ديارهم؟

إنهم بتجارتهم وصناعتهم، وهي لخير اليهود وحدهم، يبغون أن تكون لهم الكثرة فيتسنى لهم بهذا وذاك أن يسيطروا على البلاد. ثم هم مع هذا يزعمون أنهم محسنون إلى العرب.

ينبغي أن نذكر اليهود بتاريخ العرب - وهم بسجاياهم أحرار كرام لا يستعبدون ولا يستعبدون، ولا يبخلون أن يشركوا الناس في خيراتهم - هؤلاء العرب كانوا على مر العصور حماة اليهود. لجأ اليهود إلى ظل العلم العربي حيثما كان. وقد دخلوا إسبانيا في كنف العرب، فلما أخرج العرب منها خرجوا، ويوم قامت للعرب دولة في فلسطين كان اليهود مشردين في الأرض وكانت معابدهم مزابل، فطهر العرب معابدهم، ومكنوهم أن يرجعوا إلى فلسطين، وأن يعيشوا أحراراً في رعاية العرب وسماحة الإسلام. وهكذا أحسن العرب إلى اليهود على مر العصور واختلاف الأقطار. فلما رأى اليهود المحن تتوالى على العرب، والمصائب تحيط بهم بأيدي الأوربيين جاءوا في ظلال الأعلام

الأوربية باغين على بني عمومتهم، ناسين كل فضل لهم، يجزونهم شر الجزاء بما أحسنوا إليهم كل الإحسان. لقد جاءوا معتزين بوعد بلفور ليكونوا أعواناً لأعدائهم على أصدقائهم. فخسروا آخر صديق لهم على وجه الأرض، إنهم لم يأتوا إلى فلسطين بروح الآسيوي المعترف بالفضل، المقر بالحق، المؤثر للعدل، بل جاءوا في ظلال الأعلام الأوروبية أعواناً لبغي أوربا يجدون في ضعف العرب فرصة ليسلبوهم أرضهم وديارهم، ثم يدعون أن الأوربيين يكرهونهم لأنهم آسيويون حملوا إلى أوربا روح آسيا.

وقال أصحاب البيان آخراً: (إن يسيراً أن نجد الحل السلمي الملائم). . .

نعم نحن نعرف الحل العادل الملائم. وقد دعونا إليه ونادينا به واقترحته جامعة الدول العربية في مؤتمر لندن. هذا الحل هو أن يعيش الناس في فلسطين لمن فيها اليوم، ويكف سيل الهجرة المتدفق ويعيش العرب واليهود على النظم الديمقراطية التي تسيطر على العالم كله. يقبل العرب هذا ويتجاوزون عن كل ما وقع، ويعدون اليهود الذي هم في فلسطين اليوم وقد جاءوا إلى البلاد في السنوات الأخيرة من أقطار أوربية مختلفة - يعدون هؤلاء الأوربيين المعتدين المغيرين شركاء لهم في فلسطين، ويقبلون أن يقيموا معاً دولة على أسس ديمقراطية.

فهل يقبل اليهود هذا؟ كلا إن الحل السلمي الملائم عندهم أن يوالوا الهجرة إلى فلسطين بغياً وعدواناً حتى يكثروا العرب، ثم يقيموا بكثرتهم دولة يهودية، كما يشاؤون، هل هذا حل سلمي؟ كلا إنه الوسيلة لزلزلة السلم في الشرق الأدنى، وإشعال الفتن والحروب في هذا القسم من العالم بل في آسيا والعالم كله. . .

إن خيراً لليهود أن يعدلوا عن هذه المطامع الظالمة، ويعترفوا للعرب بحقهم الحاضر وفضلهم الماضي، ويعشوا في سلام وأمان في رعاية العرب في فلسطين وغيرها).

(للكلام صلة)

عبد الوهاب عزام