مجلة الرسالة/العدد 729/من وراء المنظار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 729/من وراء المنظار

مجلة الرسالة - العدد 729
من وراء المنظار
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 23 - 06 - 1947


بين معمم ومقبع ومطربش!!

الحر شديد تلفح زفراته الوجوه، والترام مزدحم بالناس قعوداً ووقوفاً، وما منهم إلا من ملأ الفتور بدنه كأنما أخذتهم جميعاً سنة فهم صامتون مطرقون. وليس ما يدب فيه النشاط والقوة إلا هذا الترام السريع الذي ينحدر إلى القاهرة من مصر الجديدة منطلقاً كالسهم، يهز ركابه الوسنانين هزات قوية تنفض عنهم بعض فتورهم وتكاد تلقى بالجالسين منهم على أطراف المقاعد إلى أرض العربة في منعرجات الطريق. . .

وفي زاوية من العربة جلس ثلاثة: معمم على أحد المقاعد يواجهه على المقعد مقبع ومطربش.

أماالمعمم فهو في حدود الأربعين أنيق الثياب جداً، نظيفها كأنما وقادم بها من فوره من دكان الخياط ولست أدري ماذا يصنع يوم العيد ليشعر الناس أنه (غَيَّر) ملابسه؛ ممتلئ البدن، أبيض الوجه في حمرة، متورد الوجنتين، تنبئك ملامح وجهه بأنه فكه خفيف الروح، وتحدثك عيناه ولفتاته ونظراه فيمن حوله - على الرغم من الفتور الذي لحقه كما لحق غيره - أنه (ابن بلد) بأوسع معنى لهذه الكلمة.

أما المقبع فهو عُتُلٌّ في نحو الستين، ثقيل الظل جامد الطبع فيما يبدو من ملامحه وهيكله جميعاً، وبخاصة حاجباه الكثيفان ومنخاراه الواسعان وعيناه الضيقتان وفمه الذي ما إن رأيته حتى جزمت بأنه لم يبتسم مرة في سنواته الستين، ولو طلب إلى أن أؤدي يميناً عن هذا لأديتها في غير حرج.

أما المطربش فأرجو أن تعفيني من وصفه فذلك هو أنا صاحب المنظار. . .!

وحدث بين هؤلاء الثلاثة ما بعث الركاب جميعاً من سِنتهم وما أضحكهم على الرغم من الحر والغبار وجهد اليوم. . .

مد المقبع إحدى رجليه فوضعها على المقعد حتى مس حذاؤه ملابس المعمم أو كادت، فنظر إليه هذا نظرة استنكار عله يسترد رجله ويبعد ذلك الحذاء الذي خيل إليّ لكبره أنه مركب من مراكب الأطفال؛ ولكنه لم يتحرك؛ فقال له المعمم: (من فضلك يا خواجه) وأشار إلى حذائه؛ فنظر إليه المقبع متثاقلا وقال: (لا. . . أنا حر) ونطق الحاء خاء فازداد ثقلا على ثقل.

وازداد وجه المعمم حمرة ورأيته أخذ يتحمس، ولكنها حماسة من يعرف كيف يسلك في مثل هذا الموقف ما يشاكله من من مسلك:

- أنت حر في بيتك ولكن هنا لا. . . ونطق المعمم كذلك الحاء خاء كأنما هو حيال نص لا يملك له تبديلا. . .

ولم يلتفت المقبع إليه فازداد جموداً على جمود!

ولم يرع هذا العتل إلا رجلا الشيخ جميعاً تمتدان فتستقران لا على المقعد ولكن في حجره وقد ضغط الشيخ بنعليه على بطنه وهو يقول (أنا كمان حر) وأصر على جعل الحاء خاء.

وضحكت حتى تندت عيناي وضحك من شهدوا المنظر جميعاً وطار عنهم فتورهم؛ ونهض المقبع كأنما لدغته عقرب، وهو يرطن بلغته، وكأنما فمه بالوعة غصت بالماء وقد انتفخ شدقاه فازداد غلظاً على غلظ.

ونظر إلى المعمم وهو بين الضحك من فعلته وما أثارته من ضحك عام وما كللت به من نجاح أعجبه، وبين الغيظ مما يرطن به المقبع، وقال لي (ترجم حرفياً ما يقول لألقى به تحت الترام) فأحجمت وما زادت على أن ضحكت. فقال الشيخ وقد حبس ابتسامته وبدا الجد في وجهه: (أتمتنع عن ترجمة ما يقول هذا الخنزير؟. أهذه غيرتك على كرامة بني وطنك؟).

ورأيتني على رغمي قد دخلت خصما ثالثاً في القضية!

ونظرت إلى الشيخ وقلت: أفتراني يرحمك الله أتبين شيئاً مما يقول؟ ومع ذلك فهل تظنه يمتدحك ويثني عليك؟

واعجب الشيخ ردي فابتسم أو كاد ثم عاد إلى عبوسه وتقطيبه، على أنه ما لبث أن ضحك مع من ضحكوا لهذا الرد

ورأيت أني أحرجت الشيخ إذ حرمته مما أراد أن يتعلل به من جهله بما يقول خصمه وكفى الله المؤمنين القتال. . . وصار لزاماً أن يلقى بذلك المقبع تحت الترام وإلا فقد قبل شتائمه

وأنقذ المقبع من الموت المحتم تحت عجلات الترام أو قل أنقذ الشيخ من حرجه وقوف التارم على آخر محطة بحيث لم تعد عجلاته تفعل شيئاً!

وانطلقت وأنا أدير في رأسي هذه القضية الصغيرة التي فسرت لي تفسيراً عملياً معنى الحرية، وظللت ساعة لا تبرح خيالي رجلا الشيخ يضغط بنعليهما على بطن ذلك المقبع الذي ظن أنه لا يزال لقبعته ما كان لها قبل من هيبة!

الخفيف