مجلة الرسالة/العدد 729/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 729/القصص

مجلة الرسالة - العدد 729
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 23 - 06 - 1947


السيدة أيدس

عن الإنكليزية

بقلم السيدة الفاضلة منيبة الكيلاني

تستدير من حول مقاطعة كنت في إنكلترا قطعة من الأرض وتستنيم إلى ساحل البحر فيما يشبه في علم الجغرافيا الرأس وتقوم عليها قلعة من قلاع القرون الوسطى وتحدق بهذه القلعة آجام تمد الصناعة بالكثير من الأخشاب وتمد الصيد بالوفير من الطيور والحيوان.

وتستدير هنا وهناك برك من الماء اللجيني تضاحك الشمس عامة النهار وتغازلها ساعتي المغيب والشروق بما يصبى بنات الهديل في أيام الربيع فتتسارع من غصن إلى غصن ترتل النشيد الذي يملأ النفس خشوعاً.

ولفرط ما تشابكت أشجار الكستناء وتعانقت أغصان السنديان فقد أضحى الدرب الذي يسلكه السالك إلى بيت السيدة أيدس تسوده الظلمة حتى قبل أن يحلو لك الأفق بوقت طويل وقبل أن يمحو الليل خطوط الشفق. أما القمراء وما فيها من سحر وفتون فما كانت لتعرف هذا الدرب ولا تستطيع أن تنفذ إلى ثناياه مهما كانت أشعتها خارقة، غير أن الصمت والهدوء الذي يستفز الخاطر استفزازاكانا يعرفان درب منزل السيدة أيدس ويخيمان فيه طويلاً. . .

ولقد كانت الليلة التي نسجل أحداثها إحدى ليالي نوفمبر وقد أنتشر الثلج من ذلك العام، والدرب ساكن هادئ كأنه قد تردى بأكثر من ثوبه المعتاد صمتاً، فما كان ليسمع فيه أبداً غير وقع أقدام الرجل الذي يسلكه في تلك الساعة وغير نباح كلب ليس بالبعيد، ولقد كان وقع الأقدام لفرط السكون من جهة ولطبيعة الدرب من جهة اخرى يأتي بصدى غريب كأنه وقع لأقدام متأثرة ملحاحة تريد القبض على السالك، وتغذ السير للحاق به، وكلما أراد الرجل أن يخفف الوطء ويقلل من وضع القدم ألفى أن الصوت لا يخف فإن هناك من الأغصان اليابسة والأوراق المبعثرة وغيرهما مما يقبل الإنقصام تحت قدميه المنذعرتين ما يكفي لمضاعفة الصوت. وليس هذا وحده بل إن هذه العقبات قد أكدت على السالك وإعترضت سرعته فحدت منها، ولم يكن شأنه ليحتمل شيئاً من ذلك. . .

ولقد بلغ أخيراً دار السيدة أيدس وهو كوخ قد انتبذ مكانا قصياً في آخر الدرب، فلما بلغه استأنى لحظة ثم عبر البقعة المعشوشبة مما يلي شباك الكوخ الذي لم يكن عليه ستائر فكان النور ينبعث من زجاجة إلى الخارج.

واستطاع أن يبصر بالسيدة أيدس تنحني فوق الموقد وتخرج منه إبريق الشاي أو شبهه وتؤجج النار، فساورته بعض الفكر وتردد بين أن ينفذ إليها من الشباك أو أن يعوج إلى الباب فينسل إلى داخل الكوخ من هناك، وتلبث حيث يقف، فبان شعره الأحمر وقامته الممشوقة وأثوابه المتواضعة ووجهه المكدود الذي يعرب عن أنه من صنف العمال أو الأجراء الذين لا يصيبون من أعمالهم فوق ما يمسك الرمق كثيراً. ولم يفتح عليه تدبره الموضوع من حيث ولوج الباب أو الشباك برأي فقد كان مضطرباً، ولكنه وطد العزم هذه المرة فجأة على أن ينفذ من الباب في حكمة وأن يفعل ذلك من دون أن يقرعه وبدون أن يستأذن وهكذا فعل. ولما سمعت السيدة أيدس تلك الحركة استدارت مسرعة وقالت:

ماذا: أهذا أنت يا بيتر كروج؟ لم أسمعك تقرع الباب

قال: إنني لم أقرع الباب يا سيدتي إذ أني لم أرد أن يسمع ذاك أحد قط

قالت: ولماذا؟

قال: لقد نزلت بي نازلة، وكانت يداه ترتجفان ولونه ممتقعاً

قالت: فماذا صنعت؟

قال: لقد قتلت يا سيدتي أيدس

قالت: أأنت فعلت هذا؟

قال: نعم أنا الذي أطلقت الرصاص!

قالت: أو قد مات؟

قال: لست أدري.

وسادت لحظات من السكون حيث يقفان من مطبخ الكوخ حتى أنذرهما إبريق الشاي بصوت غليان الماء، فدلفت إليه السيدة أيدس على غير وعي وأزاحته عن النار قليلاً. . .

وكانت السيدة أيدس هذه نحيفة يبدو عليها أنها تنازعتها الأسقام زمناً، وهي صغيرة الحجم سمراء البشرة يكسو وجهها الناشف عدد لا يحصى من التجاعيد الصغيرة، على أنها وإن لم تكن تتجاوز الثانية والأربعين من العمر فإن الأيام قد قست عليها قسوة أخرجتها من معاني ذلك العمر إلى معان أخرى، إذ أن العمل الذي كانت قد وكلت به في تلك المقاطعة لم يكن راحماً ولا مجاملاً.

التفتت السيدة أيدس إلى بيتر كراوج وقالت له: وماذا عساك تريد مني أيها الفتى؟

قال: ها هم أولاء على أثري وعجلت إليك لأستخفي عندك؛ فلعلك مخبئة إياي في ركن من الكوخ لا تمتد إليه أبصارهم، حتى إذا ما ولوا الأدبار خرجت من هنا آمناً وانصرفت بعيداً عنهم.

قالت: ومن هم؟

قال: حراس الغابة.

قالت: ويك! أو تكون قد قاتلت الحراس وأصبت منهم واحداً؟

قال: أجل فقد دانيت حروف الغابة أريد أن أنتزع منها ما يمسكني، فشعر بي هؤلاء العسس وكانوا أربعة وكنت وحيداً، فلجأت إلى بندقيتي فصوبتها إليهم وأطلقت منها رصاصة ثم هربت، وها هم أولاء على أثري كما قلت، ويغلب على ظني أنهم مني جد قريبين

ولقد سكتت السيدة أيدس لحظات كأنها تفكر، وسكت هو كأنه يستعطف؛ ثم بادهها بالكلام قائلاً: إن كنت يا سيدتي لا تريدين قبول رجائي من أجلي فليكن ذلك من أجل صديقي (توم)

قالت: ولكنك لم تكن من أصفياء (توم) أو المقربين إلى نفسه

قال: بلى لقد كنت، وهو أوفى أصدقائي، ولو كان حاضراً لما وسعه إلا أن يذود عني ويمهد لي من داره ما أشتهي مخبأ ومكاناً

قالت: إنني لا أستطيع أن أنفي هذا، فقد كان (توم) يمنحك من ظنه فوق ما تستحق فلا تثريب عليك في البقاء حتى يعود توم على الأقل فيسمع منك ما تقول، ويقول لك ما يجب أن تسمع، وسيعود بعد ساعة أو نحوها فماذا أنت فاعل بعد ذلك؟

قال: لا أدري ولكني لا يزال أمامي متسع من الوقت للتفكير في الموضوع.

قالت: هنا يصفو لك التفكير (وفتحت له مكاناً في ركن المطبخ صغيراً) ولن يخطر ببال غرمائك إذا جاءوا أنك ثاو في هذا المكان ولا سيما إذا قلت لهم بأنني لم أبصر بك هذا المساء.

قال لها: أنت عظيمة يا سيدتي، وإنني أعم أنني لا أستحق منك تلك الرعاية ولا ذلك العطف، وما كان أسعدني لو كانت لي أم من نوعك، إذن لكنت غير ما أنا عليه الآن. . .

لم تقل السيدة أيدس شيئاً بل أغلقت الباب عليه فأضحى في ظلام دامس لا ينفذ إليه من نور المطبخ إلا شعاع واهن منحدر من أحد شقوق الباب، ومن هذا الشق ذاته كان بيتر يرى الوالدة تهيئ عشاء وحيدها (توم) الذي يأتي بعد ساعة من المزرعة التي يعمل فيها. وقد بكر (بيتر) يصور لنفسه جيئة صاحبة من عمله وما سيكون له من رأي في الذي إقترفه؛ ولكنه أيقن بأنه لن يلغى عطفاً حبته به أمه أبداً؛ وعلى الأخص فإن الصداقة التي تربطهما ليست من النوع الذي يسوغ مثل هذه الأفاعيل وإن كان كل منهما قد شق لنفسه في الحياة طريقاً يختلف عن الآخر. . .

أقام بيتر في زاويته بين الأكياس المكدسة ثم استلقى بينها، ثم أخذته الأفكار، ثم سطعت رائحة الطعام من المطبخ تسيل لعابه وتوقظ فيه الجوع، على أنه انبعث فيه أمل في أن يطعم بعض هذا الذي يشم عندما يؤوب (توم). ولن تنكر السيدة أيدس عليه هذا على وجه التأكيد بعد أن علمت مبلغ جوعه وعرفت بعد الشقة التي وطد العزم على قطعها. . .

وهنا أخذت الوقائع تتجلى له بصورة مؤلمة، وهنا أيضاً سمع وقع أقدام أذهلته وأعادته إلى نفسه الخائفة، فاحتقن وطغت ضربات قلبه إذ لابد أن يكون هؤلاء القادمون هم الحراس الموتورين وقد عرفوا مكمن الجاني فجاءوا يأخذونه من بيت صديقه وهم يعلمون أن هذه الصداقة تبرر العطف عليه. وقد أضاع اتزانه فانكمش في ركن ضيق من الزاوية انكماشاً، وأخذ يلوم نفسه على اللجوء إلى هذا الكوخ الذي يرد على بال المتعقبين قبل أي مكان غيره. ثم ارتجف وتحشرجت أنفاسه وازدحمت الزفرات فيصدره ولكن وقع الأقدام تعدى الكوخ ولم يقرع بابه، وجاء من بعدهم السكون الذي هو في أكثر الأحوال أبلغ عبارة من الضوضاء

أطلت السيدة أيدس من جانب الزاوية عليه وقالت إنهم جماعة القلعة وقد رأيتهم في طريقهم يحملون مشاعلهم، فلعل الصواب أن تنسل الآن من الطريق المعاكسة إلى (كنت) حيث تأخذ القطار الذاهب إلى لندن فهذا خير لك وأبقى. وإن القطار ليبرح موضعه في الساعة العاشرة من هذا المساء. . .

قال: إن هذا الذي ترينه مصيب ولكني لا أملك من أجر السفر قرشاً

فلم تقل له شيئاً بل دلفت إلى أحد أدراج خزانة المطبخ وأخرجت له منه شيئاً من المال وقالت هذه سبعة دراهم تعينك على بلوغ لندن وتمنع عنك الطوى قليلاً، فاحتار الفتى كيف يشكرها ولكنها قالت لا تشكرني فإنني إنما أفعل ذلك من أجل (توم) وهذا يكفي إذ أنه كان يحبوك بعطفه دائماً، وإنني لأرجو الله مخلصة أن لا تذوق من بعدها محناً أخرى. بل إنني شاعرة ببرد الطمأنينة لأنني أدري أنه لم يكن أحد ليعلم بأنك قد مررت بهذا الكوخ وهو بعينه السبب الذي يحدوني أن أستحثك على الخروج من هنا قبل أن يعود (توم)، وإنني لأخشى أن يصحبه أحد أصحابه فينشأ لك طارئ من المحنةأنت عنه في غنى. . . ثم إني أريد أن أتعلم أنني لم اكن لأشجع نفسي على مخالفة ضميري في عصيان القانون في إيوائك لأنني أعلم بأن مقاتلة الحرس والدفاع عن النفس دونهم لا تشبه قتل إنسان بريء لا شأن له، وعلى كل حال فإني اريد أن أنصرف عن هذا الموضوع وأضرب عنه صفحاً.

وقامت تفتح له باب الكوخ ليخرج، ولكنها ما كادت تفعل حتى بدأت أصوات الأقدام تسمع بوضوح في نقطة قريبة.

قالت السيدة أيدس: لعل هذا توم؛ ولكن لا فإن أصوات الأقدام تؤكد بإن العدد أكثر من واحد فخير لك أن تعود إلى زاويتك فإني أسمع كلاماً. اربض هناك حتى يمروا هذه المرة أيضاً

ذهب (بيتر) إلى حيث كان قابعاً بين الاكياس، وتدانت الأصوات رويداً رويداً فتصور لحظة أنها ستمر كما حصل في المرة الماضية ولكنها تلبثت قليلاً لتتجاوز القطعة المعشوشبة من خارج الباب، وبعد لحظة سمع الباب يقرع. . إذن هذا توم بعينه.

أرتعد بيتر من الخجل والقلق، وألصق عينه بخصاص الباب وحدج المطبخ فألفى السيدة أيدس تدلف نحو باب الكوخ وما كادت تفتحها حتى دخل رجل إلى الداخل وسد الباب من ورائه فعرفه بيتر، أنه (فدلر) أحد الحراس الأربعة، فجمد بيتر وتصلبت ساقاه فقد عرفوا مأواه وتأثروه وافتضح أمره فليس هناك من جدوى في استخفائه أبداً. على أنه لم يعد مستخفياً بعد الذي كان فما باله لم يختر مكاناً أحسن من هذا وأضمن لإفلاته؟ وما باله لم يدفع عن نفسه خيراً من هذا لدفع، وهنا وهنت ساقاه عن حمله فجلس على الأكياس إعياء وغماً. . .

وكانت سحنة الرجل في المطبخ تدل على أنه يعالج أمراً صعباً ويلوك كلمة جليلة على النفس المسكينة التي تواجهه فوقف صامتاً يطوي بيدين عصبيتين قبعته.

قالت له: ماذا جرى؟

قال: أريد أن أحادثك ياسيدتي

فأرهف بيتر أذنيه وتمنى أن لو استطاع أن يسكت قلبه ليتم له السماع، ولكن مخاوفه وهنت عندما تصور أن السيدة لن تفضح أمره ما دام قد استشفع لها بابنها (توم) قال: لقد حملت إليك أنباء سيئة، فانحرفت، وقالت ماذا تعني وأخذت سمتها نحو الباب فتشبث بها الرجل وقال لا تفعلي يا سيدتي حتى أبسط لك الأمر. . .

قالت له أيدس أسرع أيها الرجل فيما تقول ودفعته جانباً، ولكنه أخذ يتكلم متلعثماً مسرعاً ويقول: حدث في أطراف الغابة نزاع، وذلك أن رجلاً من السراق كان يريد أن يصطاد بعض الأرانب، وكان (توم) مع الحراس، وهنا كان الظلام حالكاً فأطلق السارق بندقيته ولاذ بالفرار.

وأودى التعب بالمتكلم فاستأنى قليلاً. . أما بيتر فإنه استحال إلى إنسان من الخشب في الزاوية التي وقف فيها، وقبل أن تقول السيدة كلمة خرج الرجل وأشار لجماعته فدخلوا يحملون جثة ووضعوها في وسط المطبخ.

قالت أيدس: أهو ميت، وعلمت وقد تبعثر الدمع من عينيها أن نعم. أما بيتر فقد عز عليه الدمع بل إستيأس وقنط ورأى أن قد حصحص الحق ولا سبيل إلى الهرب. . .

ورأى بيتر أن الحياة جميلة في تلك اللحظة ولا سيما إذ تكون من مقوماتها فتاته التي يحبها، ولكن حياته لم تعد بعد اليوم ملكاً له بل هي ملك للسيدة أيدس تفعل بها ما تريد. . .

كانت السيدة أيدس تجلس على الكرسي المجدول من السعف قرب الموقد وقد أعانها أحد الرجال على الجلوس وتقدم الثاني يصب لها من قارورة صغيرة نوعاً من الشراب لعله ينعشها قليلاً.

وقالوا لها بعد هذا إنهم لم يروا القاتل ولكنهم استطاعوا أن يظفروا ببندقيته التي أذهله عن أخذها هول الأمر وهي بعينها بندقية بيتر ولعله فعل فعلته غير عامد إذ أنه كان صديقاً لتوم.

كان بيتر حينئذ منتصب القامة ينظر من شق الباب فرأى السيدة أيدس تتحامل على نفسها وتقوم على قدميها وتقف على رأس المائدة وتنظر في وجه الرجل الميت الذي انعكست عليه كل معاني الخلود، ثم رآها تنظر إلى الرجال الذين تراجعوا للذهاب إلى صميم الغابة للتفتيش عن بيتر الجاني الأثيم. ثم رآها بعد هذا كله تمد يدها إلى جيب صدارها فتخرج مفتاح الباب الذي يتوارى بيتر وراءه. .

لقد سأل الرجل مدام أيدس هل رأت بيتر ذلك المساء فأجابت لا لم أره منذ يوم الثلاثاء، فقال لها محدثها إذن سنفتش عنه وسنأتيك بمسز جين أيضاً فأشارت برأسها بالإيجاب.

قالت السيدة أيدس لفدلر وكان آخر من بقى لديها: ساعدني على حمله إلى الداخل، إلى الفراش، إلى غرفة نومه. وتعاونت هي وهو على وضعه في سريره وخرج فدلر.

انتظرت السيدة أيدس حتى إنعدمت حركة الأقدام في الدرب خارج كوخها، وحينئذ جاءت إلى الزاوية التي يستكن فيها بيتر وهنا أخذته الرعدة من جديد، لقد كان الأمر فوق أن يحتمل وكان الأشهى له أن يموت قبل أن تقع عينه على هذه السيدة. . . سمع المفتاح يدور في القفل ولكنها لم تدخل هذه المرة، بل فتحت عليه بابه فقطثم تراجعت وأغلقت عليها الباب الذي يضم توم.

عرف (بيتر) ماذا يجب أن يفعل فإن الشيء الوحيد الذي أرادته السيدة أيدس هو الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يفعله. . فتح الباب بصمت وسكون وخرج. . .

منيبة الكيلاني