مجلة الرسالة/العدد 727/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 727/القصص

مجلة الرسالة - العدد 727 القصص
المؤلف: ليو تولستوي
المترجم: مصطفى جميل مرسي
إلياس Ильяс هي قصة قصيرة بقلم ليو تولستوي نشرت عام 1885. نشرت هذه الترجمة في العدد 727 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 9 يونيو 1947



إلياس

(إلى الذين يجدون سعياً في سبيل السعادة

للكاتب الفيلسوف ليو تولستوي

بقلم الأستاذ مصطفى جميل مرسي

يحكى أنه كان يعيش في بلدة واحد من البشاكرة يدعى (إلياس). . . قضى أبوه نحبه بعد أن متع ناظريه بزوجة ولده - دون أن يخلف له شيئاً من الأرض يأتي له بريع من الرزق يعيش هو وامرأته عليه. فلم يدع له سوى سبعة من الخيول والأفراس وبقرتين وعشرين رأساً من الغنم. . .

فشمر إلياس عن ساعد الجد. . . وكان ماهراً في رعاية الحيوان بارعاً في تربيته ذا جلد ومثابرة، فراح يتولى ماشيته بعنايته، ويهيئ لها من المرعى والمأوى كل ما يدخل في طوقه. . .

وكان - هو وزوجته - يعملان سحابة يومهما وجنحاً من ليلهما. . . ينهضان على تبكير من الغسق. . . وهما آخر من يأوي إلى مضجعه في العشي. وأقاما على تلك الحال حتى بارك الله في ماشيتهما، وضاعفها. فزادت وتكاثرت عاماً أثر عام، وأتيح لهما وفر فيما يملكان من ثروة ومال. . .

وحينما وافت السنة الخامسة بعد الثلاثين على تمها صار لإلياس من الخيول مائتان، ومن البقر مائة وخمسون ومن الغنم ألف ومائتان. . . فأستأجر رجال يحملون عنه عِبءَ الرعي ويقومون على معونته. . . واتى بأجيرات من النساء يحلبن له ماشيته ويخضون ألبانها ويستخلصون منها الزبد والسمن والجبن (والكميس)

فأيسر (إلياس). . . وأخصب جانبه وأرغد عيشه، وراح يعيش في بلهنية ودعة. . . فعظم مقامه بين جيرته، وذاع شأنه بين من يقنطون في واديه. وأخذ كل امرئ يغبطه ويتحدث عنه - وفي نفسه حسد - (إن إلياس رجل بخيت ذو جد جلب عليه كل ما يراود أمل الإنسان من رغبات. . . فهو - دون ريب - سعيد بهذه الدنيا هانئ به تقاطرت على (إلياس) جموع الزوار من كل حدب. . . فكان يتلقى كل واحد منهم بالترحيب والتكريم، وينحر لهم الخراف ويهيئ لهم موائد حافلة باللذيذ الفخر من الطعام والشراب ويقدم له ما راق لهم من (الكميس) والشاي. . .

كان لإلياس ولدان وبنات زوجهم جميعاً. . . وحينما كان في أيام فقره وعسره كان هؤلاء الأبناء عوناً لأبيهم في رعاية قطعانه وحتى إذا ما زخرت خزائنه بالمال سرت إلى نفوسهم عوامل الفساد والتلف. فأقبل واحد منهم على الخمر يعب كؤوسها حتى يضل منه الوعي ويحمل مخمورا إلى داره. ولم يلبث أن قتل في عراك بين أبناء الحي من ذوي النفوس الشريرة.

أما الآخر فقد تزوج بامرأة رقيعة خرقاء، جعلت تسعى بالباطل بين الولد وأبيه حتى أوغرت نفسيهما وأضغنت قلبيهما. فافترقا بعد أن تخلى (إلياس) لأبنه عن جواد وقطيع من الغنم

لم ينقض حين على ذلك حتى تفشى المرض بين الماشية، فأورد كثيرا منها مورد الهلاك والفناء. . . وساء الحصاد في هذا العام ولم تأت الأرض إلا باليسير. . . فحصد الموت بعض ما تبقى من الجوع. ثم أغارت قبائل (القرغيز) على أملاك (إلياس) فاستحوذت على البقية الباقية من حيواناته. . .

وبين ليلة وضحاها أصبح إلياس، فإذا بأمواله قد عبثت بها يد الزمان، وأدبرت عنه الدنيا وهي ساخرة في حين ضعف فيه جسده ووهنت قواه. . . فباع أثاث داره ثم لم يلبث أن باعها هي الأخرى.

وبات هو وزوجته - وكانت تدعى (شام شماجي) - على الطوى وليس لهما من موئل يأويان إليه، فقد رحل ولدهما وزوجته عن البلدة، وماتت ابنتهما منذ زمن بعيد. فلم يجد الزوجان إلى جانبهما في خريف العمر من يسعى عليهما بالقوت. . .

وكان لهما جار يدعى (محمد شاه) ليس بالغني وليس بالفقير بل يحيا حياة ذات رخاء ويسر. . . فعطف عليهما ورحم كبرهما إذ كان ذا قلب يفيض بالحب وعروق تنبض بالرحمة. فطاف بعقله ما كان عيه (إلياس) من كرم وجود. فقال له: -

تعال وأقم معي يا إلياس أنت وزوجك العجوز. . . وما عليك سوى أن تفلح حديقة البطيخ في الصيف، وفي الشتاء تطعم الماشية وترعاها. . . إذا وسع مقدورك هذا!! أما زوجتك الفاضلة (شام شماجي) فسوف تجلب الأفراس وتستخرج لنا من ألبانها (كميساً) طيب المذاق بديع الصنع.

وسأهيئ لكما من الملبس والطعام ما تقر به عيونكما وترومانه فإن أعوزتك حاجة بعد ذلك فخبرني بأمرها، وإني لأعدك بأن أتيحها لك ما وجدت إلى ذلك سبيلاً. . .

أقبل (إلياس) وامرأته على العمل في خدمة جارهما. ولعلهما صادفا في أول الأمر صعوبة، وشقت عليهما الخدمة. بيد أنهما لم يمكثا غير قليل حتى تعودا على ذلك، واستقر بهما المقام عنده يعملان له ما يسعهما. . .

وكان يتسرب الألم والرثاء إلى قلب (محمد شاه) حينما يبصر بهما بعد غناهما العريض وعلة منزلتهما، ينحدر إلى مثل هذه الحال. لقد حرز في نفسه هذا ولكنه أفاد منهما إذا أطلق لهما حرية الأمر، فلم يسعهما سوى أن يتفانيا في خدمته بإخلاص وجد

وذات يوم نزل في ضيافة (محمد شاه) نفر من ذوي قرابته وصديق له من رجال البحر فذبح (إلياس) لهم شاة وسلخها وبعد أن أنضجها على النار، بعث بها إلى الأضياف فأكلوا منها ما طاب لأنفسهم. . .

وبينما هم قعود على البسط الثمينة يتناقلون الحديث ويرشفون كؤس ا (لكميس) مر بهم إلياس - وقد فرغ من عمله - فلما أبصر (محمد شاه) قال لواحد من أضيافه: (هل لمح طرفك هذا الرجل الذي مر بنا منذ لحظات؟!)

فأجابه الضيف في عجب: (أجل.! فما الذي يدعو إلى سؤالك هذا؟!)

- (لقد كان أغنى إنسان في هذه الناحية من الأرض!. إنه يدعى الياس. أما سمعت بذلك الاسم من قبل؟!)

- (لقد طرقت سمعي أخبار عنه مؤكداً. . إني لم أره قبل الآن ولكن شهرته ذاعت كل البقاع!.)

- (هذا حق. . بيد أنه الآن صفر اليدين ذو متربة وعسر. فهو يقيم معي هنا يعمل في أرضي ويرعى أغنامي، أما زوجته فتحلب ماشيتي وأفراسي!. .)

فأدرك الدهش ذلك الضيف ومط شفيتيه وهز رأسه وهو يقول: (الأيام دول من سره زمن ساءته أزمان. فبين عشية وضحاها يصير المرء من أعلى عليين إلى أسفل سافلين!

هل ترى المصيبة تقض مضجع هذا المسكين وتجعله يندب حظه على ما ضاع من بين يديه؟!)

- (ومن يدريك؟! إنه يعيش في هدوء وسكينة يحسن القيام بعمله) فعاد الضيف يقول: (بودي أن أتحدث إليه حيناً هو وزوجته، أفيمكنني هذا؟)

- (ولم لا؟!) وراح السيد ينادي على إلياس: (يا أبت. هيا اشرب معنا قدحاً من الكميس. وادع زوجتك إلى هنا كذلك.)

فدلف إلياس مع زوجته إلى الحجرة. . . وبعد أن ألقى تحيته على الأضياف جلس على قرب من الباب، وراح يتمتم بصلات خفية في صوت خفيف. . . أما زوجته فتجاوزت المكان إلى ستر في ركن منه حيث جلست خلفه مع سيدتها. . .

وقدم (محمد شاه) إلى إلياس قدحاً من أقداح (الكميس) فتناوله ولسانه يلهج بعبارات الشكر والحمد، وبعد أن تمنى للحاضرين صحة وعافية راح يترشفه على مهل، ثم وضعه جانباً. فقال له الضيف الذي كان يروم رؤيته. (حسن يا أبتاه. أحسب إن حديثنا سوف يثير في نفسك لواعج الحزن والأسف ويبعث في نفسك ذكرى ما كنت تتملكه من دور وضياع ومواش ذهبت هباء مع الريح. . لعلك آسف وضيق النفس بما أنت فيه الآن!

فوضحت على ثغر إلياس ابتسامة هادئة وقال في صوت رزين (لو إني أخبرتك ما هي السعادة، وما هي عثرة الحظ. . . لأثار ذلك دوافع الشك لديك في نفسك!. فيحسن بك إذن أن تسأل زوجتي. فكل ما في قلوب النساء يجري طلقاً على ألسنتهن. . . ولسوف تنبئك عن بينة بجلية الأمر!. .)

فاستدار الضيف نحو الستار. . وهو يقول: (هلا تخبرينا يا جدتي العجوز. . . كيف أن سعادتكم السابقة تقرن بما يكتنفكم الآن من بؤس وشقاء؟؟)

فأرتفع صوت (شام شماجي) من خلف الستار: هذا ما يدور بخلدي! لقد عشت أنا وزوجي العجوز خمسين عاماً نسعى في سبيل السعادة وننقب عنها، فلم ندرك لها أثراً. . . ولكنها الآن في هاتين السنتين الأخيرتين - منذ أن ودعنا الغنى ورفعة الشأن، وأصبحنا نعمل كأجيرين بلغنا السعادة وعرفناها على حقيقتها وصرنا ننعم بها كل صباح ومساء. . . فلسنا نبغي أسعد من أيامنا هذه!.)

فرانت الدهشة والعجب على وجوه الأضياف وكذلك صاحب الدار الذي قام فحسر الستار عن مكان المرأة العجوز وهي جالسة، وقد عقدت يديها على صدرها وراحت تتبسم لزوجها فابتسم هو الآخر لها.

وبعد أن مضت برهة من الصمت تعلقت فيها الأنفاس عادت تقول في صوتا الهادئ: (غني لا أحدثكم بغير الحقيقة. . . وما في قولي من مبالغة بل هو الحق الخالص. . . لقد أبلينا ربع قرن من الزمن ونحن نسعى إلى السعادة. . . وعلى قدر ما كنا أغنياء كانت محرمة علينا. أما الآن وقد صرنا أجيرين لا نملك من متاع الدنيا شيئاً أحسسنا بالسعادة التي لا نود بديلاً منها. . .)

فقال لها ذلك الضيف متسائلاً: (بالله خبرينا ما هذه السعادة التي تشملك أنت وزوجك في إعسار كما بعد اليسر وادبار الدنيا عنكما بعد إقبالها عليكما؟!)

- (أصبت!. حينما كنا أغنياء كان لدينا من المشاغل ما يصرفنا عن إئتناس الزوج بزوجته وتآلف روحينا. وعبادة الله عز وجل. . . لقد كان الناس يفدون علينا فنسهر على خدمتهم وتوفير ما يثلج قلوبهم خشية أن تتناولنا ألسنتهم بالسوء ويتحدثون عنا بما نكره. . . فإذا ما رحلوا كان علينا أن نراقب عمالنا ومن يقومون على خدمتنا حتى لا تنزع بهم دوافع الشر إلى خيانتنا فيما نعهد به إليهم. . .

كما أننا كنا نحاول أن ننقص أجورهم ونفيد منهم أكثر مما نستحق. فارتكبنا الخطيئة الأولى.

ثم إننا كنا - إذا ما جن الليل - نبيت ونحن أيقاظ خشية أن تفترس الذئاب الوحوش بعض الأغنام أو يعمد فريق من اللصوص إلى سرقتها في غفلة من حراسها. وننهض بين حين وآخر لنطمئن عليها. . . وغير ذلك مما كان ينشأ من المشاكل، ثم أضف إلى ذلك ما كان ينشب بيني وبين زوجي من شجار ونزاع. . . فهو يريد شيئاً وأنا أود ما هو ضده فنخطئ ثانية. . .

وهكذا كنا لا نكاد نتجاوز صعوبة حتى نقابل أخرى. . . ونستدبر خطيئة حتى نواجه ثانية فعشنا لا نجد إلى السعادة سبيلا!) - (حسن. . والآن.)

- (الآن حينما. . أفيق أنا وزوجي (العزيز) في الصباح بعد نوم هادئ مطمئن لا ينغصه الخوف ولا الفزع. . نتبادل كلمات الحب وعبارات الود. . . وبدأنا نحيا في هدوء وسلام لا تعكر صفوة تلك الأسباب التي كانت تثير النزاع والشقاق بيننا.

ليس علينا من واجب سوى خدمة ذلك السيد الكريم الذي أحسن إلينا. . . فنحن نتفانى في العمل لصالحه. . . حتى لا يحس في وجودنا مضرة به أو ثقلاً عليه. . . ونتناول غداءنا هنيئاً مع أكواب (الكميس). . . وقد توفرت لدينا الأخشاب التي نطعمها النار ونستمتع بدفئها إذا ما اشتدت وطأة البرد ويأتينا سيدنا بالثياب ذات الفراء التي تعوزنا.

أما الوقت فقد بتنا نجد فيه ما يتسع لحديث كل منا إلى الأخر في ود. . و. . غزل. . فنفكر في أنفسنا ونتعبد متقربين إلى الله نسأله الصفح والغفران عما ارتكبناه من الخطيئات. . نعم لقد سعينا خمسين عاماً في سبيل السعادة فلم نجدها إلا الآن!.)

فضحك الأضياف. . ولكن إلياس ما لبث أن قال لهم في صوت ذي جرس هادئ وإن شاعت فيه رنة العتاب:

(ليس ثمة مجال للضحك!. أيها الرفاق. . فليس هذا الحديث مثاراً للضحك والهزل. . بل عبرة وعظة. . إنها حقيقة الحياة. . لم ندركها إلا حينما توج رأسانا المشيب. .

لقد كنا نحن كذلك سخفاء وحمقى حينما بكينا طويلاً على ما ضاع من ثروة وعلو شأن. . . ولكن الله - تعالت قدرته هدانا الآن إلى الحقيقة. . فما أجملها وما أجلها. .

إنا لا نذكر هذه الحقيقة لكم ابتغاء السلوى والعزاء لنا ولكن نجلوها على أسماعكم لهدايتكم وخيركم!.)

فقال (الملاح) وقد اغرورقت عيناه بالدموع: (إنك لعلى حق يا إلياس. . إنه حديث الحكمة والموعظة. . وقد جاء ذكره في الكتب المقدسة التي نزلها الله ليهدي بها عباده. .)

وأمسك الأضياف عن الضحك. واستغرقوا في فكر عميق.

(القاهرة)

مصطفى جميل مرسي