مجلة الرسالة/العدد 725/تفسير الأحلام:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 725/تفسير الأحلام:

مجلة الرسالة - العدد 725
تفسير الأحلام:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 26 - 05 - 1947

6 - تفسير الأحلام:

للعلامة سجموند فرويد

سلسلة محاضرات ألقاها في فيينا

للأستاذ محمد جمال الدين حسن

الرقابة في الأحلام:

وهناك طريقة ثالثة تستخدمها الرقابة في الأحلام لا يوجد لها مثيل في حالة الرقابة الصحفية. ولكني أستطيع أن أوضح لكم هذه الطريقة بالرجوع إلى الحلم الوحيد الذي استطعنا أن نحلله إلى الآن وهو الحلم الذي يدور حول (الثلاث تذاكر التي ثمنها فلورن ونصف). رأينا أن المحتوى الباطن لهذا الحلم تبرز فيه صفة (التسرع والتبكير). وقد كان معناه: (لقد كان من الحماقة إني تزوجت (مبكراً)، كما كان من الحماقة أن تحجز المقاعد (مقدما) وكما كان من الحماقة أيضا أن (تتسرع) أخت زوجي بإضاعة نقودها كلها على قطعة من الحلي). ولكن هذه الصفة الرئيسية لم يبد لها اثر مطلقاً في المحتوى الظاهر، وإنما كان الحلم كله مركزا في الذهاب إلى المسرح واخذ التذاكر. وقد كان لإزاحة هذا التركيز وإعادة ترتيب العناصر من جديد أثره في انعدام الشبه بين المحتوى الظاهر والمحتوى الباطن للحلم بحيث لا يتسنى لأحد أن يشك مطلقاً في تستر أحدهما وراء الآخر. وهذه (الإزاحة) تعتبر من أهم الوسائل التي يستخدمها التحريف، وهي السبب الذي يضفي على الحلم هذه الهالة من الغرابة التي تجعل الحالم نفسه يتردد في الاعتراف به على أنه إحدى بنات أفكاره.

وعلى هذا فالحذف والتحوير وإعادة ترتيب العناصر، هذه كلها هي الأساليب التي تتخذها الرقابة في الأحلام وهي الوسائل التي تستخدم في التحريف. والرقابة نفسها هي المولد أو هي أحد المولدات التي ينشأ عنها التحريف. أما التحوير والتغيير في الأوضاع فتدخل عادة تحت عنوان (الإزاحة).

ولننظر الآن إلى الرقابة في الأحلام من الوجهة الديناميكية بعد أن ألممنا ببعض الملحوظات عن أوجه النشاط فيه. لعلكم لا يشط بكم الخيال فتصورون الرقيب لأنفسك على هيئة قزم عبوس الوجه قابع في إحدى خلايا المخ حيث يقوم بتأدية أعباء وظيفته، أو تتخيلون أن هناك (مركزاً عصبياً) تنبعث منه تأثيرات رقابية معرضة للزوال إذا زال هذا المركز أو أصابه عطب. ولكن يكفينا في الوقت الحاضر إن ننظر إلى الرقابة على أنها اصطلاح نافع يعبر عن علاقة ديناميكية، على أن لا تعوقنا هذه النظرة عن البحث لمعرفة أي نوع من النزاعات له هذا التأثير وأيها يخضع له، كما انه يجب علينا أن لا نعجب إذا اكتشفنا أننا ربما نكون قد تعرضنا للرقابة من غير أن نتعرف عليها. وهذا ما حدث فعلا. فانتم تذكرون أننا أثناء قيامنا بتطبيق طريقة الترابط المطلق، اكتشفنا إن هناك (مقاومة) ما تعترض الجهود التي نبذلها للنفاذ إلى المحتوى الباطن للحلم من خلال الظاهر. وقلنا إن هذه المقاومة تختلف من ناحية الشدة فتكون في بعض الأحيان ضعيفة جداً فلا تحتاج إلى مجهود كبير لتفسير الحلم وتكون أحيانا أخرى كبيرة جداً فنحتاج إلى سلسلة طويلة من الأفكار المترابطة وإلى التغلب على كثير من الاعتراضات التي تواجه هذه الأفكار. وهذه الظاهرة التي لاقتنا على شكل (مقاومة) أثناء التفسير نعود فنقابلها مرة أخرى على شكل (رقابة) في تكوين الحلم؛ وما المقاومة في الواقع إلا الرقابة على شكل ملموس وهي تثبت لنا أن تأثير الرقابة لا ينعدم بعد القيام بعملية التحريف بل يظل قائما كمنشأة دائمة تعمل على إبقاء التحريف على حالته الراهنة. وكما أن المقاومة تختلف في الشدة باختلاف عناصر الحلم، فكذلك تختلف أيضاً درجة التحريف الذي ينشا عن الرقابة. فالمقارنة بين المحتوى الظاهر والمحتوى الباطن تحرينا أن بعض العناصر الباطنية قد حذفت تماما من المحتوى الظاهر أو حورت تحويراً طفيفاً أو كبيراً، بينما ظل البعض الآخرعلى حالته لتي كان عليها من غير تبديل أو تغيير، بل ربما ازداد وضوحا عن الأول.

قلنا إننا نريد أن نبحث لمعرفة أي نوع من النزعات له هذا التأثير الرقابي وأيها يخضع له والجواب على هذا السؤال، الذي يعتبر جوهريا، الوقوف على معنى الأحلام أو ربما الحياة البشرية بأسرها، يكون من الأمور السهلة إذا فحصنا سلسلة الأحلام التي نجحنا في تفسيرها. فسنرى من ذلك أن هذه النزعات هي التي يحكم عليها الشخص الحالم في حالته اليقظة بأنها جزء من نفسه لا ينفصل عنها. فمن المؤكد أن الشخص الذي لا يريد أن يعترف بالتفسير الصحيح لحلم من الأحلام التي رآها هو، فإنما يفعل ذلك مدفوعا بنفس العوامل التي تولد الرقابة وتسبب في وقوع التحريف في الحلم حتى يصعب تفسيره. فالمرأة التي في الخمسين من عمرها مثلا قد أصابها الفزع والذهول لبشاعة الحلم الذي رأته رغما عن أنه لم يفسر لها، فما بالكم إذاً لو كانت الدكتورة فون هج - هلموت قد أفضت إليها بطرف من معناه الذي لا يخفي! هذه المرأة أنكرت الحلم ولم تعترف به مدفوعة بنفس الأسباب التي أدت في الحلم إلى استبدال العبارات الجارحة بدمدمة غير واضحة.

أما النزعات التي تخضع لتأثير الرقابة، فإننا إذا اختبرناها بنفس هذا المقياس من النقد التحليلي فإننا نجد أنها عبارة عن نزعات لا تقبلها النفس لأنها تجرح شعور الإنسان من الوجهة الأخلاقية أو الاجتماعية، وتدور في اغلب الأحيان حول أشياء لا يجر المرء على التفكير فيها أو على الأقل يشعر باشمئزاز كبير إذا مرت بخاطره. وهذه الرغبات التي تؤثر فيها الرقابة فتبدو في الحلم بشكل محرف هي فوق كل شيء إظهار للأنانية الفظيعة التي لا حد لها. (فالذات) يبدو أثرها دائما على كل حلم وهي تلعب فيه الدور الرئيسي وإن استطاعت في بعض الأحيان أن تتنكر تنكراً تاماً بالنسبة إلى المحتوى للحلم. وهذه (الأنانية المقدسة) للأحلام ليست في الواقع عديمة الصلة بالحالة العقلية التي تلزم للنوم أي قطع كل صلة بيننا وبين العالم الخارجي.

والذات التي تطرح عنها كل القيود الأخلاقية تحس أنها قد أصبحت على وفاق مع الرغبات التي يتطلبها الدافع الجنسي في الإنسان، وهي الرغبات التي لا تقرها التربية الثقافية والتي تتنافى مع القيود التي تفرضها علينا الأخلاق القويمة. فالطاقة الجنسية لا يحول حائل بينها وبين الأشياء التي يقع عليها اختيارها لجلب اللذة، بل هي في تفضل الأشياء المحرمة كزوجة رجل آخر مثلا، أو ما هو أشد حراما كتلك الأشياء التي اتفق البشر جميعاً على تقديسها كالأم والأخت في حالة الرجل، والأب والأخ في حالة المرأة. وهذه الرغبات التي نعتقد أنها غريبة عن الطبيعة البشرية التي تظهر قوتها على توليد الأحلام. والبغض والكراهية أيضا من الأشياء التي تنطلق في الحلم من غير قيد، فالرغبة في الأخذ بالثأر أو تمني الموت لمن هم أقرب الناس إلينا وأعزهم علينا في الحياة كالآباء والأبناء، والاخوة والأخوات، والأزواج والزوجات ليست قطعاً من الأشياء الغريبة وغير المألوفة. هذه الرغبات التي تخضع للرقابة يبدو أنها تنبع من جحيم حقيقي فنحن عندما نقف على معناها في أثناء اليقظة يبدو لنا أنه لا توجد رقابة كافية لردع الرغبات. على إن الأحلام ليست مسئولة عن هذا المحتوى الأثيم، فأنتم بالتأكيد لم تنسوا بعد أن وظيفة الحلم التي لا ضرر منها بل النافعة هي المحافظة على النوم من عوامل القلق والإزعاج. فالإثم والفجور ليسا من طبيعة الحلم، وأنتم في الواقع تعلمون أن هناك أحلاماً تعمل على تصريف رغبات مباحة، أو حاجات جسمية ملحة. وصحيح أنه لا يوجد تحريف في هذه الأحلام ولكن ذلك لأنها لا حاجة لها به فهي تستطيع أن تؤدي وظيفتها من غير أن تجرح الشعور الأخلاقي أو الثقافي للذات. تذكروا أيضا أن درجة التحريف تتناسب مع عاملين فهي من ناحية تزداد كلما كانت الرغبات التي تحت المراقبة اشد بشاعة ولكنها كذلك تزداد كلما كانت مطالبة الرقابة اشد صرامة. ولهذا فالرقابة الصارمة في الفتاة المحافظة التي تربت تربية قويمة قد تسبب تحريف أحلام نراها نحن رجال الطب، تصريفاً مباحاً لرغبات جنسية لا ضرر منها، وقد ترى الفتاة نفسها هذا الرأي عندما يتقدم بها العمر عشر سنوات أخرى.

وفضلا عن ذلك فنحن لم نتقدم بعد في طريق النجاح لدرجة تجعلنا نستشيط غضباً للنتيجة التي وصلنا إليها من عملية التفسير فاغلب الظن أننا لم نفهمها بعد كما يجب، ولكن يتحتم علينا قبل كل شيء أن نعمل على تحصين هذه النتيجة ضد الهجمات التي قد تتعرض لها، فإنه لا يصعب عليكم أن تدركوا النقط الضعيفة التي فيها. فنحن بنينا طريقتنا في التفسير على فروض فرضناها من مبدأ الأمر وهي: أن الأحلام ليست خالية من المعنى، وأن النظرية القائلة بأن العمليات قد تكون لا شعورية لبعض الوقت، كما هو الحال في التنويم المغناطيسي، يمكن تطبيقها أيضاً في حالة النوم الطبيعي، وأخيراً أن من الممكن تحديد كل الأفكار المترابطة. فلو أننا تمكنا بمساعدة هذه الفروض من الوصول إلى نتيجة معقولة لحق لنا أن نستنتج من ذلك أننا كنا على صوب في فرضها. ولكن ما هو العمل والنتيجة التي وصلنا إليها كما ترون؟ أظن أنه يبدو طبيعياً في هذه الحالة أن تقولوا: (هذه النتائج من التفاهة بمكان فهي مستحيلة الوقوع أو على أقل تقدير بعيدة الاحتمال، فلا بد إذاً من وجود خطأ ما في الفروض التي فرضناها؛ فإما أن الحلم ليس ظاهرة عقلية كما تخيلنا، أو أنه لا توجد أفكار لا شعورية لا ندركها في حالتنا الطبيعية، أو أن هناك عيباً ما في طريقة التفسير. أليس من الأفضل إذاً بل من الأسهل علينا أن نسلم بصحة هذا الافتراض بدلاً من الموافقة على هذه النتائج البشعة التي تمجها النفس والتي نعترف بأننا وصلنا إليها عن طريق الفروض التي فرضناها؟).

أجل يا سادة، إني أوافقكم على أنه أفضل وأسهل، ولكن ليس معنى ذلك أنه أصح. وعلى هذا فلننتظر قليلاً، فالمسألة لم تنضج بعد للحكم عليها، وتعالوا بنا كل شيء نقوي الاعتراضات التي تواجه طريقتنا في التفسير. فنحن لا نبالي كثيراً إذا كنتم لم تستسيغوا النتائج غير السارة التي وصلنا إليها، وإنما المشكلة التي تواجهنا حقاً هي أن كثيراً من الحالمين لا يقرون بالنزعات والرغبات التي ننسبها إليهم عندما نقوم بتفسير أحلامهم بل ينكرونها إنكاراً باتاً مبنياً على أساس متين. فقد يقول أحدهم: (ما هذا الذي تزعم! أتريد أن تبرهن لي على أن ما أنفقته على تعليم أخي وعلى بائنة أختي كان على غير رغبة مني؟ أيعقل هذا وأنا الذي قضيت عمري كله أجد وأعمل لأرعى اخوتي وأخواتي ولم يكن لي هم في الحياة إلا أن أقوم بواجبي نحوهم كأخيهم الأكبر حتى أفي بالعهد الذي أخذته على نفسي أمام والدتي وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة؟) وقد تقول امرأة؟: (ما هذا؟ أتريد أن تفرض عليَّ أني أرغب في موت زوجي؟ حقاً إن هذا كلام فارغ لا يصدق. فنحن لسنا سعداء في حياتنا الزوجية فحسب، ولو أنك قد لا تصدق هذا، ولكن بموته سأفقد كل شيء أمتلكه في هذه الحياة الدنيا.) أو قد يجيب شخص آخر بما يأتي: (أتريد أن تزعم أنني أضمر لأختي شعوراً بالرغبة الجنسية؟ ولكن هذا مضحك حقاً فهي لا شيء بالمرة بالنسبة إليّ، فنحن لم نكن على وفاق في يوم من الأيام، بل إنه قد مضت علينا سنوات لم نتبادل فيها كلمة واحدة).

على أنه مازال في إمكاننا أن لا نهتم كثيراً إذا لم يستطع هؤلاء الحالمون أن ينكروا أو يعترفوا بما ننسبه إليهم من نزعات ورغبات، فقد تستطيع أن نقول. إن هذه هي بالذات الأشياء اللاشعورية التي لا يعلمون عنها شيئاً. ولكنهم عندما يحسون في أعماق قلوبهم بعكس الرغبة التي ننسبها إليهم بناء على التفسير، وعندما يبرهنون لنا بسيرتهم وسلوكهم الدائم في الحياة أن الرغبة العكسية هي الغالبة عليهم فمن المؤكد أننا لن نحير جواباً. أ يكون الوقت قد حان إذاً لكي نطرح كل الجهود التي بذلناها في تفسير الأحلام كشيء أدى بنا نتيجة تافهة

(يتبع)

محمد جمال الدين حسن