مجلة الرسالة/العدد 716/تفسير الأحلام

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 716/تفسير الأحلام

مجلة الرسالة - العدد 716
تفسير الأحلام
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 03 - 1947


للعلامة سجموند فرويد

سلسلة محاضرات ألقاها في فينا

للأستاذ محمد جمال الدين حسن

بعض الفروض التمهيدية وطريقة التفسير:

كان العلماء إلى ما قبل ظهور علم التحليل النفسي يفسرون الحلم على أنه ظاهرة جسمية تنشأ عن اضطراب في المعدة أو ما شابه ذلك من مؤثرات عضوية. أما نحن فسنفرض أن الحلم ظاهرة عقلية لا جسمية. وقد لا يكون لهذا الفرض ما يبرره، ولكن ليس هناك ما يمنعه أيضاً، فالحلم إذا كان ظاهرة جسمية لا يهمنا في شئ ولكنه يكون ذا فائدة لنا إذا كان ظاهرة عقلية. وعلى هذا فسنسلم بصحة هذا الفرض وسنرى من النتائج التي سنصل إليها إن كنا على خطأ أم على صواب. والآن ما هو الغرض من هذا البحث وإلى أي غاية نوجه هذه الجهود؟ إن غرضنا هو الغرض من كل بحث علمي، أي الوصول إلى دراسة واضحة للظواهر الطبيعية وتكوين علاقة بينها وإخضاعها لسلطتنا على قدر الإمكان.

وعلى هذا فسنواصل بحثنا على فرض أن الأحلام ظاهرة عقلية، ومعنى هذا أنها خيالات رآها الحالم أو كلمات تفوهها أثناء النوم ولكنها لا تدلنا على شئ ولا نستطيع أن نفهم لها معنى.

لنفرض أني تفوهت أمامكم بكلام غير مفهوم فماذا أنتم صانعون؟ ألا تسألونني الإيضاح عما أريد؟ أظن هذا هو الحل المعقول. فلم إذاً لا نتبع نفس الطريقة فنسأل الحالم عن معنى حلمه؟

تذكرون أننا سبق أن وجدنا أنفسنا في مثل هذا الوضع عندما كنا نبحث في زلات اللسان، وقد بينت لكم أنه يجب علينا في هذه الحالة أن نسأل صاحب الزلة عما يقصده أو ما كان يفكر فيه حتى نستطيع أن نصل إلى الدوافع الخفية التي دفعته إلى ارتكاب هذه الزلة، كما بينت لكم أن التحليل النفسي مبني كله على هذه الطريقة، أي ترك الشخص الذي نحلله يجيب بنفسه على مشاكله. وعلى هذا فالحالم يجب عليه أن يفسر لنا حلمه بنفسه ولكن الأمر ليس هنا بالسهولة التي نظن، ففي حالات الزلات كانت هذا الطريقة تنجح في كثير من الأحيان، ولكن في أحيان أخرى كان الشخص المستجوب يرفض الإجابة عن شئ بل كان يرفض الجواب الذي نقترحه عليه من استنتاجاتنا في غيظ وحنق. أما في حالة الأحلام فليس هناك أمثلة من النوع الأول، فالحالم دائماً يقول إنه لا يعلم شيئاً عن حلمه، وهو لا يستطيع أن يرفض تفسيرنا لأنه ليس لدينا ما نقدمه له. فمادام لا يعلم شيئاً ونحن لا نعلم شيئاً ومن المؤكد أن شخصاً ثالثاً لا يعلم شيئاً كذلك، فلا مطمع لنا إذاً في الوصول إلى حل موفق. أعلينا عندئذ أن نقلع عن هذه المحاولة ونقر بعجزنا؟ إذا كان منكم من يرغب في ذلك فليفعل. أما إذا كنتم راغبين في مواصلة البحث ففي استطاعتكم أن تتبعوني فسأريكم أن الشخص الحالم في الواقع يعلم معنى حلمه ولكنه لا يدري أنه يعلم وعلى هذا يظن أنه لا يعلم.

أظن أنه من المحتمل أن تلفتوا نظري عند هذه النقطة إلى أنني قد عدت إلى تقديم فرض آخر ولما يمض على تقديمي الفرض الأول وقت طويل، وأنني بعملي هذا قد بعدت عن جادة الصواب ودقة البحث ولكني أوجه نظركم إلى أني لم أجئ هنا لأتظاهر أمامكم بالشعوذة فأقدم إليكم حقائق سهلة مستساغة بينما أخفي عنكم الصعوبات والشكوك حتى تطمئن نفوسكم إلى أنكم قد تعلمتم شيئاً جديداً. وعلى هذا أقول لكم إني فعلاً قد فرضت فرضين متداخلين فمن يجد منكم في هذا مشقة أو عدم دقة فما عليه إلا أن يتركنا في خير. ولكني أوجه نظركم إلى أن هذين الفرضين ليسا على درجة واحدة من الأهمية. فأحدهما وهو القائل بأن الأحلام ظاهرة عقلية هو الفرض الذي نأمل في إثباته عن طريق النتائج التي سنصل إليها. أما الفرض الآخر فقد سبق إثباته في مجال مختلف وأنا في الواقع لم أعمل أكثر من أن سمحت لنفسي باستعارته في بحثنا هذا. وهذا المجال المختلف الذي أقصده هو التنويم المغناطيسي فقد شاهدت برنهيم عام 1889 في نانسي وهو يقوم بتجاربه على رجل من المدينة نومه تنويماً مغناطيسياً، وعندما استيقظ الرجل بدا لأول وهلة أنه لا يدري شيئاً عما قام به أثناء النوم وقد ادعى أنه لا يستطيع أن يتذكر شيئاً، غير أن برنهيم ألح عليه في السؤال مؤكداً له أنه يعلم كل شئ وأنه لو أجهد نفسه قليلاً لاستطاع أن يتذكر كل ما حدث له. وما كان أشد دهشتنا عندما بدأ الرجل فعلاً يتذكر شيئاً فشيئاً بعض ما حدث له أثناء النوم، وكلما تذكر شيئاً اشتدت ذاكرته فتذكر أشياء أخرى حتى استطاع في النهاية أن يتذكر بالضبط كل ما قام به وهو نائم. ألا يصح لنا إذاً أن نستنتج من هذا أن هذه الذكريات كانت في عقله من مبدأ الأمر ولكنها كانت فقط صعبة المنال؛ فهو لم يكن يدري أنه يعلم بها ولكنه كان يعتقد أنه يجهلها. وهو في هذه الحالة يشبه الشخص الحالم تمام الشبه. والوقع أن هناك علاقة واضحة بين التنويم المغناطيسي والنوم الذي هو شرط أساسي للحلم. فالتنويم المغناطيسي يطلق عليه فعلاً النوم الصناعي، فنحن نقول للشخص الذي نريد أن ننومه مغناطيسياً: (نم!) وما نوعز به إليه وهو نائم يمكن مقارنته بالأحلام في حالة النوم الطبيعي. فالحالة العقلية واحدة في الاثنين، فكما أننا في النوم الطبيعي نقطع كل صلة تربطنا بالعالم الخارجي، فكذلك نفعل في حالة التنويم المغناطيسي فيما عدا الشخص الذي يقوم بتنويمنا والذي نبقى معلقين به.

أظن من الممكن الآن أن نعود إلى عملنا ونحن أكثر ثقة من ذي قبل. رأينا إذاً أن من المحتمل جداً أن الحالم يعلم شيئاً عن حلمه، ولكن المسألة هي كيف يمكننا أن نسهل له الوقوف على هذه المعلومات وإعطائها إيانا؟ الطريقة التي سنتبعها هي أن نسأل الحالم عن معنى حلمه وكيف حلم هذا الحلم، والكلمات التي يجيب بها يجب أن تؤخذ على أنها الإيضاح المطلوب بغض النظر عن كونه يظن أنه يعلم أو لا يعلم شيئاً عن الحلم.

أظن هذه الطريقة بسيطة جداً، ولكني مع هذا أخشى أن تثير فيكم معارضة شديدة فتصيحون: (فرض ثالث! وهو أبعد احتمالاً من سابقيه! أتعني أننا إذا سألنا الحالم عن الأفكار التي تتوارد على خاطرنا فأجابنا على الفور فما علينا إلا أن نأخذ إجابته هذه على أنها الإيضاح المطلوب؟ ولكن من المؤكد أنه قد لا يجد ما يجيب به على الإطلاق أو قد تتوارد على خاطره أفكار يعلم بها الله. إنا لا نستطيع أن نتخيل على أي أساس بنيت هذا الأمل، فهو في الحقيقة يتطلب اعتماداً أكثر من اللازم على العناية الإلهية في الوقت الذي نحن فيه أحوج ما نكون إلى نفاذ البصيرة والمقدرة على النقد. وفضلاً عن ذلك فالحلم لا يتكون من عنصر واحد كزلة اللسان، ولكنه يتكون من عناصر كثيرة؛ فإذا كان الأمر كذلك، فعلى أيها يمكننا الاعتماد؟).

أظن أنكم على حق في جميع النقط الغير أساسية. فالحلم حقاً يختلف عن زلة اللسان من ناحية تركيبه من عناصر كثيرة كما إنه يختلف عنها من نواح أخرى كذلك، وهذه الاختلافات كلها يجب أن تراعى عند التحليل. ولذا فأني أقترح عليكم أن نقسم الحلم إلى عناصره المختلفة وأن نختبر كل عنصر على حدة، وبذا نكون قد أعدنا التشابه الذي بينه وبين زلة اللسان. وأنتم كذلك على حق عندما تقولون إن الحالم عندما يستجوب عن عنصر من عناصر حلمه قد يجيب بأنه لا يجد لديه أفكاراً تتعلق به، وهناك حالات نكتفي فيها بهذا الرد قد أدلكم عليها فيما بعد. أما في أغلب الأحيان فيجب علينا أن نناقضه وأن نلح عليه في الجواب مؤكدين له أن لابد من وجود فكرة ما لديه وسنرى أننا كنا على صواب، فسيبدأ بقوله: (إن هذا يذكرني بشيء حدث لي منذ وقت قريب!) أو (إن هذا حدث لي بالأمس!) وسنرى من هذا أن الأحلام ترتبط ارتباطاً وثيقاً بآثار اليوم السابق. وأخيراً قد يستطيع الحالم إذا اتخذ الحلم نقطة ابتداء أن يصل إلى تذكر حوادث من الماضي البعيد.

أما من حيث النتيجة العامة فأنتم على خطأ. فإذا كنتم تحسبون أن اعتبار الأفكار الأولى التي ترد على خاطر الحالم كجواب عما نسأل عنه مسألة اختيارية بحتة، وإذا كنتم تحسبون أن هذه الأفكار قد تكون هوائية لا علاقة لها بما نحن في صدد البحث عنه، وأنها لا تدل إلا على ثقتي العمياء في العناية الإلهية إذا توقعت شيئاً آخر. . . إذا كنتم تحسبون هذا فأنتم على خطأ مبين. وهذا الخطأ راجع إلى الاعتقاد الراسخ فيكم بأن القوى النفسية حرة غير مقيدة في اختيارها وهذا اعتقاد غير علمي، لذا يجب علي أن أطلب منكم أن تنظروا بعين الاحترام إلى هذه الحقيقة الواقعة: وهي أن فكرة واحدة فقط ولا شئ غيرها هي التي تخطر على بال الحالم عندما يستجوب عن حلمه.

ولما كانت هذه النقطة على درجة كبيرة من الأهمية، لذا أسألكم أن تلتفتوا إليها التفاتاً خاصاً. فعندما أسأل شخصاً عما يخطر على باله بالنسبة لعنصر ما من عناصر حلمه فإن ما أطلبه منه هو أن يستسلم لعملية الترابط المطلق وهذه العملية تحتاج إلى حالة من الانتباه تختلف اختلافاً بيناً عن حالة التروي بل هي في الواقع تعوقها. وبعض الناس يتهيأ لهذه الحالة في سهولة ويسر، والبعض الآخر يلاقي في ذلك عناء كبيراً وعدم استعداد غير معقول. وقد يحسب المرء أن عملية الترابط المطلق التي تنشأ عندما نطلب من شخص ما أن يفكر في اسم خاص أو عدد ما تكون أكثر حرية ويكون لدى الشخصين فرصة أكبر للاختيار؛ ولكن الواقع أنه يمكن أن نثبت أنه في كل حالة توجد عوامل عقلية خفية هي التي تحدد نوعي الترابط، وهذه العوامل تكون مجهولة لدينا في اللحظة التي تبدأ فيها عملها، ولتوضيح ذلك أضرب لكم المثل الآتي:

حدث في يوم من الأيام بينما كنت أعالج شاباً أن ذكرت له شيئاً عن هذا الموضوع وأكدت له أنه على الرغم من الحرية الظاهرة في الاختيار في مثل هذه الحالات فإننا في الحقيقة لا نستطيع أن نفكر في أي اسم لا يمكن أن نثبت أن الظروف المحيطة بالشخص الذي نقوم معه بالتجربة، وسجيته والحالة التي كان عليها هي التي تحدد هذا الاسم. ولما كان بطبعه ميالاً إلى الشك فقد عرضت عليه أن يقوم بالتجربة في التو واللحظة. وقد سهلت له الأمر بأن طلبت منه أن يفكر في اسم امرأة من صاحباته لما كنت اعلم عن علاقاته المتعددة بكثير من الفتيات والنساء. ولكنه لدهشتي، أو لدهشته على الأصح، لم يغمرني على الفور بسيل من الأسماء، وإنما ظل ساكناً مدة ثم اعترف بان الاسم الوحيد الذي خطر على باله في هذه المدة هو ألبين ولكن الأغرب من ذلك هو أني عندما سألته ما علاقتك بهذا الاسم وكم من النساء تعرفت به؟ أخبرني أنه لا يعرف أحداً بهذا الاسم وأن لا أفكار لديه يربطها به. وقد يظن المرء أن التجربة قد فشلت، ولكن لا، فقد تم التحليل ولسنا في حاجة إلى أفكار أخرى. فالشاب نفسه كان أشقر بشكل غريب، فكانت في حديثي معه أثناء التحليل أداعبه بقولي له (وهي اسم الرجل الأبيض الوجه والشعر) وعلاوةً على ذلك فقد كنا في هذا الوقت منهمكين في تحليل العنصر النسوي في طبيعته. وعلى هذا فقد كان هو نفسه هذه (المرأة) التي شغلته في هذا الوقت أكثر من أي امرأة أخرى.

وكذلك الحال في الألحان التي يترنم بها الإنسان في أوقات فراغه فقد يستطيع إذا حللناها أن نصل إلى مصدرها ومعرفة الأفكار التي كانت تشغل عقلنا في هذا الوقت من غير أن نحس بها فإذا كانت الأفكار الحرة التوارد مقيدة هذا التقييد فإننا نكون على حق إذاً عندما نستنتج أن الأفكار التي تتوارد نتيجة لفكرة محركة واحدة تكون كذلك مقيدة غير مطلقة. وقد أثبتت التجارب كحقيقة واقعة إنها لا تكون متعلقة بالفكرة، المحركة فحسب، بل إنها كذلك تعتمد على ألوان من التفكير وضروب من المؤثرات القوية (أو العقد كما نسميها) لا نعلم عنها شيئاً في ذلك الوقت، أو بعبارة أخرى تعتمد على نشاط لا شعوري.

وقد أتخذ الترابط الذي من هذا النوع أساساً لتجارب عديدة أفادتنا كثيراً ولعبت دوراً ملحوظاً في تاريخ الحركة التحليل النفسي. فمدرسة وندت هي التي ابتكرت طريقة (تجربة الترابط) وفيها يطلب من الشخص الذي تجري عليه التجارب أن يجيب على كلمة - محركة - بأسرع ما يمكنه من كلمات رد الفعل - وتلاحظ النقط الآنية أثناء التجربة: وهي الفترة التي تمضي بين النطق بالكلمة - المحركة وكلمات رد الفعل، وطبيعة هذه الكلمات والأخطاء التي ترتكب عند إعادة التجربة إذا أمكن. أما مدرسة زيوريخ تحت رئاسة بلولير وجنج فقد توصلت إلى تفسير رد الفعل في تجربة الترابط بأن ثالث الشخص الذي تجري عليه التجربة أن يلقى قليلاً من الضوء على الأفكار التي تبدو ذات أهمية وذلك بوساطة سلسلة أخرى من الأفكار المترابطة. وقد اتضح من هذه الطريقة أن هذه الردود الغير مألوفة لها اتصال وثيق بالعقد التي في نفس الشخص. وقد كان هذا الاكتشاف هو الخيط الأول الذي ربط بين علم النفس التجريبي وبين التحليل النفساني أظن أنكم من سماع هذا الشرح ستقولون: (إننا نسلم معك إن هذه الأفكار المترابطة خاضعة لقيد معينة وليست محض اختياركما كنا نظن من قبل، كما إننا نعترف بهذا أيضاً في حالة الأحلام ولكن ليس هذا ما يعنينا. إنك تقرر أن كل ترابط بعنصر من الحلم له دافع عقلي خفي لا نعلم عنه شيئاً ولكنا لا نستطيع أن نرى أي برهان على ذلك، حقيقة إننا نتوقع أن تكون الأفكار التي تترابط بعنصر من الحلم ذات صلة وثيقة بالعقد التي في نفس الحالم ولكن ما هي الفائدة؟ إن هذا لن يساعدنا البتة في تفهم معنى الحلم ولكنه يوصلنا فقد إلى بعض المعرفة عن هذه الأشياء المسماة بالعقد، كما في حالة تجربة الترابط، ولكن أي علاقة بين هذه العقد وبين الأحلام؟).

إنكم على حق ولكنكم تغفلون نقطة هامة وهي نفس النقطة التي منعتني من اتخاذ (تجربة الترابط) نقطة ابتداء لهذا البحث. فنحن في حالة التجربة أحرار في اختيار الكلمة - المحركة، وهي الشيء الوحيد الذي يتوقف عليه رد الفعل، أما كلمات رد الفعل نفسها فتعمل كوسيط بين الكلمة المحركة والعقدة التي في نفس الشخص الذي تجري عليه التجربة. أما في حالة الحلم فالكلمة المحركة تستبدل بشيء مشتق من حالة الحالم العقلية، وهذا الشيء ينبع من مناطق مجهولة لديه، وعلى هذا فمن المحتمل جداً أن يكون هو نفسه (إحدى مشتقات العقدة) فليس من الوهم إذاً أن ندعى أن الأفكار التي تترابط مع عناصر الحلم لم تحددها عقدة أخرى غير العقدة التي كونت هذا العنصر الخاص من الحلم وإنها في نهاية الأمر ستوصلنا إلى اكتشاف هذه العقدة.

دعوني أضرب لكم مثلاً آخر تتبينون منه أن الحقائق كثيراً ما تحقق صدق نظريتنا. وهذا المثل هو نسيان الأسماء المعزوفة لدينا ومحاولة تذكرها، فالذي يحدث في هذه الحالة يشبه تمام الشبه ما يحدث في حالة تحليل الأحلام. فلنفرض مثلاً إني نسيت اسماً ما ولكني أشعر في قرارة نفسي أني واثق من معرفته فماذا أفعل؟ لا شك إني سأحاول أن أبذل كل جهد مستطاع في محاولة تذكره، ولكن التجارب علمتني أن كثرة التفكير لا تجدي وأن في استطاعتي دائماً أن أفكر في اسم آخر أو أسماء عديدة أخرى غير الاسم الذي نسيته فإذا حدث أن خطر على بالي أحد هذه الأسماء طوعاً من تلقاء ذاته فهنا فقط يكون الشبه واضحاً بين هذه الحالة وحالة تحليل الأحلام. فعنصر الحلم كذلك ليس هو ما أبحث عنه وإنما هو عوض عن شيء آخر، وهذا الشيء الآخر هو ما لا أعرفه وما أسعى إلى اكتشاف عن طريق تحليل الحلم. ماذا أفعل إذاً لأتذكر الاسم الذي نسيته؟ إن ما يحدث هو أني أوجه التفاتي إلى هذا الاسم الذي خطر على بالي عوضاً عن الاسم المنسي ثم أحاول أن أدع أسماء أخرى تتوارد على خاطري في ترابط مطلق، وبهذه الطريقة أستطيع أن أصل في النهاية إلى الاسم الذي نسيته. ومن المشاهد في مثل هذه الحالات إني عندما أتذكر هذا الاسم ألاحظ دائماً إن هناك علاقة بينه وبين الأسماء التي تركتها تخطر على بالي عوضاً عنه. فقد حدث لي مثلاً أن حاولت في يوم ما أن أتذكر اسم القطر الصغير الذي يقع على ضفاف الريفييرا والذي عاصمته (مونتكارلو) ولكني لم أستطع على الرغم من تأكدي من معرفته. فأخذت أفكر في كل من أعرف في هذا القطر وما كان لي فيه من علاقات ولكن بلا جدوى. وأخيراً كففت عن التفكير وتركت أسماء أخرى تتوارد على خاطري طواعية واختياراً. وقد توالت هذه الأسماء بسرعة وهي مونتكارلو نفسها ثم بيدمون، ومونتفيدو، ومونتنجرو، وكوليكو. وقد لاحظت أن ثلاثة من هذه الأسماء البديلة تحتوي على نفس المقطع (مون) وفي الحال تذكرت الاسم الذي أبحث عنه وهو (موناكو) ومن هذا ترون أن هذه الأسماء البديلة قد نشأت فعلاً عن الاسم المنسي، فالثلاثة الأسماء الأولى تحتوي على المقطع الأول (مون) والاسم الرابع يحتوي على المقطع الأخير (كو) أما السبب في هذا النسيان المؤقت فهو أن (موناكو) هي الاسم لإيطالي (لمونيخ) وقد كانت لي ذكريات في هذه المدينة هي التي وقفت حائلاً بيني وبين تذكر الاسم الذي أريد.

وعلى هذا فما هو ممكن في حالة نسيان الأسماء لابد أن يكون ممكناً كذلك في حالة تفسير الأحلام فإذا ابتدأنا من العناصر البديلة فإنه لا بد أن نصل في النهاية إلى غرضنا الحقيقي عن طريق سلسلة من الأفكار المترابطة، كما إنه في استطاعتنا (كما هو الحال في نسيان الأسماء) أن نفرض أن هذه الأفكار التي نشأت عن عنصر الحلم لم يحددها هذا العنصر فحسب بل حددتها أيضاً الدوافع اللاشعورية التي أنتجت الحلم. فإن أمكن هذا فإننا نكون بذلك قد قطعنا شوطاً بعيداً في تبرير طريقتنا في التفسير.

المترجم

(يتبع)

محمد جمال الدين حسن