مجلة الرسالة/العدد 715/الأزهر بين الجامع والجامعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 715/الأزهر بين الجامع والجامعة

مجلة الرسالة - العدد 715
الأزهر بين الجامع والجامعة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 17 - 03 - 1947


للأديب صبحي إبراهيم الصالح

أقبل منذ نعومة أظفاره على الدين مولعاً بدراسته شغوفاً بأسراره شديد الرغبة في بثه وإحيائه؛ حتى إذا نال الشهادة الثانوية في موطنه لبنان قدم القاهرة فانتسب إلى إحدى كليات الأزهر وإن في صدره لآمالاً كباراً، وأحلاماً عذاباً.

لم تكن آماله لنفسه فقد وهب للدين نفسه، ولا أحلامه في شخصه؛ وإنما كان كل رجائه ماثلاً في الأزهر الشريف يرقب وثبته الداعية إلى الإصلاح، وتطوره الباعث على التحرر.

أسرف في حسن ظنه بالأزهر: فما لبثت الأحداث أن صعدت الباب، لتظهره على المستور من وراء حجاب!

واقتصد في حسن ظنه وأصبح ضنيناً في مدحه حين رأى الأزهر على حقيقته. . . فاحترق من الألم فؤاده، وتقطع من الألم قلبه، وفاض من التحسر دمعه.

أخذ يستعرض في مخيلته صوراً للأزهر قد خلت فوجده - منذ بنائه إلى عهد قريب - غير مقصور على العبادة في خشية وخشوع، ولا على الصلاة في تذلل وخضوع، وغير مقصور على علوم الشريعة في تمحيص وتدقيق، ولا على آداب اللغة في تبويب وتنسيق. وإنما كان نسيجاً من ذاك وهذه، وكان النسيج من قوة الحبك ووثوق العرى بحيث استعصى على الحوادث حله مدى عشرة قرون حمل فيها الأزهر مشعل الحضارة بيده، وبدا للعالم كله مثالاً حياً للجامعة المقدسة الوقورة، ونفر إليه الوافدون يتلقون في حلقاته علوماً يزينها الإيمان، ومعارف يجملها الإخلاص، وآداباً يصقلها الخلق المتين.

لقد كان الشرق عزيزاً بالإسلام، يوم كان الغرب منزوياً في الظلام. . . ثم سكر الشرق سكرة أضاعت رشاده، فوثب الغرب وثبة بعثت جهاده!

وغلب الشرق على أمره فقلد الغرب في حضارته، وتأثر به في مدنيته، وانتقل بين عشية وضحاها من عهد مؤمن بالدين القويم، مخلص لرسالته السامية، خاضع لتشريعه الحكيم، مذعن لأحكامه العادلة، إلى عهد متفان في المادة الطاغية، غارق في بحرها المتلاطم مسحور بمتاعها الكاذب، مأخوذ بجمالها الخلاب.

ولا ريب أن مهابة رجال الدين تتفاوت قوة وضعفاً تبعاً لمكانة الدين في المجتمع، وإن مكانة الدين في المجتمع تعلو وتهبط تبعاً لنشاط القوامين عليه، الداعين إليه، فلا عجب إذا أتى على علماء الأزهر حين من الدهر كانوا فيه (ملوكاً لا أمر فوق أمرهم، ولا كلمة بعد كلمتهم) في عصر كان فيه صوت الدين مسموعاً، وحكمه نافذاً، وأنصاره كثيرين. ولا غرو إذا نزعت الحياة مهابتهم هذه في عصر خفت فيه صوت الدين. وعطلت أحكامه، وقل دعاته. ولا بدع إذا سارع الأزهر - بدافع من حب البقاء، وحافز من صيانة الحياة - إلى مسايرة العصر الحديث الذي يعيش فيه فانتقل من حلقات الجامع إلى فصول الجامعة، ومن حصير الرواق إلى مقاعد الدراسة، ومن سراج الزيت إلى نور الكهرباء، محاولاً أن يتبوأ مركزاً في الحياة. . .

في مراحل هذا الانتقال أصبح عسيراً على الأزهر تعيين وجهته، ورسم خطته: فقد تعددت أمامه السبل، وتفرعت تحت بصره المسالك، وتشعبت بين يديه الدروب، ولبث في حيرة تنازعه فيها القديم والحديث، فقيض الله رجالاً أشربوا في قلوبهم الإصلاح بإيمانهم، فخافوا على الأزهر أن يسحقه الجديد إذا بقي على القديم، ولم يأمنوا أن يقطع صلته بماضيه إذا سارع إلى الجديد، فتحفظوا وكانوا أمة وسطاً، وأعلنوا للملأ شعارهم الخالد: (نحن لا نهجر القديم لأنه قديم، ولا نعشق الجديد لأنه جديد)!

وكانوا حكماء بهذا التحفظ، كما كانوا حكماء حين لم ينتظروا أن يتم الإصلاح في حياتهم، فبدءوا سلسلة الجهاد ثم تركوها في أيدي أنصارهم وأعوانهم الذين حرسوا في بيئة الأزهر وفي البيئات الموالية له شريعة تهاون بها المجتمع ولم يرعها حق الرعاية.

ومع أن التحفظ خطة حكيمة فقد نجم عنه كبت للشعور، وفي الكبت حرمان اللذائذ، وفي الحرمان إثارة إلى مستعذب الرغائب، وفي الإثارة تحد وإغراء، فكان طبيعياً أن يضيق الأزهري بقيوده في عصر الحرية والانطلاق، فينسى معاني الرضا القناعة المتمثلة في حصير الرواق وسراج الزيت وصومعة النسك، ويمسي حالماً بالوظائف والعلاوات، والمناصب والدرجات.

لكن هذا كله لم يذهب بحسنات التحفظ في نظر المنصفين الذين يعلمون أن الإصلاح التدريجي البطيء خير وأحسن من الانتقال الفجائي السريع، لأن في البطىء اتزاناً ونظاماً، وفي السرعة اضطراباً وفوضى.

والحق أن في الأزهر اليوم نهضة إصلاحية كبرى يعترضها كثير من العقبات. والحق أن في الأزهر ومعاهده شباباً غير قلائل يلتهبون غيرة على الدين، ولكنهم يفقدون القيادة الحكيمة والتوجيه الرشيد. ولو دللت العقاب، ووجه الشباب، لخطا الأزهر أشواطاً إلى الكمال. ولكن. . . أين الأسود لتعلم الأشبال؟

أوضح الأستاذ الطنطاوي ما كان يتلجلج في الصدر حين وجه على صفحات الرسالة كلمة إلى الأزهريين (بمناسبة حادث الشيخ أبي العيون).

كانت الكلمة وكتوبة بشعور فياض، وعاطفة جياشة، فلم أتمالك نفسي وأنا أتلوها من التأثر والبكاء. ورحت أتلوها على إخواني الأزهريين من المصريين وغير المصريين، فلم أجد إلا عيوناً تفيض، وقلوباً تلين. وليس بالجديد أن يكتب الأديب بمداد قلبه، فكثيراً ما يغلب على الأدباء إرهاف الحس، فيقارن أحدهم بوحي من عاطفته ما يسأم العقل من مقارنته، أو يمل من تحليله وتعليله.

هذه المقارنة الشعورية التي تجلت في المقال لم يكن فيها مقنع للأستاذ الكبير العقاد الذي رد عليها تحت عنوان (جامع وجامعة) وإني إذ أوافق الأستاذ علي أن الشرق في أشد الحاجة إلى تحويل أفكاره من مقارنات الشعور إلى مقارنات العقول، أرى أن موضوع الأزهر خاصة وبعض الموضوعات الأخرى ما برحت في حاجة إلى المقارنة الشعورية بين وقت وآخر، على شرط ألا يخالف الشعور العقل في حكمه، وإن خالفه في أسلوبه ونظمه.

إن هذه الحياة - كما هي بحاجة إلى العقل في حكمه الراجح الموزون - لا نستطيع أن نتجاهل أنها في بعض الأحيان بحاجة كذلك إلى الشعور في تصوير الحكم العقلي الجاف بصورة عاطفية مثيرة؛ وإلا فلن يكون للخطباء تأثير، ولا للشعراء تقدير، ولا للأدباء إجلال.

وإني لأعجب للأستاذ الفاضل - وهو الأديب الذي تفخر العروبة بآثاره - كيف استنبط من مقال الطنطاوي أن علة العلل في الأزهر هجرانه حصير الرواق وسراج الزيت وصومعة النسك، وأن البركة كل البركة مرهونة بالعودة إلى هذه الأشياء. وإني لأكثر عجباً بموازنة الأستاذ بين صلة الترام بقلة البركة في المبيعات والمشتريات وبين صلة سراج الزيت بما كان عليه الأزهر وما صار إليه.

ليسمح لي الأستاذ الذي كثيراً ما تعلمت من مقالاته حرية البحث أن أكون حراً في نقدي إذا رضي أن يسميه نقداً وفي حكمي على موازنته بأنها قياس مع الفارق، ليس في رأيي فقط، بل في رأي إخواني الأزهريين الذين تلوت الرد عليهم فلم يجدوا فيها مقنعاً. والأزهريون - كما جاء في مقال الأستاذ - أفنوا حياتهم في دراسة المنطق، والتمكن من أسسه، والتدرب على صحة أقيسته التي تعصم الأذهان من خطأ التعليل، فلهم إذاً حق المناقشة والانتقاد.

وإني مستعد بلا ريب لتحمل مسئولية كلامي حين حكمت على تلك الموازنة بأنها قياس مع الفارق لأن الذي جعل للترام علاقة بقلة البركة رجل من عامة الناس باعتراف الأستاذ؛ أما الذي جعل لسراج الزيت علاقة بماضي الأزهر وحاضره فأديب كبير يعرف فضله الأستاذ.

ولست أزعم أن الأديب معصوم، فما أكثر ما يخطئ الأدباء! لكني لا أرى من الإنصاف للأستاذ الطنطاوي أن نحسبه يصور ما بنفسه تصوير العوام، أو يجري في وصف شعوره على ما يجري عليه الجهال، كأنه يعجز عن الموازنة بعقله، أو يرتبك في المقارنة بمنطقه.

ليس حنين الطنطاوي إلى حصير الرواق ليعود الأزهري إلى النوم عليه ولكن لأن فيه معنى القناعة. .

وليس تشوقه إلى سراج الزيت ليعود الأزهري إلى القراءة عليه ولكن لأن فيه معنى السهر في المطالعة والتحصيل. . .

وليس شغفه بذكرى صومعة النسك ليعود الأزهري إلى الانقطاع بين جدرانها، ولكن لأن فيها معنى التعفف والتقوى والصلاح. . .

وليست الأمثلة التي سردها عن العلماء الأعلام ليرغب الأزهريين في تقليل نصيبهم من المشاركة في الحياة العملية، ولكن لأن فيها إشادة بالمثل العليا التي كانت أخلاق الأسلاف. . .

وليست كلمته في ختام مقاله (يا إخواننا لم نجد والله خيراً في الجامعة الأزهرية فردوا علينا الجامع الأزهر) لينتقل بالأزهريين من جديد إلى الدراسة في حلقات الجامع، ولكن لأن فيها مطالبة بإفاضة التقوى التي كانت روح الجامع الأزهر. فينبغي أن تكون روح الجامعة الأزهرية!!!

هذه الروح الطيبة التي فهمتها وفهمها إخواني من غضون الكلمة، ومن أجل ذلك بكيت وبكوا.

ولو استردت الجامعة الأزهرية هذه الروح لأدت رسالتها الأولى في بيان حكمة التشريع الإسلامي ونشر السلام في ربوع العالم تحت إشرافه، ثم لأدّت رسالتها الثانية التي لا تقل عن الأولى خطراً في استخراج حقائق (العلم الذي يعمل به المسلمون وغير المسلمين، وفي تدارك عيب العصر الحاضر. وهو العيب الجسام الذي يتمثل في العزل بين عالم العقل وعالم الروح. فيتعلم فيه الرجل وهو مؤمن ويؤمن فيه وهو عالم، ويحسن قيادة المتدينين المتعلمين).

تغمد الله الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرزاق بسحائب رحمته، فقد كنت مثلك كبير الرجاء - يا سيدي العقاد - في إنجاز هذه المهمة على يديه!

قابلته رحمه الله أول ربيع الأول مع وفد من زملائي المصريين في كلية أصول الدين، وألقيت بين يديه كلمة جرى بها قلبي قبل لساني، رجوته فيها بتعديل الدراسة في الأزهر على أحدث المناهج العصرية، ليتمكن خريجه من أداء وظيفتيه في ثقافة العقل وثقافة الروح. ولست أنسى مدى حياتي تلك الدمعة الطاهرة التي اغرورقت بها عيناه وهو يقول بحضور فضيلتي وكيل الأزهر ومديره: (يا أبنائي هذه هي النهضة التي طالما تمنيت أن يسعى إليها أبناء الأزهر، وإني لأرجو أن تهيئوا الجو الصالح لأواصل عملي في اتزان وسكينة).

ولقد وفى رحمه الله بوعده فبقي يواصل العمل حتى توفاه الله إليه. وعسى أن يكون خلفه محققاً لرغبات الأزهر في الإصلاح. وبعد، فإن الطالب الأزهري اللبناني لم يكتب هذا المقال إلا ليصور آلامه وآماله، وإنه ليغتنم هذه الفرصة السانحة فيناشد الأستاذين الكبيرين العقاد والطنطاوي ليواصلا الحديث عن الأزهر، وأن يقوما بقسطهما في توجيه شبابه، حتى يعود الأزهر جامعاً لله فيه قداسة الجوامع وهيبتها ووقارها وجامعة للناس فيها علوم الجامعات وفنونها وآدابها، وفيها - فوق ذلك - روح تخرج الناس من الظلمات إلى النور.

صبحي إبراهيم الصالح

كلية أصول الدين