مجلة الرسالة/العدد 691/البريد الأدبي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 691/البريد الأدبي

مجلة الرسالة - العدد 691
البريد الأدبي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 09 - 1946


لا غير:

إلى الأستاذ الشيخ عبد الرحمن القلهود في طرابلس الغرب. إذا لحن إمامان (لاغير) - ودع علة التلحين - فقد غنى به وأجازه أئمة سميت طائفة منهم في تلك (الجريدة) الطويلة وسردت مقالاتهم.

وإذا لم أجد نصا عربيا قديما تطمئن النفس إليه كل الاطمئنان فقد اطلع أولئك الإثبات الثقاة على ما لم اطلع عليه أو رأوا - وكل واحد منهم أكبر من (مجمع لغوي) رجاله أربعون أو مائة - رأوا أن يقولوا فقالوا. وفي هذا اللسان القوي الجريء المتقدم السائر مع الزمان ألوف من الكلمات والتراكيب المولدة. وأبناء العرب عرب وان غير الدهر والبيئة سحنتهم. . . وتلحين الإمامين (السيرافي وابن هشام) أورده صاحب التاج ثم قال:

(. . . فلا يكون - يعني لا غير - لحنا، وهو الصواب الذي نقلوه في كتب العربية وحققوه).

وبعد فها هو ذا الأمام ابن الحريري الذي اعتاد - سامحه الله - تخطئة الصحيح يقول في (الدرة) ص 15: (ويقولون اجتمع فلان مع فلان فيوهمون فيه، والصواب أن يقال اجتمع فلان وفلان، لان لفظة اجتمع على وزن افتعل، وهذا النوع من وجوه افتعل مثل اختصم واقتتل، وما كان أيضاً على وزن تفاعل مثل تخاصم وتجادل يقتضي وقوع الفعل من أكثر من واحد، فمتى اسند الفعل منه إلى أحد الفاعلين لزم إن يعطف عليه الأخر بالواو لا غير).

وروي الإمام الرازي في (مفاتيح الغيب) ج4ص424 عند تفسير القول الكريم (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا اله إلا هو، سبحانه عما يشركون) هذه الفائدة:

(قال أبو عبيده: الأحبار الفقهاء، واختلفوا في واحدة فبعضهم يقول حبر، وقال الأصمعي: لا ادري اهو الحبر أو الحبر، وكان أبو الهيثم يقول واحد الأحبار حبر بالفتح لا غير، وينكر الكسر، وكان الليث وابن السكيت يقولان: حبر وحبر للعالم ذميا كان أو مسلما بعد أن يكون من أهل الكتاب).

وفي آمالي الأمام القالي ج3ص142:

(إبراهيم بن عثمان العذري وكان ينزل الكوفة قال: رأيت عمر بن ميسرة وكان كهيئة الخيال، كأنه صبغ بالورس، لا يكاد يكلم أحدا ولا يجالسه، وكانوا يرون انه عاشق، فكانوا يسألونه عن علته فيقول:

يسائلني ذو اللب عن طول علتي ... وما أنا بالمبدي لذي اللب علتي

سأكتمها صبرا على حر جمرها ... واسترها إذ كان في الستر راحتي

صبرت على دائي احتسابا ورغبة ... ولم اك أحدوثات أهلي وخلتي

فما اظهر أمره، ولا علم أحد بقصته حتى حضره الموت، فقال: إن العلة التي كانت بي من اجل فلانة ابنة عمي، والله ما حجبني عنها، والزمني الضر إلا خوف الله (عز وجل) لا غير، فمن بلى في هذه الدنيا بشيء فلا يكن أحد أوثق بسره من نفسه، ولولا إن الموت نازل بي الساعة ما حدثتكم، فأقرئوها مني السلام، ومات من ساعته.

واختتم هذه الأسطر بالثناء على أدب الأستاذ القلهود وشكره على حسن ظنه بهذا الضعيف وسؤال حضرته للاستفادة من فضلها عن هذه الفاء في جواب الشرط في هذه الجملة: (وأنها إن اقتنعت أمثالي من المقلدين فلم تقنع أمثال السيرافي وابن هشام من زعماء النحو المجتهدين) وعن معنى هذه الجملة: (فيا حبذا لو أن الأستاذ أعاد الكرة واستظهر دواوين العرب ورسائلهم فربما يعثر فيها على شواهد أخرى) وعن ورود مثل هذا التركيب (فيا حبذا لو أن الأمر كذا وكذا) في كلام قديم أو مولد متقدم أو متأخر.

قد ذكرتني (حبذا) بقول الشاعر:

يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا

محمد إسعاف النشاشبي

إلى الأستاذ علي الطنطاوي:

أشكر لك أيها الكاتب الألمعي ما وجهته آلي من لطيق كلماتك، واراني مضطرا إلى أن ارجع إلى أسلوب الأستاذ الخولي - وان كان المقال الثالث عند صاحب الرسالة وأظنه ينشر في هذا العدد - أعود إلى أسلوبه لتعلم أنت وليعلم قراء (الرسالة) إني ما تجنيت، وما كان لي أن أتجنى، بل حرصت الحرص كله على توخي الأمانة والدقة فلم أزد حرفا على كلماته، وإنما نقلتها بنصها وفصها كما يقولون.

وإذا كنت تستبعد أن يتوهم الأستاذ إن الله سبحانه وتعالى قال لمحمد ﷺ (يا أخي) فاعلم إن الله - في لسان الشيخ - قال لعيسى عليه السلام (يا سيدي) واليك نص عباراته (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم) هذه الآية وما قبلها وما بعدها تدور على شكل حوار خيالي بين عيسى وبين الله سبحانه وتعالى. المقصود بهذا الكلام من يعتقدون بألوهية المسيح وكان المسالة هكذا: انتم تعتقدون إن المسيح اله وتعبدونه فمن أمركم بذلك؟ هذا هو عيسى. أأنت قلت للناس انك إله؟! أبدا لم اقل لهم ذلك. طيب قولهم يا سيدي إياك ينكسفوا).

ولعل أهون من ذلك شرحه لكلام سيدنا أبي بكر بعد وفاة رسول الله، وما كان من قراءته آية (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) قال الأستاذ (وكان أبو بكر يريد أن يقول: يا سي عمر الدنيا بخير، والأمانة لا تزال في أعناق الموجودين ومحمد يموت زيه زي غيره).

ولعل مما يؤسف ويمض ألا يخلو فصل من هذه المذكرات من عبارة أو عبارات عامية ركيكة كأن من الحتم لإفهام طلاب الجامعة اللجوء إلى اللغة العامية، وأني لأعرف أن إدارة الأزهر حظرت على المدرسين إلقاء الدروس باللغة العامية، ومازال التفتيش في الأزهر بعد هذا من اقبح عيوب المدرس.

على أني - يا صاحب القلم الفاضل - أطلعتك واطلعت قراء (الرسالة) على عامية مبكية لأنها تتصل بكتاب الله واحب أن أطلعك على عامية مضحكة، يقول الأستاذ ممهدا للكلام في الفصل والوصل: (تقول للخادم مثلا خد تعريفه، وهات بنكلة شقة عيش وبمليم كرات وبمليم سلطة قوطة وبمليم طعمية بل أكثر من هذا تعد له على أصابعك ليفهم هذه الأشياء، وان كنت حدء (يريد حدق يعني متنبهيها) تقول هات العيش الأول لأنه حايقابل بتاع العيش أول ما يخرج وبعدين تحود على شمالك تلاقي بتاع الطعمية هات منه بمليم سلطة، وبمليم طعمية، وهكذا تسرد الحوادث، وتشير إليها في كلامك فمن الجائز أن تراعى القرابات والمناسبات إذا كان حدء. فإذا كان بتاع الكرات فريح (يريد بجانب) بتاع الطعمية يقوم يذكره بعده على طول علشان الواد ما ينساش. . وهكذا).

وأني لاعتذر إلى صاحب (الرسالة) من نشر مثل هذه التفاهات في مجلته، غير إن الانتصاف للغتنا العربية يدعونا إلى ذلك.

وليس شينا - كما أشرت إلى ذلك في مقالي السابق - أن يأمر الأستاذ طلبته عند المراجعة أن يمروا بالقلم على بعض هذا فأنَّا نعيب عليه أولا أن تدرس البلاغة العربية بهذا الأسلوب وثانيا أن يدون مثل هذا في مذكرات، ومعروف إن طلبة الجامعة يدونون مذكراتهم مما يلقفونه من أفواه أساتذتهم.

أما عن ظرف الفقهاء فأني قد ذكرت حينذاك أنني إنما اذكر نماذج ولا أريد الاستقصاء والحق إن الاستقصاء يحتاج إلى زمن طويل والى مجهود قد لا تسمح به شواغل الدرس، وحسبك أن تقرأ كتابي الأغاني ونفح الطيب لترى فيهما كل طريفة مستحبة من ملح علمائنا وفقهائنا، وربما استطاع الكاتب أن يتحدث عن أشخاص من الفضلاء الذين شهروا بالظرف فأبى السائب المخزومي وابن آبي عتيق، أما أن يستقصي هذا الفصل في العربية، فذلك شأو بعيد. والى الأستاذ تحياتي.

علي العماري

مدرس بالأزهر