مجلة الرسالة/العدد 684/في ركب الوحدة العربية:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 684/في ركب الوحدة العربية:

مجلة الرسالة - العدد 684
في ركب الوحدة العربية:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 08 - 1946


الأدب في فلسطين. . .

للأستاذ محمد سليم الرشدان

طلب ألي أن أتحدث في فلسطين عن مصر، وان لفلسطين لعزيزة على كل نفس، حبيبة إلى كل قلب، جديرة أن تذكر لدى كل بادرة، ويستهل بها عند كل حديث.

ألست إذا ذكرت ذلك البلد الطيب - أينما كنت في بلاد الله، في أوطان العروبة والإسلام - تحولت إليك الوجوه وتطاولت نحوك الأعناق، وتطلعت لما تبديه القلوب والأبصار؟!

فيا لله ما أعجب إن في ذلك الاسم لسرا من الأسرار، بل إن فيه لسحرا من السحر!!

أجل. أن فلسطين لتلك، وان الحديث عنها لذو شجون. إنها البلد القدس، إنها بلد الوحي والنبوة، إنها القبلة الأولى في الإسلام. فلا عجب أن تتشوق أليها كل نفس، ويهفو لدى ذكرها كل فؤاد. . . وان مسالك الحديث عن فلسطين لكثيرة، بل إنها الأوفر من أن يحيط بها حصر، أو يطيف بها إلمام. فعلي أن أسلك سبيلا ينتهي بي إلى غاية، فأتحدث عن حياة الأدب هناك.

وحياة الأدب في فلسطين حديثة العهد قريبة الأمد. فلو ذهبنا مع التاريخ غير بعيد، لألفيناها خلوا من الأدب جملة، عدا نتف من هنا وهناك، كانت تبدو على أقلام الفقهاء، ورجال الدواوين؛ لا يصح أن تسمى ادبا، كما لا يصح أن تعتبر مظهرا من مظاهر الأدب على أية حال.

وحين نتوغل في تاريخها. نجد أنها لم تنجب - على تطاول العصور - غير آحاد من الأفذاذ الذين كانوا يلتمعون بين حين وآخر، وفيهم الكاتب والشاعر والمؤرخ. ومن هؤلاء: عبد الرحيم البساني (القاضي الفاضل)، وصلاح الدين الصفدي (صاحب التأليف الكثيرة)، ومجير الدين الحنبلي (صاحب الأنس الجليل في أعيان القدس والخليل). وآخرون غيرهم ندر أن تعاصر منهم اثنان، فتركا أثرا بارزا من آثار الأدب الخالد، وذلك إذا اعتبرنا فلسطين في حدودها التي تنحصر خلالها اليوم.

ولعل السبب أنها بلد مقدس، فيه المسجد الأقصى حيث الصخرة المشرفة، وفيه الحرم الإبراهيمي والأنبياء من أبنائه. ولذا كان هّم من أعرض عن الدنيا وزخرفها، أن يشّد إليه الرحال، ليقيم فيها منصرفا إلى الله وطلب رضوانه، مقبلا على تفهم كتابه وسنن نبيه.

ومن هنا نبغ في فلسطين من أئمة الفقه ورجال السنة، من بقيت آثارهم وفتاواهم - إلى اليوم - شاهدة على مبلغهم من هذا العلم، وتبحرهم فيه. ومن هؤلاء: شيخ السلام خير الدين الرملي (صاحب الفتاوي الخيرية) والشيخ محمد الخليلي (صاحب الفتاوي الخليلية)، والشيخ سعد الدين الديري الخالدي (صاحب السهام الخارقة في الرد على الزنادقة)، والشيخ منيب هاشم الجعفري النابلسي (صاحب الفتاوي الشهيرة). وحسب فلسطين فخرا أن تنجب على رأس هؤلاء: الإمام الجليل (أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الغزي) الذي طبق ذكره الخافقين، وأنتشر مذهبه في بعيد الآفاق.

(أضف إلى ذلك افتقارها إلى مفاتن الطبيعة وجمالها الفطري، وخلوها من أتساع الحضارة وارتقاء العمران. فلا أنهار تسلكها قوارب المتنزهين وطلاب المتعة، وتنتشر على ضفافها الحدائق والمتنزهات ومواطن اللهو، ولا مدن كبيرة واسعة الرجاء، مزدهرة الحضارة، كثيرة الأرباض ملتفة الرياض والغياض. كما هو الحال في القاهرة ودمشق وبغداد والمدينة وغرناطة وسواها).

ومن هنا نتبين أن فلسطين حديثة عهد بنهضتها الأدبية، حتى أنه ما يزال معظم هؤلاء المؤسسين لها أحياء يرزقون. ونرجو الله أن يمد في آجالهم حتى يؤدوا رسالاتهم على أتم الوجوه وأكملها.

ولعل الكثيرين من إخواننا في مصر (وغير مصر) يجهلون أن في فلسطين نهضة ثقافية وحياة أدبية، ولا عجب فأننا نكاد نعيش في معزل عن العالم العربي، لقلة وسائل النشر عندنا. فلا مجلات شهرية تضاهي (المقتطف) و (الهلال)، ولا مجلات أسبوعية تماثل (الرسالة) أو (الثقافة). اللهم إلا مجلة واحدة، كان يصدرها قلم المطبوعات (شهرية)، إبان الحرب الأخيرة، وأسمها (المنتدى). وكان معظم ما ينشر فيها بأقلام مشاهير الكتاب من مصريين وسوريين، وبعض الفلسطينيين، ولذا لا تعتبر صورة صادقة عن الأدب الفلسطيني الخالص.

كما أنه ليست هنالك دار للنشر تضاهي (دار الكتب) أو دار الهلال)، خلا دار حديثة ناشئة، قام على تأسيسها جماعة في (يافا)، وهي تصدر سلسلة شهرية من كتيب صغير، على غرار سلسلة (أقرأ) في مصر إلا أن هذا الكتيب ينقص كثيرا في حجمه عن كتيب (أقرأ)، بالرغم من أنه يساويه بالثمن، وقد صدر من هذه السلسلة إلى الآن خمسة أعداد على ما أذكر.

إذن ماذا يصنع الأديب الفلسطيني ليعرفه الناس ويعرفوا آثاره الأدبية؟ إن أمامه واحدا من السبل التالية، وليس له عنه منتدح:

فأما أن يطبع كتابه أو ديوان شعره من خالص ماله، ويعرضه في الأسواق (مجازفة) ويرتقب حظه، ولا يقدم على هذا في الغالب إلا الموسرون من الأدباء. وهؤلاء كثيرا ما يصادفهم النجاح.

وإما أن يهتبل فرصة ملائمة، تسوقها مناسبة من المناسبات. ويبادر فيحتجن إلى نفسه هذا المجال المحدود الذي تعده الصحف اليومية لذلك، (وعندنا منها صحيفتان هما الدفاع وفلسطين)، فيملاء ذلك المجال بشعره أو بنثره الذي أعده لتلك المناسبة.

وإما أن يترقب ميقاته في (محطة الإذاعة الفلسطينية)، ليحاضر الناس من وراء المذياع بشيء من أدبه. وهذه المحطة تعد في برامجها أحاديث أدبية، يقدمها في الغالب أديب فلسطيني أو أديبة فلسطينية.

وقد يتجنب الأديب هذه السبل جميعا فينظم أو يؤلف لنفسه، (وكثيرا ما يأتي بروائع مدهشة. فيبقى بعيدا عن الناس، لا يدري خبره إلا خاصة إخوانه وصفوة خلانه، وسأقدم بعض هؤلاء الأدباء، واستشهد ببعض أقوالهم مصدقة لما وصفت.

هذا ما يفعله الأديب في فلسطين ليتعرف إلى الناس ويقدم إليهم إنتاجه، وليس كل أديب عندنا يشأ إلى نشر أدبه في الأقطار المجاورة، بل قليل ما أولئك.

وهاأنذا أقدم بعض هؤلاء الأدباء الذين استطاعوا أن ينشئوا النهضة الأدبية في هذا القطر، وبالرغم من ضيق ذلك الأفق الذي يحوط بالأديب كما أسلفت، وأذكر في طليعتهم بعض من تقدم بهم الزمن. فظهروا في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر وتركوا آثارا قيمة بين مخطوط ومطبوع ومنهم:

الأستاذ يوسف باشا الخالدي: وقد عاش هذا الأديب حياته بين العلم والسياسة، فكان واليا ثم مبعوثا في البرلمان التركي، فرئيسا لبلدية القدس، كما كان مدرسا في فلسطين، ثم أستاذا للعربية وآدابها في جامعة (فينا)، وهنالك ألف كتبا عدة، بعضها مخطوط وبعضها مطبوع. ومنها كتاب كان الأول من نوعه، استنبط فيه قواعد اللغة الكردية، وأسماه (التحفة الحميدة في اللغة الكردية)، ومنها كتاب آخر أسمه (أنا) وهو مجموعة مذكرات وآراء ومعالجات شتى. كما شرح ديوان لبيد وجمع متفرقه وطبعه في (فينا). وله عدا ذلك أبحاث شتى ومحاضرات عدة، وقد أقام في الآستانة سوقا أدبيا أسماه (عكاظ)، وآزره فيه بعض معاصريه من الأدباء.

والأستاذ بندلي صليبا الجوزي: وكان هذا الأديب المقدسي أستاذا للعربية واللغات السامية في جامعة (قازان) في روسيا. ثم في جامعة (باكو). وله مؤلفات عدة أهمها: (الحركات الفكرية في الإسلام) و (الأمومة عند العرب) و (أمراء غسان). وجميعها مطبوع. والكتاب الأخير منها يكاد يكون تاريخا للمسيحية العربية في بلاد الشام، ولعله أستهدف ذلك في تأليفه.

ومن أبرز ما يمتاز به هذا الأديب صبره البالغ حد العجب، وجلده المفرط على البحث الدقيق، والتحري في تحقيق ما أشكل وأنبهم.

والأستاذ روحي الخالدي: وقد تنقل هذا الأديب في دراسته الأولى بين الآستانة واوربة، وكانت له محاضرات في جامعة (السوربون) ثم أقيم محاضرا في (جمعية نشر اللغات الأجنبية) بباريس. وكان عضوا في مؤتمر المستشرقين، ثم قنصلا تركيا في (بوردو) بفرنسا.

ومن تصانيفه القيمة: (العالم الإسلامي) و (علم الأدب عند الإفرنج والعرب) و (الانقلاب العثماني) و (رحلة الأندلس) و (المسألة الشرقية). وجميعها مطبوع. ومن كتبه المخطوطة: (علم الألسنة) و (تاريخ الصهيونية) وهما في المكتبة الخالدية في القدس.

ثم الشيخ يوسف النبهاني: وهو أديب فقيه شاعر. نزح من قريته (اجزم) قرب حيفا إلى بيروت، وهنالك التمع واشتهر وكان راسخ العقيدة شديد التعصب في دينه، وتبدو آثار تعصبه هذه في معظم ما صاغه من شعر وأبدعه من نثر.

وله مدائح نبوية كثيرة، تكاد تكون معظم شعره. وكانت تربطه بالأمير شكيب أرسلان صداقة وثيقة العرى، تتجلى بما كانا يتبادلانه من شعر ونثر. كما كانت تربطه بالأستاذ فارس الشدياق أواصر ألفة ومودة، حملته على أن يرثيه حين موته بقصيدة رائعة قان فيها:

كم من مشاكل أعيتني فأوضحها ... وقال هاك فكاد الطفل يحكيها

وله قصائد (أيضا) غاية في متانة السبك واختيار الألفاظ، إلا أنها قيلت في هجاء الأئمة الثلاثة المصلحين، (جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبدة، ورشيد رضا) وهم أعلام الهدى والفضل كما تعلم!!

ويمدح الشيخ الصيادي بقصيدة يقول فيها:

ويممت دار الملك أحسب أنها ... إلى اليوم لم تبرح إلى المجد سلما

فألفيت فيها أمة عربية ... يرى الترك منها أمة الزنج أكرما

وللنبهاني كتب كثيرة، أذكر منها كتابة (الأنوار المحمدية).

(له تكملة)

محمد سليم الرشدان

(ماجستير في الآداب واللغات السامية)