مجلة الرسالة/العدد 684/صور من العصر العباسي:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 684/صور من العصر العباسي:

مجلة الرسالة - العدد 684
صور من العصر العباسي:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 12 - 08 - 1946


الخلفاء العباسيون والهدايا

للأستاذ صلاح الدين المنجد

- 2 -

أما هدايا الفصد، فلا تخرج عما ذكرت من قبل، فكانوا يهدون الجواري والصواني والأقداح والجامات البلور والشمامات والعنبر والمسك.

فقد فصد الرشيد فأهدى إليه اليزيدي جام بلور، وشمامات غالية، وكتب إليه: (يا أمير المؤمنين، تفاءلت بالشرب بالجام بجمام النفس ودوام الأنس، والغالية للغلو في السرور والازدياد من الحبور).

واقتصد المأمون مرة فأهدى إليه إبراهيم بن المهدي جارية معها عود، ورقعة فيها:

عفوت وكان العفو منك سجية ... كما كان معقوداً بمفرقك الملك

وفي مرة ثانية، أهدت إليه (رباح) أترجة عنبر، مكتوب عليها بماء الذهب بيتين من الشعر أعجب بهما، فكافأهما بمال كثير.

وافتصد المعتصم فأهدت إليه (شمائل) صينية عقيق عليها قدح، أسبل عليهما منديل مطيب، مكتوب عليه بالعنبر، أبيات شعر رقيق، فلما قرأه أمر بإحضار اسحق بن إبراهيم، وأمره أن يجعل له لحنا، وأمر مسرورا بإخراجها من وراء الستارة، ثم لم يزل يردد هذه الأبيات حتى أحكمتها شمائل وغنت فكأن سقط الدر يتناثر من فيها وأمر لإسحاق بمال وللجارية بخمس وصائف وخمسة آلاف دينار.

وافتصد إبراهيم بن المهدي، فأهدى إليه اسحق بن إبراهيم الموصلي صوتا من غنائه، وأرسل غلامه فغناه به.

وربما طلب الخليفة من خاصته أن يهدوه، كما فعل المتوكل. فقد افتصد، فقال لخاصته وندمائه اهدوا إلي يوم فصدي. فاحتفل كل واحد منهم في هديته.

وأهدى إليه الفتح بن خاقان جارية لم ير الراءون مثلها حسنا وظرفا وكمالا. فدخلت ومعها جام ذهب في نهاية الحسن، ودن بلور لم ير مثله فيه شراب يتجاوز الصفات، ورقعة فيه تهنئة بالشفاء فاستظرف المتوكل ذلك واستحسنه.

ولعل ألطف هدية أهديت في يوم فصد، هي هدية أبي دلف فقد افتصد عبد الله بن طاهر، فجمع أبو دلف ما أصاب في السوق من الورد وأرسله هدية له، وقد أوردت هذا الخبر لظرفه، رغم أن ابن طاهر ليس من الخلفاء.

أما هدايا العمال والولاة والملوك فكثيرة. فكان كل وال يتفنن بإرسال الهدايا للخليفة ابتغاء مرضاته. فقد وجد يعقوب ابن الليث صاحب خراسان إلى المعتمد هدية من جملتها عشر بزاة منها باز أبلق لم ير مثله، ومائة مهر، وعشرون صندوقا على عشرة بغال، فيها طرائف من الصين وغرائبه، ومائة عود من مسك، ومائة من عود هندي، وأربعة آلاف درهم.

ولما قدم ابن الجصاص من مصر على المعتضد، مرسلا من خمارويه، كان معه هدايا من العين عشرين حملا على بغال. وعشرة من الخدم، وصندوقان فيهما طرائف. وعشرون رجلا على عشرين نجيبا بالسروج المحلاة، ومعهم جرار فضة، وعليهم أقبية ديباج وسبع عشرة دابة بسروج ولجم، منها خمسة بذهب والباقي بفضة، وزرافة

وقد يرسل إلى الخليفة كل غريب. ففي سنة 299وردت من مصر هدايا منها كما ذكر الصولي تيس له ضرع يحلب اللبن.

ووردت رسل أحمد بن إسماعيل بهدايا منها مذبة مرصعة بفاخر الجوهر، وتاج من ذهب مرصع بجوهر له قيمة كبيرة. ومناطق ذهب مرصعة، وربعة ذهب مرصعة.

ووردت هدايا ابن أبي الساج أربعمائة دابة، وثمانون ألف دينار، وفرش أرمني لم ير مثله في بساط طوله سبعون ذراعا في عرض ستين ذراعا، عمل في عشر سنين.

وفي سنة 305، زمن المقتدر، ورد على السلطان هدايا جليلة من أحمد بن هلال صاحب عمان. وفيها أنواع الطيب، ورماح، وطرائف من طرائف البحر، وطائر أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء، وظباء سود.

وفي سنة 310هـ وصلت هدية ابن المادرائي الحسين بن أحمد من مصر، وهي بغلة ومعها فلو، وغلام طويل اللسان يلحق طرف لسانه أنفه.

وكان ملوك الروم والفرنجة يهدون إلى الخلفاء العباسيين الهدايا العظام توددا وتحببا. فقد أهدى ملك الروم إلى المأمون مائتي رطل مسك، ومائتي جلد سمور. فقال المأمون: ضاعفوها ليعلم عز الإسلام.

وأهدت ملكة الفرنجة إلى المكتفي بالله سنة 293هـ خمسين سيفا، وخمسين رمحا، وخمسين فرسا، وعشرين ثوبا منسوجا بالذهب، وعشرين خادما صقليا حسنا، وعشرة كلاب كبار لا تطيقها السباع، وستة بازات وسبعة صقور، ومضرب حرير.

وفي سنة 226هـ ورد كتاب من ملك الروم إلى الراضي. وكانت الكتابة بالرومية بالذهب، والترجمة بالعربية بالفضة، بطلب الهدنة. وفيه: (لما بلغنا ما رزقته أيها الأخ الشريف الجليل من وفور العقل وتمام الأدب، واجتماع الفضائل أكثر ممن تقدمك من الخلفاء، حمدنا الله تعالى. . . وقد وجهنا شيئا من الألطاف، وهي أقداح وجرار من فضة وذهب وجوهر، وقضبان فضة، وستور، وثياب سقلاطون، ونسيج ومناديل وأشياء كثيرة فاخرة).

فكتب إليهم الجواب بقبول الهدية، والإذن في الفداء، وهدنة سنة.

فهذه ألوان من الهدايا، وتبيان لهذه العادة الاجتماعية التي كان لها شأن في العصر العباسي، الحافل بالعجائب والغرائب.

صلاح الدين المنجد