مجلة الرسالة/العدد 68/الشخصية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 68/الشخصية

مجلة الرسالة - العدد 68
الشخصية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 10 - 1934

5 - الشخصية

للأستاذ محمد عطية الأبراشي

المفتش بوزارة المعارف

العناصر الرئيسية التي تتكون منها الشخصية القوية:

الثقة بالنفس والاعتماد عليها:

من العناصر الأساسية في تقوية الشخصية الثقة بالنفس أولاً، والاعتماد عليها ثانياً. ومتى وجدت الثقة بالنفس فمن السهل الاعتماد عليها في كل عمل ممكن من الأعمال، وفي التغلب على صعوبات الحياة. والسبب في كثرة الاعتماد على الغير أن الغريزة الاجتماعية قوية في الجنس البشري متأصلة فيه، وأننا اعتدنا التفكير الجمعي لا التفكير الاستقلالي. فينبغي أن نعود الأطفال الاعتماد على أنفسهم، والاستقلال في تفكيرهم من غير اتكال على أحد، حتى يستطيعوا في المستقبل أن يعيشوا معتمدين على أنفسهم. ولا نريد بذلك أن يعتزل الإنسان العالم وينقطع عن الناس، ويفكر في نفسه فحسب، فليس هذا من الإنسانية في شئ، بل إنه باعتزاله غيره يفقد الكثير، ولا يربح إلا القليل. ولكننا نريد تعويد الأطفال الاستقلال الشخصي والقدرة على القيام بأعباء الحياة من غير اتكال على الغير في كل شئ، حتى يمكنهم أن يقوموا بواجبهم نحو أنفسهم ونحو المجتمع. والاعتماد على النفس يتطلب الثقة بالنفس، والدقة في العمل، والتحقق منه، حتى تكون أحكامنا صائبة، وأمورنا نافذة، وأقدامنا ثابتة. أما إذا انتفت الثقة بالنفس أو الدقة في العمل، أو التثبت منه، فالاعتماد على النفس حينئذ يكون عبثاً ومن قبيل الأحلام. والرجل الواثق بنفسه ثقة بعيدة عن الغرور والاستبداد، الواثق بقوله وفعله - يستطيع أن يقف وحده منادياً برأيه مبرهناً على سداده وصوابه. وليس من يستقل برأيه في أمر من الأمور يكون مخطئاً دائماً، بل قد يكون مصيباً في رأيه، وقد يسبق في آرائه المجتمع الذي يعيش فيه بعشرات السنين، كما هي الحال في المصلحين الذين يكونون غالباً في واد والمجتمع في واد آخر، لا يقدر رأيهم إلا بعد مماتهم. وبالمصلحين الذين يثقون بأنفسهم يحيا المجتمع. وإذا مدحنا الثقة بالنفس فلا نمدح الإفراط فيها؛ لأنه قد تكون علامة على الضعف لا على القوة، كما لا نمدح ضعف الثقة فإنه دليل على ضعف الشخصية.

المزاج:

من العناصر الهامة المؤثرة في الشخصية: المزاج؛ فالناس يختلفون في أمزجتهم كما يختلفون في شخصيتهم، فهذا متفائل، وذاك متشائم، هذا سريع التأثر، وذاك بليد لا يكاد يتأثر، هذا كثير التردد، وذاك كثير الإقدام. كل له مزاج خاص، وسلوك يختلف باختلاف ذلك المزاج. ولكن ما السبب في اختلاف هذه الأمزجة؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نذكر رأي العلماء قديماً وحديثاً، حتى تتضح لنا الأسباب التي من أجلها اختلفت الأمزجة فنقول:

إن العلماء قديماً حاولوا تقسيم الأمزجة إلى أربعة أقسام: دموي، وصفراوي، وبلغمي، وسوداوي. وبنوا هذا التقسيم على السوائل والإفرازات الجسمية. فالشخص الاجتماعي المتفائل الواثق بنفسه، الغيور على عمله، الصافي الذهن، الحاد الذاكرة، كانوا يعتبرونه كثير الدم، وبعبارة أخرى دموي المزاج. والشخص العنيد السريع الانفعال القوي الإرادة، كانوا يقولون إن لديه كمية زائدة من الصفراء، أو المِرة، ويدعونه صفراوي المزاج. والشخص الهادئ، الذي يغلب عليه الكسل، وتلوح عليه البلادة، الذي لا يبالي ولا يكترث كثيراً ولا يتأثر بسهولة، كانوا يحسبون أن عنده مقداراً زائداً من البلغم، ويسمونه بلغمياً.

أما الشخص الذي تنتابه الأحزان، وتلعب به الوساوس، وتتقاسمه الهموم والمخاوف من غير سبب ولأقل سبب، فكانوا يخالون أن لديه زيادة في المِرة السوداء أو الطحال، ويعدونه سوداوياً. وقد زاد بعضهم مزاجاً خامساً وهو المزاج العصبي الناشئ من وفرة السائل العصبي.

أما المحدثون من العلماء فيرون أن هذا التعليل قديم ولا قيمة له من الوجهة العلمية؛ لأنه مبني على الجهل بعلم وظائف الأعضاء، وعلى نقص في المباحث العلمية قديماً. وهم إن أنكروا هذا التعليل في اختلاف الأمزجة لا ينكرون اختلافها، ويسلمون بتعدد أنواعها، ويعتقدون أن هناك أسباباً أخرى لاختلاف الأمزجة كالوراثة، والبيئة، والغذاء، والمرض، وضعف الأعصاب، كما يعتقدون أن إفرازات الغدد لها أثر كبير في اختلاف الأمزجة؛ فمزاج الشخص يختلف باختلاف قوة إفراز الغدد أو ضعفه. فلهذه الإفرازات تأثير كبير في الجسم والعقل، وعنها وعن الأمر السابقة ينشأ الاختلاف في الأمزجة. فالمزاج في رأي المحدثين يتأثر بالمواد الكيميائية وإفرازات الغدد المختلفة التي يحملها الدم إلى المخ والعضلات، لا بوفرة الدم أو الصفراء أو البلغم أو السوداء كما يقول القدامى من العلماء. ومن هذه الغدد:

(1) الغدتان الخاصتان بالكليتين، ولمهما صلة بالانفعالات والعواطف؛ فإذا كان إفرازهما قوياً كان الشخص سهل التأثر، سريع الغضب، وإذا كان إفرازهما ضعيفاً كان حليماً بطئ التأثر قليل الغضب.

(2) والغدد النكفية. وهي غدد صغيرة أسفل العنق، ولها صلة بالذكاء؛ فإذا كانت قوية الإفراز كان الشخص ذكياً، وبالعكس. ويرى (مكُدوجُل) وهو حجة في علم النفس أن الضعف العقلي قد ينشأ عن قلة إفراز الغدد النكفية أو عن عدم وجودها.

(3) وغدة تفاحة آدم ولها صلة بنشاط الشخص ومثابرته على العمل، وبالتجربة رأى بعض الأطباء وعلماء وظائف الأعضاء أن للغد تأثيراً قوياً في الإنسان، وقالوا - ونرجو أن تثبت التجارب قولهم - إن العمليات الجراحية يمكن أن تنظم إفراز غدتي الكليتين، وتغيير سلوك الشخص وطباعه. وإذا ثبت أن للغد تأثيراً كبيراً في ذكاء الشخص ومزاجه فينبغي التفكير في معالجة الضعف العقلي، وحدة الطبع من الوجهتين الطبية والنفسية معاً.

ومجمل القول أن الشخصية القوية يجب أن تتحقق فيها العناصر الآتية:

(1) الجاذبية، (2) النشاط العقلي أو الذكاء، (3) المشاركة الوجدانية، (4) الشجاعة، (5) الحكمة، (6) التفاؤل، (7) التواضع وعدم التصنع، (8) حسن مظهر الإنسان وقوامه، (9) قوة البيان، (10) الثقة بالنفس والاعتماد عليها، (11) اعتدال المزاج.

وهناك صفات أخرى كثيرة لابد منها في الشخصية. سنتكلم عنها فيما بعد عند التكلم على أنواع الشخصية والصفات الكمالية لها. ولكن العناصر المذكورة هي الأساسية في تقوية الشخصية الضرورية للنجاح في الحياة.

يتبع

محمد عطية الأبراشي