مجلة الرسالة/العدد 67/بين فن التاريخ وفن الحرب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 67/بين فن التاريخ وفن الحرب

مجلة الرسالة - العدد 67
بين فن التاريخ وفن الحرب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 10 - 1934

3 - خالد بن الوليد في حروب الردة

للفريق طه باشا الهاشمي

رئيس أركان حرب الجيش العراقي

(لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء)

خالد بن الوليد

5 - أسلوب القتال:

من الخطأ القول بأن ليس للعرب أسلوب في القتال قبل الإسلام. فان من تتبع أخبارهم في الجاهلية اتضح له أن للقوم مبادئ يسيرون عليها في قتالهم، وكانت هذه المبادئ ملائمة لاستعمال سلاحهم ومنطبقة على البيئة التي يقاتلون فيها.

أجل، إن العرب لم تقاتل بالجموع التي يقاتل بها الفرس أو الروم الذين كانت جيوشهم كبيرة قد تربو على المائة ألف في بعض المعارك. وجيش بهذه القوة يحتاج إلى تنظيم لسوقه قبل المعركة وتعبئته فيها. فجيش بهذه القوة يحتاج إلى تنظيم لسوقه قبل المعركة وتعبئته فيها. فجيش أولئك الأعاجم كان ينقسم إلى راجلين وفرسان والى طاعنين وضاربين ورماة. وكانت الفيلة عند الفرس والعجلات الحربية عند الروم، تقوم مقام الأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدافع الضخمة في يومنا هذا.

فنظام القتال عند اليونان كان مستنداً إلى (الفيلق) (الفلانكس) وهو وحدة تعبوية يبلغ متوسط قوتها (4000) مقاتل، يصطف الجنود فيها على ستة عشر صفاً طول كل صف (256) مقاتلاً. والجنود في (الفيلق) (الفلانكس) من المشاة مسلحون بالرمح والسيف والحربة والمغفر والدرع والترس. ويتكون من (الفيلق) القلب ويقف في الخط الثاني الذي يسبقه الخط الأول المؤلف من الرماة ويليه الخط الثالث. وتقف الخيالة في الميمة والميسرة لحماية الجانب.

ويتألف الجيش عادة من أربعة فيالق (فلانكسات) متى تيسرت القوة فيه. فتقف الفيالق (فلانكسات) متى تيسرت القوة فيه. فتقف (الفيالق) جنباً إلى جنب وبينها فاصلات صغيرة تتراوح بين عشرين وأربعين خطوة.

وكان هذا النظام لا يصلح للقتال إلا في الأرض السهلة المنبسطة، والمقدرة على الحركة فيه قليلة، ولا يستطيع تغيير الجبهة متى اقتضى الموقف ذلك، فضلاً عن أنه معرض للخسارة إذا أصيب برمي السهام.

أما نظام القتال عند الرومان فكان مستنداً إلى (اللجيون)، وهذا ينقسم إلى الكراديس ومجموعها عادة عشرة. وكانت الكراديس سابقاً تُعبأ على خطين كل خمسة منها في نسق وبينها فاصلة جهة كردوس، على أن تقف كراديس الخط الثاني وراء فاصلات الخط الأول.

ثم تطور هذا النظام في عهد يوليوس قيصر، فكان اللجيون يقف على ثلاثة خطوط: في الخط الأول أربعة كراديس، وفي كل من الخطين الباقين ثلاثة، وتبلغ قوة كل كردوس ألف مقاتل وتؤلف الكراديس القلب، ويقف أمامه الرماة الذين يرمون العدو بسهامهم أو بحرابهم قبل الاصطدام ثم ينسجون إلى المجنبات أما الخيانة فتحمى المجنبتين.

وكان نظام الكراديس يفوق نظام (الفيلق) (الفلانكس) في المقدرة على القتال والحركة والسير بسهولة، وكان في استطاعة الكراديس أن ينجد بعضها بعضاً.

والجانب في اللجيون قوى بخلاف جانب (الفيلق) (الفلانكس)، لأن كراديس الجانب متى غيرت ناصيتها استطاعت آن تقابل العدو الملتف حولها.

وسار الروم أو البيزنطيون في قتالهم على نظام الكراديس فأخبار الفتوح الأولى تدل على انهم كانوا يبعثون قواتهم كراديس ويحمون مجنبتهم باليمنة والميسرة. وكانت قوة الجيش تختلف باختلاف عدد اللجيونات وتقف على خط واحد، فأما آن تؤلف القلب تؤلف الخيالة وحدها الميمنة، وأما آن تؤلف القلب والميسرة والميمنة وتكون الخيالة على الجانبين.

وإذا كان عدد اللجيونات كثيرا يحتوي القلب عادة على أكثرها. وقد زادت قوة الخيالة على ما كانت عليه في زمن الرومان، لان الأقوام المتوحشة التي هاجرت من أسيا ودخلت أوربا باغتت رومية بجيوشها الخيالة الكبيرة، وجهزت الجنود لجيوش رومية زادت عدد الخيالة فيها واصبح للفارس شان خطير في القتال.

ولا يختلف نظام القتال عند الفرس عن نظام القتال عند الروم إلا اختلافا يسيراً والجيش الفارسي ما يظهر كان منقسما إلى كتائب - والكتيبة تقتل الكردوس وتبلغ قوتها ألف مقاتل - وكان خط القتال فيه ينقسم إلى القلب والميمنة والميسرة، وكانت كتائب الخيالة تحمى الجانبين على ما هو شائع. وكانت الفيلة تتقدم في جبهة القتال وعلى ظهورها الجنود المسلحون بالحراب والقسى. والذي يلفت النظر انه كان للرماة شان خطير في الجيش الفارسي. ولعل المشاة كانوا جميعا مجهزين بالقسى وجد ماهرين في الرماية. ومن الأساليب التي كان الجيش الفارسي. يلجا إليها في حرج الموقف ربط الرجال بعضهم ببعض بالسلاسل لكي يثبتوا في محلهم مهما كلفهم الآمر.

فإزاء هذه الأنظمة الشائعة بين الدول الكبرى المجاورة لبلاد العرب، كان طبيعيا ان يسير الحرب على أسلوب معين في قتالهم ولم ينزو العرب في عقر دارهم في السنوات التي سبقت الفتوح فالرواة يروون هجوم الحبشة على بلاد اليمن، وتوغلهم فيها بعد انتصارهم على الجيش اليماني، ويشيرون إلى التجاء تابعة اليمن إلى أكاسرة فارس وطلب النجدة منهم. فخاض الجيش الفارسي عباب البحر على أسطوله، وأرست سفنه على شواطئ اليمن، وحارب الأحباش وانتصر عليهم وطرهم من اليمن.

والقصاصون ينقلون أخبار المناذرة والغساسنة في حروبهم ومساعدتهم لكسرى أو لقيصر في الحرب الطاحنة التي دارت رحاها بين الفرس والروم. وقد ورد في القرآن الكريم نتف من أخبارها أما مؤرخو الرومان فيد كرون انتصارا ملك تدمر إذنيه على الرومان واعتزاز زوجه

الزباء (زنوبيا) بالعاصمة تدمر.

فهذا الاحتكاك المستمر بين العرب والأمم المجاورة لهم والاشتراك في القتال مع الجيوش الأجنبية منجدين أو مستنجدين، والغارات المتوالية على أرض السواد في العراق أو ارض الشام كل أولئك حمل العرب على اقتباس بعض الأساليب الحربية الشائعة عند

الفرس والروم، لذلك لا يأخذنا العجب إذا سمعنا ان للمناذرة كتيبتين، أي كردوسين: الدوسر والشهباء، وان بكر بن وائل قاتلت الفرس في يوم ذي قار على تعبئه

ومن المبادئ الحربية التي كان العرب يتمسكون بها في قتالهم مبدأ المباغتة، والمقدرة على الحركة، والأمنية فالمباغتة من أخطر المبادئ التي كانوا يتوخون منها الفوز في جميع خططهم لذلك تدل أخبار أيامهم ووقائعهم في الردة على عنايتهم الزائدة بالاستطلاع فكانت العيون تسبق حركاتهم، فأما أن يباغتوا عدوهم بأخذه على غرة، أو أن يكمنوا له فيفاجئوه.

أما مبدأ المقدرة على الحركة فظاهر من سيرهم على ظهور خيلهم أو جمالهم خفقاً مسافات بعيدة بسرعة فائقة وأما عنايتهم بمبدأ الأمنية فمعلوم من إيفادهم الأرصاد والعيون، ووضع الخيالة في المجنبة في القتال، ومراقبة جاني العدو مراقبة مستمرة للهجوم عليه عند سنوح الفرصة.

ومن المحتمل إننا لا نرى في كتب التاريخ مثالا للحركة السريعة التي قام بها خالد بن الوليد حين أمره عمر بنجدة جيش سورية وهو يحارب في العراق فقطع ابن الوليد البادية بجيش يبلغ عدده آلاف مقاتل على ظهر الخيل والجمال، وابتدع وسيلة لضمان الماء اللازم لخيله، وذلك عمل يدل على نبوغ نادرة، وسنشير إلى ذلك عند البحث في فتح العراق.

وفي غزوة أحد كانت قوة المسلمين ألف رجل، تختلف منها ثلاثمائة رجل. وكانت قوة قريش ثلاثة آلاف رجل، فنظر الرسول في كثرة قوة العدو، فأخلى المدينة وأنسحب إلى شمالها جاعلاً جبل أحد خلفه، للاستفادة من مناعة ومن وضعه المشرف على ما حوله ولما لم يكن الجانب الأيسر مسنوداً بقوة، وضع فيه مفرزة رماة بقوة خمسين رجلا لحمايته. أما جيش قريش فرتب صفوفه للهجوم بعد ان وضع قوة الخيالة على مجنبته، وكانت تبلغ مائتي رجل، وقدم الرماة في الخط الأول.

وكان خالد على رأس خيالة قريش في الجانب الأول يراقب رماة المسلمين ويشاغلهم ويتحين الفرص للهجوم عليهم، لكي يقطع خط الرجعة على المسلمين. وفعلا استطاع ذلك لما سنحت الفرصة، فقلب فوز المسلمين إلى انكسار مروع. فهذا كله يثبت لنا إن للعرب أسلوبا في القتال، وان مبدأ الأمنية كنا من اخطر المبادئ التي ساروا عليها. وفي يوم ذي قار نرى بوضوح النظام الذي سار عليه العرب في قتالهم الفرس، وهو يؤيد ما ذهبنا إليه.

ولا يخفى ان معركة ذي قار وقعت بين غزوة بدر وغزوة أحد، فانتقم فيها العرب من الفرس، ونالوا ظفراً حاسما شجعهم على الاستهانة بقوة فارس، وساعدهم على غزو بلاد السواد غزواً متواصلاً، حتى آل الأمر إلى فتحهم تخوم العراق.

ويروى لنا صاحب الأغاني أخبار ذلك اليوم بالتفصيل والواضح من ذلك ان العرب عبأوا صفوفاً وقسموها إلى كتائب، وجعلوا الطعن في الوراء ليحموه بقلبهم، وكان بمنزلة القاعدة التي يتمنون منها الجيوش في يومنا هذا وتوضع الخطط الحربية لحمايتها.

وأقاموا قوة في الميمنة من بني عجل، وقوة في الميسرة من بني شيبان. أما القلي فالفته قبائل بني بكر بن وائل. ومن الأساليب لبتي ساروا عليها انهم لم يقدموا الصفوف للقتال دفعة واحدة لكي لا تصيبها سهام الفرس فتفتك بها وكان الفرس على ما نعلم ماهرين في الرماية والحقيقة إن تقديم الصفوف بأجمعها في وقت واحد يجعلها عرضة للسهام دفعة واحدة بينما البدء بالحركة بكتيبة واحدة يجعل الصفوف الأخرى في مأمن من ضررها. وهذا من الأساليب التي كانت تراعى في هجوم الخيالة على المشاة، إذ تبدأ الحملة بخط منتشر ضعيف من الخيالة وتليها الخطوط المنظمة.

فالعرب على ما يظهر جلياً دخلت ميدان القتال بنظام لم يكن اقل شأنا من نظام الفرس. وكان منأمره أن هزومهم شر هزيمة، وطاردوهم إلى أرض السواد بعد أن غنموا أحمالهم وأثقالهم.

ولعل الطريقة التي سار عليها الرسول (ص) في غزوة بدر تدل على فكرة التعبئة عند العرب. كانت قوة المسلمين تبلغ ثلاثمائة مقاتل. بينهم خيال أو خيالان فقط، بينما كانت قوة قريش تربو على الألف وفيها مائة خيال.

وكان القصد من هذه الغزوة مباغتة قافلة قريش عند عودتها من الشام إلى مكة. ولما وصلت قوة المسلمين إلى مياه بدر علمت من الأسرى إن قريشاً أنجدت القافلة بقوة كبيرة كانت ثلاثة أضعاف قوة المسلمين. وكان لابد من الاصطدام، لأن انسحاب المسلمين دون القيام بعمل مما يؤثر في سطوة الإسلام ويشجع المنافقين على الشغب.

لذلك قرر الرسول إن يقاتل قريشاً بقوته الضعيفة على ان يزيد مناعتها بالتدابير التعبوية الموافقة. فاختار موضعاً يهيمن على معسكر قريش وقسم قوته إلى ثلاثة اقسام، وجعل لكل قسم قائداً، ورتب الأقسام بعضها بجانب بعض، وعبأها صفوفا كالبنيان المرصوص، وعرض الصفوف بنفسه فقدم المتأخر من الجنود وأخر المتقدم فأصبحت الصفوف متراصة. ومنع المسلمين من رمى السهام ومن التفاخر، وطلب منهم أن لا يتقدموا من ملهم، ولا يرموا إلا بعد أن تدنوا قريش منهم على مسافة قريبة. وكان يقصد بذلك أن تصيب السهام قوة قريش الفائقة فلا تتبعثر. وبفضل هذه الترتيبات انتصر المسلمون على قريش مع قلة عددهم وضآلة سلاحهم ولاشك في أن القتال بالكر والفر كان شائعا عند العرب ولعلهم كانوا يستعملونه كثيراً في غزواتهم لأخذ الثأر أو لجر مغنم. وكان يقع بين متقاتلين يبلغ عددهم العشرات ولا يجاوز المئات ولما كانوا يقاتلون بالجوع في أيامهم الشهيرة أو في مقاتلتهم الفرس أو الروم كانوا بلا ريب يعبئون قواتهم صفوفاً.

(يتبع)

طه الهاشمي